بقلم منور السعيدي
إن بداية تشكيل إدارة جديدة لقطاع غزة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد تغيير إداري أو انتقال تقني للسلطة من جهة فلسطينية إلى هيئة أخرى، لأن المسألة تجري في ظل استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية، وفي إطار ترتيبات دولية وإقليمية ترسم حدود الحركة السياسية والإدارية للفلسطينيين. لذلك، فإن السؤال الأساسي ليس فقط: من سيدير غزة؟ بل: في ظل أي علاقات قوة ستدار غزة؟ ولخدمة أي مشروع سياسي واجتماعي؟ ومن يملك القرار الفعلي في الأرض والحدود والأمن وإعادة الإعمار؟
جاء إعلان حركة حماس حلّ لجنة متابعة العمل الحكومي وتسليم الملفات إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة في شهر جويلية 2026 باعتباره خطوة لتنفيذ ترتيبات وقف إطلاق النار، وقالت الحركة إنها لن تكون جزءاً من ترتيبات “اليوم التالي”، وإنها تريد نقل إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية توافقية. وفي المقابل، فإن اللجنة الوطنية لإدارة غزة، التي تشكلت في إطار الترتيبات الدولية المرتبطة بخطة وقف إطلاق النار، يفترض أن تتولى إدارة الشؤون المدنية والخدمات والأمن الداخلي خلال مرحلة انتقالية. لكن المفارقة الأساسية أن اللجنة، حتى الآن، لا تستطيع مباشرة سلطتها بصورة كاملة، ما دام الاحتلال الإسرائيلي يحتفظ بالسيطرة على أجزاء واسعة من القطاع ويمنع أو يعرقل دخولها إلى غزة.
وقد رحبت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في 6 جويلية 2026، باستقالة لجنة العمل الحكومي في غزة، واعتبرتها «مقدمة إيجابية» ينبغي البناء عليها، داعية إلى تسليم الإدارة إلى اللجنة الوطنية بسلاسة، مع الحفاظ على حقوق الموظفين والعاملين في القطاع. وفي الوقت نفسه، رفضت الجبهة ربط دخول اللجنة الوطنية بشروط خارجية أو إسرائيلية، وطالبت بتمكين جهة فلسطينية من إدارة القطاع دون وصاية أو قيود خارجية، معتبرة أن هذه الخطوة يمكن أن تفتح الطريق أمام الوحدة الوطنية وإعادة بناء المؤسسات على أساس الشراكة.
أمّا الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، فقد رحبت بدورها بحل اللجنة الحكومية، ودعت إلى دخول اللجنة الوطنية إلى غزة فوراً، واعتبرت الإغاثة والانتقال إلى مرحلة التعافي أولوية عاجلة. وفي مواقفها اللاحقة شددت على أن قطاع غزة وحدة جغرافية وسكانية واحدة لا يجوز تقسيمها، ودعت إلى انسحاب قوات الاحتلال وفتح المعابر وإطلاق عملية إعادة الإعمار، بالتوازي مع إنهاء الانقسام وإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية وتشاركية.
وهنا تظهر الحقيقة المرة: يمكن تغيير الجهاز الإداري، ويمكن نقل الموظفين من سلطة إلى لجنة، ويمكن استبدال أسماء المؤسسات، لكن ذلك لا يعني انتقال السيادة. فالسيادة السياسية لا تتحقق بمجرد وجود موظفين فلسطينيين يديرون المستشفيات والمدارس والمياه والبلديات، بينما تبقى الحدود والمعابر والقوة العسكرية ومجال الحركة والقدرة على إعادة الإعمار خاضعة، بدرجات مختلفة، لإرادة الاحتلال والقوى الدولية. ومن هذه الزاوية، فإن الخطر هو أن تتحول الإدارة الجديدة إلى طبقة إدارية فلسطينية تعمل داخل إطار تحدده القوة المحتلة، فتُصبح مهمتها إدارة نتائج الاحتلال بدلاً من إنهائه.
