الرئيسية / صوت الوطن / عودة على ظاهرة البطالة في تونس
عودة على ظاهرة البطالة في تونس

عودة على ظاهرة البطالة في تونس

بقلم علي البعزاوي

البطالة ظاهرة اجتماعية رافقت كل المنظومات التي حكمت تونس من 1956 إلى اليوم. وهي كما نعلم منظومات مرتبطة اقتصاديا بالاقتصاد الرأسمالي العالمي وتعمل وفق أوامره مقابل الحصول على القروض والمساعدات والاستثمارات.

في 2010 كان المعدل العام للبطالة يحوم حول الـ 13% قبل أن يقفز في شهر ماي من نفس السنة إلى 18.3%. وفي 2011 راوحت هذه النسبة بين 18% و18.9% بسبب تراجع النشاط الاقتصادي والسياحي. وفي الفترة 2012-2019 تراوحت بين 15% و15.5% قبل أن تشهد ارتفاعا سنة 2020 بسبب جائحة كورونا. وواصلت الارتفاع سنة 2021 لتسجل 17.8% خلال الثلاثي الأول و18.4% خلال الثلاثي الثاني.

أما اليوم وفي ظل حكم الشعبوية اليمينية الاستبدادية فتصل معدلات البطالة وفق المعهد الوطني للإحصاء 14.9% خلال الثلاثي الثاني من 2026.

خصائص البطالة في تونس

بالإضافة إلى المعدلات المرتفعة للبطالة في تونس والتي أتينا على ذكرها فإنها تسجل اختلالات بين الذكور والإناث من جهة وبين عموم الشباب وأصحاب الشهائد من خريجي الجامعات من جهة ثانية وبين الأقاليم والجهات أيضا.

إن من بين ما يفوق الـ651 الف عاطل عن العمل مسجلين خلال الثلاثي الثاني من 2026 11.8% ذكور مقابل 21.6% إناث.

ومن جملة المعطلين عموما هناك 26.6% من أصحاب الشهائد أغلبهم إناث أيضا.

كما أن هناك تباين واضح في نسب البطالة بين الأقاليم حيث تسجل الجهات الداخلية والجنوبية نسب بطالة أعلى مقارنة بإقليم تونس الكبرى والمناطق الساحلية الشرقية أين تتركز الأنشطة الاقتصادية والصناعية والخدمية.

إن التمييز بين الجهات وهو مظهر من مظاهر اللامساواة وغياب العدالة يضاف إليه التمييز بين النساء والرجال وبين أصحاب الشهائد وعموم العاطلين من شأنها أن تزيد هذه الأزمة عمقا واستفحالا بما يجعلها غير قابلة للحل في ظل دولة الاستعمار الجديد لأنها أزمة هيكلية تتعلق بجوهر الخيارات العامة الاقتصادية والاجتماعية المصممة بصفة واعية وإرادية لخدمة مصالح الأقلية الكمبرادورية وكبرى الشركات والمؤسسات الأجنبية المنتصبة في بلادنا على حساب العمال وعموم الكادحين الذين يمثلون الأغلبية والذين يعانون الاستغلال والتهميش والحرمان وانعدام الخدمات الاجتماعية اللائقة مما يفقدهم الشعور بالانتماء لهذه البلاد.

حول الأسباب الجوهرية للبطالة

البطالة ليست قضاء وقدرا بل صناعة رأسمالية. فكلما كانت هناك ملكية خاصة لوسائل الإنتاج وعمل مأجور، واختلال بين الطابع الخاص للتملك والطابع الاجتماعي للإنتاج فإن أجور البؤس التي تقدم للعمال، صانعي الثروة، لا تمكنهم من استيعاب كل ما ينتجونه من ثروات فتحدث أزمات فائض إنتاج يرافقها تسريح لأعداد هائلة من العمال الذين يحالون على البطالة القسرية. وبما أن المعاهد والجامعات تفرز كل سنة أعدادا هائلة من الخريجين من أصحاب الشهائد المختلفة الذين لا يجدون الفضاءات الضرورية والمناسبة للعمل فإن نسب البطالة ترتفع دون توقف خاصة في الدول التابعة مثل تونس، حيث الهشاشة الاقتصادية وغياب المشاريع الكبرى المنتجة للثروة وضعف القدرة على التشغيل بسبب هيمنة الاقتصاد الريعي.

في الدول التابعة حيث يهيمن الاقتصاد المذكور، هناك فجوة بين منظومة التعليم وسوق الشغل وعديد الاختصاصات لا تجد المجالات المناسبة للشغل فتضطر إما للهجرة أو البحث عن عمل هش خارج الاختصاص بهدف البقاء على قيد الحياة.

كما أن انخفاض وتيرة النمو الاقتصادي حيث لا تتجاوز معدلات النمو 2% إلى 2.3% لا تسمح بتوفير فرص عمل جديدة كافية لاستيعاب الأعداد الكبيرة من خريجي الجامعات.

يضاف إلى هذه الآفات سياسات التقشف المعتمدة من الحكومات المملاة من دوائر النهب الامبريالي وما ينجرّ عنها من تجميد للانتدابات خاصة في القطاع العام وضغط على الأجور… ممّا يزيد في عرقلة النمو الاقتصادي.

