بقلم حمادي المثلوثي
أتذكر من الموروث الشعبي التونسي حكاية “البوتلّيس”؛ ذلك الكائن الغامض الذي كان يقال إنه يأتي إلى النائم في لحظة بين النوم واليقظة، فيجثم على صدره، ويثقل أنفاسه، ويشلّ حركته، ويمنعه من الكلام. يكون الإنسان واعيا بما يحدث له، يشعر بالخوف، ويحاول أن يتحرك أو يصرخ، لكنه يعجز عن ذلك. ثم تنتهي اللحظة، فيستعيد جسده قدرته على الحركة، ويبقى السؤال: ما الذي كان يجثم على صدري؟
كلما تأملت واقعنا السياسي والاجتماعي اليوم، أجدني أعود إلى هذه الصورة الشعبية القديمة.
أشعر أحيانا أن “البوتلّيس” لم يعد مجرد حكاية من حكايات الأجداد، بل أصبح استعارة لما نعيشه. أراه في الخوف الذي يتسلل إلى المجال العام، وفي التضييق على الكلام، وفي تراجع مساحات الحوار، وفي الإحساس المتزايد بأن المجتمع يريد أن يتكلم ويتحرك، لكنه يصطدم بثقل يمنعه من ذلك.
بالنسبة إليّ، لا أرى الاستبداد مجرد قرارات أو إجراءات منفردة. أراه أيضا مناخا عاما يجعل الإنسان يفكر طويلا قبل أن يتكلم.
وهنا تحديدا تكمن خطورة “البوتلّيس”: ليس فقط لأنه يمنع الحركة، وإنما لأنه قد يجعل الإنسان يتوقع العجز قبل أن يحاول الحركة.
حين يصبح الخوف جزءا من حياتنا السياسية
عندما أتأمل واقع البلاد وما نعيشه اليوم، أجد أن المشكلة لا تكمن فقط في القمع المباشر. فالقمع يصبح أكثر تأثيرا عندما يتحول إلى خوف داخلي، وعندما يبدأ الفرد في مراقبة نفسه قبل أن تراقبه السلطة.
أخشى أن نعود إلى مرحلة يصبح فيها الصمت أسهل من الكلام، والابتعاد عن السياسة أسهل من محاولة تغيير الواقع.
فالشعب التونسي عاش مثل هذه الحالة في مراحل سابقة من تاريخه، وخاصة في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، حين جعل التضييق على الحريات والخوف من السلطة قطاعات واسعة من المجتمع تحسب خطواتها وكلماتها، وتدفع كثيرين إلى الابتعاد عن الشأن العام.
وما يخيفني هو أن تتجدد هذه الحالة في أشكال جديدة، لأن أخطر ما يمكن أن يفعله الاستبداد ليس فقط أن يمنع الإنسان من الكلام، وإنما أن يجعله يقتنع بأن الكلام لا جدوى منه.
وفي تقديري، فإن تراجع الحوار بين السلطة والمجتمع يزيد هذا الشعور. فحين لا تجد المطالب الاجتماعية والسياسية قنوات حقيقية للوصول إلى أصحاب القرار، فإنها لا تختفي؛ إنها تتراكم.
ويزداد الأمر تعقيدا عندما تتضخم في الحياة السياسية فكرة “الزعيم الملهم”، الذي لا يُنظر إليه فقط باعتباره القادر على التشريع والتنفيذ والقضاء، بل باعتباره من يحتكر السلطات الثلاث، ويختزل في شخصه وظائف الدولة ومؤسساتها.
وفي مثل هذا المناخ، أجد السلطة أقرب إلى إدارة الأزمات بدل العمل على حلها. فالأزمة تُدار من لحظة إلى أخرى، ويبحث عن كيفية احتوائها أو تأجيلها أو منع امتدادها، بدل معالجة أسبابها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وهكذا تتراكم الأزمات، بينما تبقى أسبابها الأصلية قائمة.
وحين لا تجد الاحتجاجات مجالا للحوار، يصبح التعامل معها أمنيا بدل أن يكون سياسيا واجتماعيا.
لا أعتقد أن رفض الحوار يلغي الأزمة، كما لا أعتقد أن تجاهل المطالب يجعلها غير موجودة. بل أرى أن غياب الحوار المنظم يجعل الخلافات الطبيعية داخل المجتمع أكثر حدة، ويعمّق فقدان الثقة.
عندما تضيق مساحة الوساطة
ومن بين أكثر ما يستوقفني في هذا السياق مسألة الأجسام الوسيطة. فالأحزاب والمنظمات والنقابات والجمعيات ليست هياكل زائدة يمكن الاستغناء عنها، وإنما هي جزء من حياة المجتمع، ومن خلالها تستطيع فئات اجتماعية مختلفة أن تعبّر عن مصالحها، وأن تتفاوض، وأن تختلف، وأن تبحث عن حلول وتسويات.
وحين تضيق هذه المساحات، يصبح المواطن في مواجهة مباشرة مع السلطة، من دون قنوات كافية للحوار والتفاوض.
