بقلم حمادي المثلوثي
لم يعد التطبيع المغربي مع الكيان الصهيوني مجرد علاقات دبلوماسية أو تبادل تجاري وسياحي، بل انتقل تدريجيًا إلى التعاون الأمني والعسكري، وصولا إلى مشاريع التصنيع الدفاعي ونقل التكنولوجيا. ويكشف هذا التحول أن العلاقات بين الطرفين تتجه نحو مرحلة أكثر عمقًا، تتجاوز الاعتراف السياسي إلى بناء مصالح مادية واستراتيجية طويلة الأمد.
إن ما يجري ليس مجرد صفقة تسلّح بين دولتين، بل مسار سياسي تتداخل فيه حسابات السلطة المغربية الإقليمية مع استراتيجية الكيان الصهيوني الرامية إلى توسيع نفوذه في المنطقة العربية والمغاربية، وتحويل اتفاقيات التطبيع إلى أدوات للاختراق الاقتصادي والأمني والعسكري. وهو ما يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة هذه الشراكة، والأهداف التي تخدمها، وانعكاساتها على القضية الفلسطينية وعلى مستقبل المنطقة.
فكيف انتقل المغرب من استئناف العلاقات مع الكيان الصهيوني إلى بناء شراكة عسكرية معه؟ وما المصالح التي تحكم هذا المسار؟ وأي ثمن تدفعه القضية الفلسطينية مقابل هذه الحسابات؟
من المصافحة الدبلوماسية إلى صفقات السلاح: التطبيع يكشف وجهه الحقيقي
لم يكن تطبيع العلاقات بين المغرب والكيان الصهيوني في ديسمبر 2020 مجرد خطوة دبلوماسية عابرة، بل مثّل تحولا استراتيجيا فتح الباب أمام توسيع التعاون السياسي والأمني والعسكري بين الطرفين. فقد تجاوزت العلاقة تبادل الزيارات والتمثيل الدبلوماسي إلى صفقات السلاح والتعاون الاستخباراتي والتكنولوجي، بما يجعل المغرب بوابة لتوسيع نفوذ الكيان الصهيوني في المغرب العربي.
وتكشف هذه التطورات أن التطبيع لا يخدم بالضرورة المصالح الشعبية، بل يرتبط بحسابات السلطة ومصالح الفئات النافذة، في إطار تحالفات إقليمية ودولية تُقدّم فيها الاعتبارات الأمنية والعسكرية على حاجات الشعوب إلى التنمية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الفعلي.
الصحراء الغربية مقابل التطبيع؟ حين تدخل القضايا العادلة سوق المقايضات
جاء الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء الغربية، بالتزامن مع إعلان التطبيع، ليكشف طبيعة المقايضات التي تحكم العلاقات الدولية. فقد تزامن المساران في إطار ترتيبات سياسية أوسع، بما يطرح أسئلة جدية بشأن توظيف القضايا الوطنية في المساومات التي تخدم حسابات السلطة والتحالفات الخارجية.
ولا يمكن فصل هذه الترتيبات عن الصراع على النفوذ في المنطقة المغاربية، حيث تتداخل مصالح القوى الإمبريالية مع رهانات الأنظمة المحلية. وفي هذا السياق، قد تتحول القضايا العادلة من مبادئ تحررية إلى أوراق تفاوض توظف لتثبيت المواقع الإقليمية وتعزيز التحالفات السياسية.
السلاح بوابة للنفوذ: تحديث الجيش أم الارتهان للتكنولوجيا الصهيونية؟
يشكل التعاون العسكري أحد أبرز أوجه التطبيع المغربي الصهيوني. فصفقات السلاح والتعاون في مجالات التكنولوجيا الدفاعية والأمن السيبراني لا تقتصر آثارها على اقتناء المعدات، بل قد تنشئ علاقات تبعية طويلة الأمد، من خلال الحاجة إلى الصيانة والتحديث والتدريب والتكنولوجيا والخبرات الخارجية.
وتؤكد التطورات الأخيرة انتقال التعاون المغربي مع شركاء أجانب إلى مرحلة التصنيع العسكري. فقد أفادت وكالة رويترز، في 8 أكتوبر 2026، بأن شركة «موروكان ميليتاري إندستري» تستهدف بدء تسليم أبراج للمركبات المدرعة للجيش المغربي في مارس 2027، مع منشأة قرب الدار البيضاء وأخرى قيد الإنشاء لإنتاج الذخائر في سيدي يحيى.
ويأتي هذا التطور في سياق تعميق التعاون العسكري المغربي الصهيوني، بما يعزز أهمية التصنيع الدفاعي والتكنولوجيا بوصفهما مجالين لتشابك المصالح وتوسيع النفوذ.
ولا تقاس أهمية هذه المشاريع بوعود التشغيل والتصنيع وحدها، بل بمدى تعزيزها للاستقلال التكنولوجي والاقتصادي، وبالجهات المستفيدة من عائداتها ومدى استجابتها لحاجات المجتمع.
ومن منظور طبقي، لا يكفي الاحتفاء بمواطن الشغل والتصنيع، بل يجب مساءلة الجهات المستفيدة من هذه المشاريع ومدى إسهامها في تحقيق الاستقلال الاقتصادي والتكنولوجي وتلبية الحاجات الشعبية، بدل تكريس التبعية وخدمة مصالح الفئات النافذة.