يضاف إلى كل هذه المظاهر السلبية المعيقة للتشغيل ضعف القطاع الخاص وتردده في المبادرة بالاستثمار وتعويله على الدولة لتمتيعه بالامتيازات الجبائية والقانونية أيضا التي تسمح له بمنع تشكيل النقابات العمالية والضغط على الأجور ودهورة ظروف العمل.

الحلّ جذري أو لا يكون

في 24 أكتوبر1929 (“الخميس الأسود”) عندما اندلعت الأزمة الاقتصادية العالمية من بورصة وول ستريت بالولايات المتحدة الأمريكية لتمتد إلى باقي العالم الرأسمالي وتضرب الجميع، وهي أزمة فائض إنتاج بالأساس بالإضافة إلى المضاربات المالية الوهمية وعجز المضاربين عن تسديد ديونهم وإفلاس البنوك والمؤسسات الكبرى… فإن هذه الأزمة لم تمس الاتحاد السوفياتي الذي بقي بمعزل عنها لأنه يعتمد نظاما اقتصاديا مخططا له بعناية وموجه لتلبية حاجيات السكان لا لتحقيق الأرباح الحرة مثلما هو معمول به في الأنظمة الرأسمالية.

في العام 1929 كانت أعداد العاطلين في الدولة الاشتراكية تتراوح بين الـ 1.2 والـ1.7 مليون وهو ما يقابل بين 10% و12% من إجمالي الطبقة العاملة السوفياتية قبل أن تنخفض إلى مستوى الصفر بحلول أكتوبر 1930. علما وأن نسب البطالة في المدن السوفياتية لم تكن ناتجة عن أزمة الكساد الرأسمالي العالمي بل بسبب تدفق ملايين الفلاحين من الأرياف إلى المدن بحثا عن أجور أعلى.

ومع إطلاق خطة الخمس سنوات الأولى نهاية 1929 والتصنيع السريع والمكثف بقيادة ستالين، استوعبت المصانع والمشاريع الجديدة الضخمة جميع العاطلين عن العمل. وفي أكتوبر 1930 أعلن الاتحاد السوفياتي غلق أخر مكتب تشغيل في البلاد والقضاء الكامل على البطالة.

إن أزمات فائض الإنتاج والتناقض بين راس المال والعمل والصراع بين الإمبرياليات من أجل اقتسام مناطق النفوذ في العالم لا مكان لها في الأنظمة الاشتراكية على غرار النظام السوفياتي بقيادة الحزب البلشفي.

لقد عملت الدولة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي على ربط علاقات تعاون مع الدول والشعوب دون محاولات إخضاع ودون انتهاكات للحقوق ودون اللجوء إلى الحروب العدوانية المدمرة باستثناء الحروب الدفاعية التي تفرض عليها أحيانا للدفاع عن أمنها واستقلالها وخياراتها الاشتراكية التي طالما استهدفتها الامبريالية.

الدرس/ الحل يأتي من هذه التجربة النموذجية. وبالتالي فالقضاء على البطالة في بلادنا نهائيا رهين إسقاط الاستبداد الشعبوي وسد الباب أمام إمكانية عودة المنظومات الرجعية العميلة وإرساء الجمهورية الديمقراطية الشعبية ذات الأفق الاشتراكي، جمهورية مستقلة عن كل أشكال الهيمنة تعود فيها سلطة القرار السياسي والاقتصادي والثقافي والدبلوماسي للأغلبية الشعبية بقيادة الطبقة العاملة.

في هكذا دولة يمكن بعث المشاريع الاقتصادية الكبرى في الفلاحة والصناعة والبنية التحتية ذات القدرة التشغيلية العالية مع التعويل أكثر فأكثر على القدرات الذاتية وتوجيه الإنتاج بالأساس لتلبية حاجيات التونسيات والتونسيين سواء ما تعلق منها بالغذاء والدواء ووسائل النظافة والنقل والاتصال… أو ما تعلق منها أيضا بما تتطلبه الفلاحة والصناعة الوطنيتين من معدات وجرارات وأدوية وسماد وآلات ومحركات وغيرها.

في هكذا دولة تتراجع شيئا فشيئا نسب البطالة إلى أن تنعدم تماما هذه الآفة عندما تتوفر شروطها. وفي انتظار ذلك تمكن الدولة العاطلين والمعطلين من منح بطالة وتضمن لهم الحق في النقل والعلاج المجانيين حتى يشعروا بالانتماء لوطنهم وبأن الدولة دولة الأغلبية لا دولة الأقلية الرأسمالية مثلما هو في دولة الاستعمار الجديد.

في هكذا دولة/منظومة لا يضطر الشباب إلى الهجرة وتكف معاهدنا وجامعاتنا عن إنتاج الدكاترة والمهندسين وكل أنواع الخبرات لتستفيد منهم الدول الأجنبية مثلما يحصل حاليا بل لتستفيد منهم البلاد بعد توزيعهم في مختلف القطاعات والجهات والأنشطة.

إلى الأعلى
×