الرئيسية / صوت الوطن / تداعيات ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد التونسي
تداعيات ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد التونسي

تداعيات ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد التونسي

بقلم جيلاني الهمامي

سجّلت أسعار النفط (خام برانت) نهاية شهر سبتمبر المنقضي تراجعا ملحوظا إذْ نزل سعر البرميل إلى 102 دولارا بعد أن كان قد بلغ خلال نفس الشهر (سبتمبر 2026) 108 دولارا. وهو ما يؤكد أن التقلبات التي عرفتها سوق النفط مازالت مستمرة. وللتذكير فقد وصلت ذروة هذه التقلبات في شهر أفريل الماضي حين بلغ سعر البرميل 126 دولار.

جاء هذا التراجع الطفيف (من 2.5 إلى 3.8) كنتيجة لعدة عوامل منها بشكل مباشر استئناف تدفق النفط عبر أنبوب نفط رئيسي أعيد تشغيله في السعودية وتحسن ظروف عبور بعض ناقلات النفط عبر مضيق هرمز في الأيام الأخيرة. لكن والأهم من ذلك، ولعله السبب الرئيسي، استمرار المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من أجل التوصل إلى حل للحرب الدائرة بينهما منذ موفّى فيفري الماضي.

وعلى أهميته يبقى هذا الانخفاض جزئيا ومحدودا ولا يحمل في طياته تجاوزا ولا حتى أملا في تجاوز الأزمة التي خلّفها الارتفاع في الأسعار واضطرابات العرض منذ أن اشتعل فتيل الحرب موفّى شهر فيفري الماضي. فقد تأثر الاقتصاد العالمي بشكل كبير وتأثرت بعض الاقتصاديات أكثر من غيرها، خاصة الاقتصاديات التي تعيش على استيراد مواد الطاقة من الخارج وكذلك البلدان ذات الاقتصاديات الضعيفة والتابعة في المنظومة الرأسمالية المعولمة مثلما هو الشأن لاقتصادنا في تونس.

أزمة الطاقة في تونس

تعاني تونس من أزمة في الطاقة منذ سنوات طويلة ما انفكت تشتد بحكم تراجع الإنتاج المحلي. ففي مجال إنتاج النفط والغاز الطبيعي تراجع الإنتاج خاصة منذ 2010 بشكل مهول حيث نزل إنتاج النفط إلى 25 ألف برميل يوميا عوضا عن حوالي 80 ألف برميل سنة 2010. كما تراجع إنتاج الغاز الطبيعي بحيث لم يعد يكفي لتمويل محطات إنتاج الكهرباء إلا بنسبة ضئيلة فاضطرت الدولة تبعا لذلك إلى توريد الغاز بكميات متزايدة وبما يُكلّفُها مبالغ مالية ضخمة. في المقابل من ذلك تقلّص عدد رُخَص الاستكشاف واستغلال النفط من 55 رخصة سنة 2010 إلى 12 رخصة فقط هذه السنة. في نفس الوقت لم تُحْرِز مشاريع الطاقات المتجددة التي تغَنّتْ بها الحكومات المتعاقبة واستمرّت الفجْوَة بين حاجيات البلاد في مجال الطاقة والإمكانيات المتاحة في الاتّساع سنة بعد أخرى. لذلك أصبحت تونس مع مرور السّنين مرتبطة بالخارج ومُجْبَرَة على التّعويل على التّوريد وتراجعت نسبة استقلاليتها الطّاقية إلى أقل من 65% من جهة وخضعت من جهة ثانية إلى عجز طاقي متزايد. هذا العجز الذي أصبح يُثْقِلُ كاهل الميزانية العامّة للدّولة كل عام أكثر فأكثر.

بلغت اعتمادات وزارة الطاقة لسنة 2026 أكثر من 5 مليار دينار مسجلة تراجعا بحوالي 2 مليار دينار مقارنة بميزانية السنة التي سبقت. وقد بنت الحكومة ميزانيتها على مجموعة من الفرضيات منها فرضية أن يكون معدل سعر برميل البترول 63.3 دولارا. ومعلوم أن أسعار النفط قد قفزت مباشرة إثر الهجوم الأمريكي الصهيوني على إيران أواخر شهر فيفري الماضي إلى ما فوق 100 دولار للبرميل. واستمرّت الأسْعارُ على تلك الوتيرة طيلة فترة الحرب المتواصلة إلى اليوم. ومعلوم أيضا أنّ تونس تستورد أكثر من 70% من احتياجاتها من الطاقة.