اختراق المغرب العربي من البوابة المغربية
لا تتوقف انعكاسات التطبيع عند حدود المغرب، بل تمتد إلى المنطقة المغاربية التي تعاني أصلًا من التنافس بين القوى الإقليمية والدولية، ومن غياب مشروع وحدوي مستقل قادر على حماية مصالح شعوبها.
إن تعميق التعاون العسكري والأمني بين المغرب والكيان الصهيوني يفتح المجال أمام توسيع حضوره في منطقة ذات أهمية استراتيجية، ويزيد من مخاطر تحويل المغرب العربي إلى ساحة تنافس وتسابق على التسلح، بدل أن يكون فضاءً للتكامل الاقتصادي والتعاون الشعبي.
كما أن الاعتماد على التكنولوجيا العسكرية الخارجية قد يمنح الشركاء الأجانب أدوات تأثير تتجاوز الجانب التقني لتطال القرار السياسي والأمني. وفي ظل التفاوت الاقتصادي والتكنولوجي بين الأطراف، لا تكون العلاقة بالضرورة متكافئة، حتى عندما تُقدّم رسميا باعتبارها شراكة للتحديث والتطوير.
وهكذا، يصبح التطبيع جزءا من إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة، بما يخدم مصالح القوى المتحالفة ويضعف فرص بناء موقف مغاربي مستقل إزاء قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
الشعب المغربي في واد وسلطة التطبيع في واد آخر
لا يمكن اختزال المغرب في خيارات سلطته السياسية. فالشعب المغربي، شأنه شأن شعوب المنطقة، يضم قوى اجتماعية وسياسية ونقابية ترفض التطبيع وتساند الشعب الفلسطيني، وقد عبّرت تحركات شعبية متعددة عن رفضها إقامة علاقات طبيعية مع كيان يواصل احتلال الأراضي الفلسطينية وممارسة العدوان.
ويكشف هذا التناقض عن الفجوة بين خيارات السلطة وتطلعات قطاعات واسعة من الشعب. فالقرارات الاستراتيجية التي تمس مستقبل البلاد لا تقاس فقط بما تحققه من مكاسب دبلوماسية أو عسكرية، بل بمدى خدمتها للمصالح الشعبية واحترامها لإرادة المجتمع.
وتتضح المسألة الطبقية أيضا في توزيع الموارد العمومية والأولويات الاقتصادية. فحين تمنح الترتيبات العسكرية والأمنية أولوية على حساب حاجات اجتماعية ملحّة، يصبح من الضروري مساءلة السلطة عن واقع التشغيل والتعليم والصحة والخدمات العمومية، وعن المستفيدين الفعليين من الخيارات الاستراتيجية التي تتخذها باسم المجتمع.
ولا يعني ذلك التقليل من حق البلدان في الدفاع عن نفسها أو تطوير قدراتها، بل التمييز بين بناء قدرة وطنية مستقلة تستجيب لحاجات المجتمع، وبين تعاون قد يكرّس التبعية ويخدم مصالح الفئات النافذة والشركاء الخارجيين.
مقاومة التطبيع: معركة فلسطين واستقلال شعوب المغرب العربي
إن مواجهة التطبيع ليست مجرد موقف أخلاقي أو تضامن رمزي مع الشعب الفلسطيني، بل هي جزء من النضال من أجل الاستقلال الوطني والتحرر من الهيمنة الإمبريالية والصهيونية. فالتطبيع العسكري والتكنولوجي يوسّع مجالات النفوذ الخارجي، وقد يعمّق التبعية ويزيد من مخاطر التوتر والتسلح في المنطقة.
ومن هنا تبرز أهمية دعم القوى الشعبية والنقابية والسياسية الرافضة للتطبيع في المغرب، وتوسيع التضامن المغاربي مع الشعب الفلسطيني، ومواجهة محاولات تحويل القضية الفلسطينية إلى ملف ثانوي في حسابات الأنظمة والتحالفات الإقليمية.
كما تقتضي هذه المواجهة الدفاع عن حق الشعوب في مراقبة الخيارات الاستراتيجية التي تتخذ باسمها، وفي مساءلة السلطة عن توجيه الموارد العمومية وعن طبيعة الشراكات الاقتصادية والعسكرية التي تعقدها.
إن البديل لا يكمن في استبدال تبعية بأخرى، ولا في الانخراط في سباق تسلح يخدم مصالح القوى الكبرى، بل في بناء تعاون مغاربي مستقل، قائم على التكامل الاقتصادي، والتنمية الموجهة لتلبية الحاجات الشعبية، واحترام السيادة، ودعم النضال الفلسطيني من أجل التحرر.
فالمعركة ضد التطبيع هي أيضا معركة ضد التبعية، وضد إخضاع مصالح الشعوب لمنطق الأرباح والتحالفات العسكرية. ومن دون مشروع شعبي تحرري يضع مصالح العمال والفلاحين وسائر الفئات الشعبية في صدارة الأولويات، ستظل الوعود بالتحديث والاستثمار قابلة للتحول إلى غطاء لإعادة إنتاج التفاوت والتبعية وتوسيع النفوذ الخارجي.
صوت الشعب صوت الحقيقة