هذه النقطة هي التي تجعل “اليوم التالي” في غزة صراعاً سياسياً لا إدارياً فقط. فإسرائيل تريد، وفق ما أعلنته مواقف حكومتها المتعاقبة خلال الحرب وما بعد وقف إطلاق النار، منع عودة حماس إلى إدارة القطاع، بينما تربط الترتيبات الأميركية والدولية بين إعادة الإعمار ونزع السلاح وإعادة تنظيم الحكم والأمن. وفي سبتمبر 2026 أُعلنت خطة بقيمة 2.45 مليار دولار لمشروعات أولية للتعافي وإعادة الإعمار في غزة، في وقت أشارت فيه التقارير إلى استمرار وجود عسكري إسرائيلي في أجزاء واسعة من القطاع، وإلى أن تنفيذ ترتيبات الإدارة الانتقالية ما زال يواجه عقبات سياسية وأمنية.
وبالتالي، لا يمكن فصل إعادة الإعمار عن الصراع على السلطة. فالركام الهائل، وتدمير البنية التحتية، وتهجير السكان، والحاجة إلى الغذاء والماء والسكن، كلها تخلق حاجة موضوعية إلى إعادة بناء المجتمع. لكن السؤال الطبقي والسياسي هو: من سيمول إعادة البناء؟ ومن سيحدد أولوياته؟ ومن سيتولى عقود الإعمار؟ ومن سيقرر توزيع الموارد؟ وهل ستُستخدم إعادة الإعمار لإعادة بناء المجتمع الفلسطيني، أم لتأسيس علاقة تبعية جديدة تجعل القطاع اقتصادياً وسياسياً أكثر ارتباطاً بالدول المانحة وبالشروط الأميركية والإسرائيلية؟
هنا تتضح أيضاً حدود موقف حماس. فالحركة أعلنت استعدادها للتخلي عن الإدارة الحكومية وتسليمها إلى لجنة فلسطينية، واعتبرت الخطوة استجابة للمصلحة الوطنية وإزالة للذرائع الإسرائيلية. لكن هذا الانتقال لا يحسم المسألة السياسية. فحماس تظل متمسكة بموقعها كقوة سياسية ومقاومة، بينما تشترط الترتيبات الجديدة وجود سلطة واحدة وإطار قانوني واحد وجهاز أمني موحد. ولذلك فإن التخلي عن إدارة الحكومة لا يعني بالضرورة التخلي عن النفوذ السياسي أو عن القضية الأوسع المتعلقة بالسلاح والمقاومة.
أمّا فتح والسلطة الفلسطينية فتطرحان مساراً مختلفاً. فقد أكد محمود عباس أن غزة جزء من الدولة الفلسطينية إلى جانب الضفة والقدس الشرقية، وربط المرحلة المقبلة بإعادة إعمار القطاع وبعملية سياسية تستند إلى الشرعية الدولية، كما شدد على أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وعلى مبدأ «سلطة واحدة وقانون واحد». وتعلن فتح استعدادها لخوض الانتخابات التشريعية المقررة في نوفمبر 2026، وقد أعلنت الحركة بالفعل تشكيل هيئة قيادية لها في غزة استعداداً للمرحلة السياسية والتنظيمية المقبلة.
لكن القراءة الواقعة لا تتعامل مع الصراع بين فتح وحماس باعتباره مجرد خلاف بين قيادتين أو برنامجين انتخابيين. خلف الانقسام السياسي توجد مصالح اجتماعية ومؤسساتية متباينة، وتوجد طبقات من البيروقراطية والمصالح الاقتصادية وشبكات التمويل والعلاقات الإقليمية والدولية. ولذلك فإن توحيد الإدارة الفلسطينية، إذا بقي محصوراً في إعادة توزيع المواقع بين النخب السياسية، لن يكون بالضرورة توحيداً للمجتمع الفلسطيني ولا حلاً لأزمة الانقسام. فالانتقال من إدارة حماس إلى إدارة تكنوقراطية أو مرتبطة بالسلطة الفلسطينية قد يغير شكل السلطة، لكنه لا يحل تلقائياً التناقض الأساسي مع الاحتلال.
وفي هذا السياق، يكتسب موقف الجبهة الشعبية أهمية خاصة، لأنها لا تنظر إلى انتقال الإدارة باعتباره مجرد ترتيب تقني، بل تربطه بإعادة بناء المؤسسات الوطنية على أساس الشراكة، وبصياغة استراتيجية مواجهة وطنية، مع رفض الوصاية الخارجية. أما الجبهة الديمقراطية، فتربط الانتقال الإداري بإنهاء الانقسام وبإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية وتشاركية، وتؤكد ضرورة العلاقة بين إدارة غزة والحكومة الفلسطينية بما يحفظ وحدة الأراضي الفلسطينية. وقد شددت الجبهة على أن الانتخابات يمكن أن تكون مدخلاً لإصلاح النظام السياسي وإنهاء الانقسام، شرط أن تسبقها عملية حوار وطني تضمن الحرية والنزاهة والشفافية والاعتراف بالنتائج.