بالنسبة إليّ، لا يمكن أن تكون الوساطة عائقا أمام العلاقة بين السلطة والشعب. فالوساطة إحدى الآليات التي تجعل هذه العلاقة ممكنة ومنظمة.
ولهذا أعتبر أن الدفاع عن الحوار لا يعني الدفاع عن امتيازات نخبة سياسية، وإنما الدفاع عن حق المجتمع في أن يكون له صوت، وعن حق العمال والفلاحين والشباب وسائر الفئات الاجتماعية في تنظيم مصالحهم والتعبير عنها.
“التآمر” بدل الإجابة عن الأسئلة
يثير قلقي أيضا أن يتحول كل خلاف أو احتجاج إلى سؤال حول «من يقف وراءه؟» بدل السؤال عن الأسباب التي دفعته إلى الوجود.
عندما يحتج عامل، أريد أن أعرف لماذا يحتج؟
وعندما يحتج فلاح، أريد أن أعرف ما الذي دفعه إلى الشارع؟
وعندما يصرخ شاب بسبب البطالة أو التهميش، أريد أن أفهم أسباب غضبه؟
لا أريد أن يبدأ النقاش بالسؤال: من حرّكه؟
فحين يتحول الاحتجاج الاجتماعي إلى شبهة، والسياسي المخالف إلى متآمر، والمنتقد إلى عدو، يصبح النقاش حول السياسات والحقوق والمشاكل الحقيقية مؤجلا إلى ما لا نهاية.
وما أراه هو أن المجتمع يحتاج إلى إجابات عن أسئلته، لا إلى مزيد من القمع والتخويف.
“البوتلّيس” لا يدوم
لكنني، رغم كل ذلك، لا أعتقد أن “البوتلّيس” يمكن أن يبقى إلى الأبد.
هذه هي النقطة التي تجعلني أستعمل هذه الاستعارة.
ففي الحكاية الشعبية، مهما اشتدّ “البوتلّيس”، تنتهي اللحظة ويستعيد الإنسان قدرته على التنفس والحركة.
وأعتقد أن هذا ينطبق أيضا على المجتمعات.
قد يفرض الخوف الصمت لفترة، وقد يحد القمع من الاحتجاج، وقد يدفع تضييق المجال العام بعض الناس إلى الابتعاد عن الشأن العام، لكن ذلك كله لا يلغي أسباب الغضب ولا يلغي التناقضات الاجتماعية.
البطالة لا تختفي بالقمع وغلاء المعيشة لا يتراجع بالاتهامات ومشاكل الفلاحين لا تُحل بتخوين المحتجين وأزمات الجهات والأحياء الشعبية لا تختفي عندما نغلق المجال السياسي.
المجتمع التونسي مجتمع حي، متعدد المصالح والتناقضات، فيه العمال والفلاحون والشباب والنساء وصغار الموظفين والمهمشون وأصحاب المؤسسات الصغرى وسكان الأحياء الشعبية. وكل هؤلاء يحملون أسئلة ومطالب ومصالح لا يمكن إلغاؤها بقرار سياسي.
أريد أن أستعيد القدرة على التنفس عندما أتحدث عن مقاومة الاستبداد، لا أقصد فقط رفض القمع عندما يقع، بل أتحدث عن استعادة المجتمع لقدرته على الكلام والتنظيم والفعل. أريد أن يكون العامل قادرا على الدفاع عن حقوقه.
وأريد للفلاح أن يكون قادرا على التعبير عن مشاكله.
وأريد للشاب أن يجد مكانا له في الحياة العامة.
وأريد للمنظمات والنقابات والأحزاب أن تكون قادرة على القيام بدورها.
بالنسبة إليّ، الحرية ليست ترفا منفصلا عن الخبز والعمل والعدالة الاجتماعية. وحرية التنظيم ليست قضية نخبوية، كما أن حرية الاحتجاج ليست امتيازا لفئة دون أخرى.
إنها الشروط التي يستطيع من خلالها المجتمع أن يدافع عن مصالحه وأن يفرض حضوره.
لقد كان “البوتلّيس” في مخيالنا الشعبي قوة غامضة تجثم على صدر الإنسان وتمنعه من الحركة والكلام.
أما اليوم، فأعتقد أن “البوتلّيس” السياسي ليس غامضا إلى هذا الحد.
أراه عندما تصبح السلطة فوق المساءلة.
وأراه عندما يصبح الاحتجاج تآمرا.
وأراه عندما يصبح الاختلاف تهديدا.
وأراه عندما يتحول التنظيم المستقل من شريك في الحياة العامة إلى خصم وعدو.
وأراه عندما يصبح الخوف وسيلة لإدارة المجتمع.
وعندها لا يعود السؤال بالنسبة إليّ: من أين جاء “البوتلّيس”؟
بل يصبح السؤال: كيف نستعيد قدرتنا على التنفس والحركة؟ وكيف نستعيد للمجتمع قدرته على الكلام والتنظيم والفعل؟
لأنني أؤمن أن المجتمع الذي يستعيد صوته، ويستعيد قدرته على التنظيم، ويكسر حاجز الخوف، لا يمكن أن يبقى طويلا تحت “البوتلّيس”.
صوت الشعب صوت الحقيقة