في غضون ذلك اتضح وأنّ حسابات الحكومة التونسية لا علاقة لها بالواقع وقد شهدت انخراما كبيرا وباتت مطالبة بمسايرة نسق أسْعار بلغت ضعف التوقعات وفرضيات الميزانية. فالفارق الذي يجسّم حجم العجز المالي لا يمكن وفق المعطيات الحالية أنْ يَقِلَّ عن 20 مليار دينار مع نهاية السنة المالية الحالية. لا غرابة في ذلك والحال أن كل زيادة بدولار واحد في سعر البترول من شأنه أنْ يُكبِّدَ الميزانية التونسية عبئا ماليا إضافيا قدره حوالي 165 مليون دينار في السنة.

من سيدفع الفاتورة؟

هذا ما سيَنْتُجُ عنه نظريا مراجعة ميزانية وزارة الطّاقة والتّرفيع في حجْم الاعتمادات المرصودة للتّعويض عن استهلاك الطّاقة إلى حوالي 12 مليار دينار. كما سَيَنْتُجُ عنه ارتفاع حجم عجز الميزان التّجاري إلى أكثر من 25 مليار دينار. بعبارة أخرى كل الأرقام الواردة في الميزانية المصادق عليها لهذه السنة ستكون مطروحة للمراجعة تحت تأثير التقلبات التي شهدتها الساحة الدولية ومع ذلك مازالت الحكومة لم تعلن بعد ما إذا ستلجأ إلى وضع ميزانية تكميلية أم لا. ويزداد هذا السّؤال إِلْحَاحيّة مع اقتراب موعد انطلاق النّقاشات حول الميزانية الجديدة لسنة 2027.

وقد جاء في منشور رئاسة الحكومة عدد 2 بتاريخ 14 أفريل 2026 المتعلق بإعداد الميزانية الجديدة أن من بين أولوياتها “دعم الانتقال الطّاقي.. عبر التّسريع في تنفيذ مشاريع الطاقة المتجدّدة ودعم النّجاعة الطّاقية في مختلف المجالات الاقتصادية”، دون الإشارة إلى الفرضيات التي سَتَنْبَنِي عليها الميزانية الجديدة. وقد شدّد المنشور على التّقشّف في النّفقات والعمل على التّخفيض منها (كتلة الأجور ونفقات التسيير الخ…) و”التقليص إلى الحدّ الأقصى” في البعض منها كما جاء في نصّ المنشور مثل الطّاقة والمحروقات والماء والأكرية الخ…

ومما لا شكّ فيه ستشهد الميزانية الجديدة تخفيضا آخر في ميزانية وزارة الطاقة (وقد تم التخفيض فيها من 7 مليار ونصف سنة 2025 إلى 5 مليار ونصف سنة 2026) وفي الاعتمادات المرصودة للتعويض (بعد التّخفيض السّابق بـ 726 مليون دينار). ولكنْ لسائل أن يسْألَ ما هو الحلّ في ظلّ هذا التّناقض الصّارخ بين اتّجاه أسْعار الطّاقة إلى الارتفاع واتّجاه الاستهلاك المحلي إلى الزيادة من جهة والتخفيض في الميزانية وفي اعتمادات التعويض من الجهة المقابلة؟ لا حلّ في ذلك سوى التّرفيع في الأداءات وفي الأسْعار في نفس الوقت علما وأن الضّغط الجبائي قد بلغ ذروته في تونس وأن المقدرة الشرائية قد تردت بما لا يسمح بمزيد دهورتها.

علاوة على ذلك أثبتت الحصيلة الملموسة لبرامج “الطاقات المتجددة” والتي بعنوانها تمّ في السّابق التخفيض في ميزانية التجهيز، أي التقليص من حجم الاعتمادات المخصصة لبعث مشاريع جديدة في كل المجالات بما في ذلك مجال الطاقة، فشل هذه السّياسات أو على الأقلّ عجزها عن تلافي الأزمة التي تعاني منها البلاد والعجز الطاقي والتبعية للخارج (للسوق العالمية وللجزائر خصوصا). وتمثل أزمة الصّائفة الماضية خير مثال على ذلك وهي أزمة قابلة للتكرار وربما بشكل أشدّ إذ ليس هناك أي مؤشر على تجاوزها في الصائفة المقبلة.

خلاصة الأمر أن السياسات المفلسة المتبعة منذ عقود والتي أدت إلى نهب خيرات البلاد وربط الاقتصاد التونسي بالدوائر الأجنبية وتعزيز علاقات التبعية كان المواطن التونسي هو ضحيتها الأولى. وقد أفضت هذه السياسات اليوم إلى وضعية شبه ميؤوس من حلها وتجاوزها في ظل انخرام الأوضاع التجارية والاقتصادية الدولية وفي ظل اشتداد الصراعات بين القوى العظمى من أجل إعادة اقتسام مناطق النفوذ وكذلك من أجل مراجعة خارطة السيطرة على منابع الخيرات وخاصة منابع النفط والطاقة بشكل عام.

إلى الأعلى
×