وهنا تبرز نقطة التقاء مهمة بين الجبهتين: رفض تحويل إدارة غزة إلى مشروع منفصل عن بقية الأراضي الفلسطينية، ورفض تكريس الانقسام الجغرافي والسياسي، والدفع باتجاه صيغة فلسطينية وطنية لإدارة القطاع. لكن هذا التقاطع لا يلغي اختلاف المقاربات السياسية بين مختلف القوى. فبينما تركز حماس على الحفاظ على موقع المقاومة ودورها السياسي، وتطرح فتح والسلطة الفلسطينية مساراً يقوم على السلطة الواحدة والمؤسسات الرسمية، تدفع الجبهتان الشعبية والديمقراطية باتجاه صيغة تقوم على الشراكة الوطنية وإعادة بناء منظمة التحرير والمؤسسات السياسية، مع التأكيد على مواجهة الاحتلال ورفض الوصاية الخارجية.
وتكتسب مواقف القوى الفلسطينية الأخرى أهمية في هذا السياق. فقد دخلت حماس في اتصالات مع قوى مختلفة، بينها الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية والمبادرة الوطنية وتيار الإصلاح الديمقراطي في فتح، في محاولة لاستكشاف صيغة سياسية أوسع. كما شاركت الجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية والمبادرة الوطنية في لقاء القاهرة في جوان 2026، حيث دعت القوى الثلاث إلى حوار وطني شامل للتوافق حول العملية الديمقراطية والانتخابية وقوانين الانتخابات والأحزاب والدستور، بما يفتح الطريق أمام إعادة بناء النظام السياسي على قاعدة وطنية وديمقراطية.
وهذا يكشف أن الخلاف الفلسطيني لم يعد فقط حول من يحكم غزة، بل حول طبيعة النظام السياسي الفلسطيني نفسه، وشروط المشاركة فيه، وعلاقة المقاومة بالسلطة، وموقع منظمة التحرير، وشكل الانتخابات، وحدود العلاقة مع النظام الإقليمي والدولي. ومن هنا، فإن الصراع على شكل الإدارة الجديدة يخفي صراعاً أعمق حول طبيعة السلطة الفلسطينية المقبلة، وحول ما إذا كانت ستشكل أداة لإعادة بناء القرار الوطني المستقل، أم ستتحول إلى حلقة فلسطينية في منظومة سياسية وأمنية واقتصادية تُرسم خارج إرادة الشعب الفلسطيني.
ومن منظور عقلاني واقعي، فإن المسألة الأكثر حساسية هي أن الاحتلال يستطيع أن يتحول من احتلال مباشر إلى احتلال يتحكم من الخارج في شروط الحياة السياسية والاقتصادية، من دون أن يتولى كل تفاصيل الإدارة اليومية. وفي هذه الحالة تصبح الإدارة الفلسطينية المحلية، حتى لو كانت منتخبة أو توافقية، معرضة للتحول إلى وسيط بين السكان وبين منظومة السيطرة الخارجية. وهذا هو جوهر خطر «الإدارة تحت الاحتلال»: أن تتحمل السلطة المحلية مسؤولية الأمن والخدمات والبطالة والفقر وإعادة الإعمار، بينما تبقى الأسباب البنيوية لهذه الأزمات خارج نطاق سيطرتها.
ولهذا السبب، فإن تحذير الجبهة الديمقراطية من مشاريع تقسيم غزة إلى مناطق أو مربعات منفصلة يكتسب أهمية في قراءة مستقبل الإدارة. فقد اعتبرت الجبهة أن أي ترتيبات تؤدي إلى فصل أجزاء من القطاع عن بعضها يمكن أن تخلق وقائع جغرافية جديدة وتحوّل القطاع إلى كانتونات منفصلة، وشددت على أن غزة وحدة جغرافية وسكانية واحدة غير قابلة للتشطير.
وبالمثل، فإن رفض الجبهة الشعبية ربط دخول اللجنة الوطنية بشروط خارجية يطرح مسألة الاستقلال الفعلي للقرار الفلسطيني. فالمشكلة، من منظور تحرري، لا تكمن فقط في الجهة التي ستدير المؤسسات، بل في حدود قدرتها على اتخاذ القرار بعيداً عن الإملاءات الإسرائيلية والأميركية. فإذا كانت الإدارة الفلسطينية عاجزة عن دخول القطاع أو فتح المعابر أو ضمان وصول المساعدات أو إطلاق إعادة الإعمار إلا بموافقة قوة الاحتلال، فإن الحديث عن انتقال سياسي يبقى محدوداً مهما تغيرت أسماء المؤسسات.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي للإدارة الجديدة لن يكون عدد الوزراء أو أسماء أعضاء اللجنة، بل قدرتها على تمثيل المصالح الاجتماعية للفلسطينيين، وعلى ضمان مشاركة شعبية حقيقية في تحديد أولويات إعادة الإعمار، وعلى حماية الموارد العامة من الخصخصة والمحاصصة والفساد، وعلى عدم تحويل المساعدات الدولية إلى أداة للابتزاز السياسي. كما أن الانتخابات، إذا جرت، لا ينبغي أن تُختزل في إعادة إنتاج المنافسة بين النخب نفسها، بل أن تفتح المجال أمام العمال والفقراء والنازحين والشباب والنساء وسكان المخيمات للمشاركة الفعلية في القرار السياسي.
وتكشف التطورات الأخيرة أن القوى الفلسطينية نفسها تدرك، بدرجات مختلفة، أن استمرار الانقسام أصبح عبئاً ثقيلاً، لكن تحويل هذا الإدراك إلى وحدة سياسية حقيقية يتطلب أكثر من اتفاق بين القيادات. المطلوب هو إعادة بناء الحركة الوطنية من أسفل، على أساس مصالح الأغلبية الاجتماعية التي تحملت كلفة الحرب والاحتلال والحصار والانقسام. فالوحدة الوطنية التي تقوم على تقاسم المناصب بين الفصائل تختلف جذرياً عن وحدة اجتماعية وسياسية تنبع من تنظيم الجماهير ومشاركتها في القرار.
ومن هنا، فإن بداية تشكيل إدارة غزة الجديدة يمكن أن تكون إما خطوة باتجاه استعادة الحياة المدنية الفلسطينية، أو جزءاً من عملية أوسع لإعادة تنظيم القطاع بما يتلاءم مع شروط الاحتلال والقوى الدولية. والنتيجة لا يحددها اسم اللجنة وحده، ولا موقف حماس وحده، ولا رغبة السلطة الفلسطينية وحدها، بل ميزان القوى الذي سيتشكل حول مستقبل القطاع.
إن القضية الأساسية، في النهاية، ليست من سيجلس في مكاتب الإدارة الجديدة، بل من يملك القوة التي تحدد حدود هذه الإدارة. فإذا بقي الاحتلال صاحب القرار النهائي في الأرض والأمن والحركة وإعادة الإعمار، فإن تغيير الإدارة قد يعني إعادة ترتيب شكل السيطرة أكثر مما يعني إنهاءها. أما تحويل غزة إلى فضاء فلسطيني فعلي القرار، فيتطلب أن تكون إعادة الإعمار حقاً اجتماعياً لا مشروعاً استثمارياً، وأن تكون الإدارة خاضعة للمساءلة الشعبية، وأن تُبنى الوحدة الفلسطينية على قاعدة المشاركة الديمقراطية لا المحاصصة، وأن يرتبط التحرر الوطني بالتحرر الاجتماعي.
وفي هذا المعنى، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح الفلسطينيون مسؤولين عن إدارة الخراب الذي خلّفه الاحتلال، بينما يحتفظ الاحتلال بالأدوات التي أنتجت هذا الخراب. فالإدارة ليست سيادة، والتكنوقراط ليسوا تحرراً، وإعادة الإعمار ليست بالضرورة إعادة بناء وطن مستقل. ومعيار المرحلة المقبلة سيظل إذن هو مقدار ما يستطيع الشعب الفلسطيني أن ينتزعه من استقلال فعلي في القرار، ومن سيطرة على موارده، ومن قدرة على تنظيم نفسه سياسياً واجتماعياً، لا مجرد مقدار ما يتغير في شكل المؤسسات وأسماء القائمين عليها.
صوت الشعب صوت الحقيقة
