بقلم زهير الزويدي
لم يعد ما تعيشه تونس مجرد أزمة عابرة ولا مجرد تعثر في إدارة البلاد بل إن المشهد برمته يوحي بأن نموذج الحكم الذي تأسس على الانقلاب منذ 25 جويلية 2021 وصل إلى مأزقه الكبير وأن ما بُني على وعود الخلاص السريع لم ينتج سوى مزيد من الاختناق السياسي والاجتماعي والاقتصادي. فترة حكم كانت كافية حتى يتحول خطاب “التصحيح” إلى واقع سياسي عنوانه تركيز السلطة وتهميش المؤسسات وإضعاف الأجسام الوسيطة وتضييق فضاء الحريات. واليوم تبدو تونس أمام خريف ساخن قد يكون عنوانه الاجتماعي الأبرز عودة الاحتجاج إلى الشارع بقوة أكبر.
من وعود الخلاص إلى انسداد الأفق
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ماذا تغير في حياة ملايين التونسيين؟ البطالة مازالت تضرب قطاعات واسعة وخاصة الشباب وأصحاب الشهائد والفئات المهمشة، والفقر يضغط على العائلات والقدرة الشرائية تراجعت والتنمية بقيت غائبة عن الجهات التي ظلت لعقود تنتظر حقها في الاستثمار والبنية الأساسية والخدمات العمومية. جميع الأحداث والوقائع تؤكد أن الأزمة ليست مجرد أخطاء في التسيير وإنما هي نتيجة خيارات اقتصادية واجتماعية لم تمس جوهر النظام الذي ينتج التهميش والفقر والبطالة. تغيير الأشخاص والخطابات لا يكفي عندما تبقى مصالح رأس المال واللوبيات والاقتصاد الريعي أقوى من حاجات الأغلبية الشعبية.
الانقلاب لم يكن تصحيحاً للمسار
في 25 جويلية 2021 جرى تجميد عمل البرلمان بالدبابة وإقالة الحكومة ثم تركيز السلطات بصورة متزايدة في مؤسسة الرئاسة قبل أن تتبع ذلك إعادة هندسة واسعة للنظام السياسي والدستوري.
وبصرف النظر عن التسمية التي يعتمدها أنصار السلطة فإن النتيجة السياسية الواضحة كانت انتقال البلاد إلى نظام شديد التركيز للسلطة في يد الرئاسة وتراجع دور المؤسسات المنتخبة والوسائط السياسية والاجتماعية. وفي منظومة حكم تجعل القرار السياسي أكثر فأكثر منفصلاً عن الرقابة والمساءلة والتوازن بين السلطات.
الحريات تدفع الثمن
كلما اتسعت دائرة السلطة ضاقت مساحة المجتمع وكان خيار السلطة المزيد من قضايا الإيقاف والمحاكمات ضد سياسيين ونشطاء وصحفيين ومدونين ونقابيين وبرز المرسوم 54 باعتباره أحد أكثر النصوص إثارة للجدل بسبب استعماله في قضايا مرتبطة بالتعبير والنشر بل إن تنقيحه اليوم يظل سيفا مسلطا على رقاب التونسيات والتونسيين فتغير الشكل لكن المضمون هو نفسه فالديمقراطية لا تقاس بعدد الانتخابات وحده وإنما بقدرة المواطن على انتقاد الحاكم دون خوف وبقدرة الصحفي على ممارسة مهنته وبقدرة النقابي على الدفاع عن العمال وبقدرة المعارض السياسي على النشاط دون أن يتحول اختلافه مع السلطة إلى سبب للعقاب.
القضاء والاستقلالية المفقودة
استقلال القضاء ليس تفصيلاً دستورياً بل هو أحد أعمدة الدولة الديمقراطية وعندما تتدخل السلطة التنفيذية بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مسار القضاء فإن الخاسر الأول ليس السياسي المعارض وحده وإنما المواطن العادي الذي يحتاج إلى قضاء مستقل يحمي حقوقه في مواجهة الدولة ورأس المال وكل صاحب نفوذ. لقد أصبح ملف القضاء واحداً من أكثر الملفات التي تكشف طبيعة المرحلة الجديدة وتطرح سؤالاً أساسياً: هل نحن أمام دولة مؤسسات أم أمام دولة تتحرك مؤسساتها داخل المجال الذي ترسمه السلطة المركزية؟
إعلام تحت الضغط
لا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية بإعلام خائف أو إعلام يبحث عن خطوط حمراء جديدة كل يوم فالضغط على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية والتضييق على العمل الصحفي يفتح الباب أمام إعلام مدجّن تتحول مهمته من مساءلة السلطة إلى إعادة إنتاج خطابها وهنا تصبح معركة حرية الصحافة جزءاً من معركة المجتمع بأكمله من أجل الحق في المعرفة ومن أجل كشف الفساد وسوء التصرف ومن أجل أن يعرف المواطن حقيقة ما يحدث باسمه.
اقتصاد يئنّ ودين يتراكم
في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلى اقتصاد منتج وإلى استثمارات عمومية وإلى سياسة اجتماعية تضع الفئات الشعبية في قلب القرار مازالت تونس تواجه ضغوطاً مالية واقتصادية ثقيلة. فارتفاع المديونية وضغط المالية العمومية وارتفاع كلفة المعيشة وضعف الاستثمار ومحدودية النمو كلها مؤشرات لا يمكن إخفاؤها بالشعارات.
والأخطر أن السلطة لم تقدم إلى التونسيين مشروعاً اقتصادياً واجتماعياً واضحاً يعيد توزيع الثروة ويخلق مواطن الشغل ويقطع مع اقتصاد الامتيازات والريع. فالبلاد لا تحتاج إلى خطب عن السيادة فقط بل تحتاج إلى سيادة اقتصادية حقيقية تبدأ من الإنتاج ومن حماية المؤسسات العمومية ومن الاستثمار في الفلاحة والصناعة والخدمات ومن خلق مواطن الشغل ومن وضع الثروة الوطنية في خدمة الأغلبية لا الأقلية.
عندما تُقصى الأجسام الوسيطة
الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، هي أيضاً أحزاب ونقابات ومنظمات وجمعيات وصحافة ومجتمع مدني ومؤسسات منتخبة وهيئات مستقلة وكل هذه الأجسام تمثل قنوات ضرورية للتعبير عن مصالح المجتمع أما إضعافها أو تحييدها أو التعامل معها باعتبارها عائقاً أمام مشروع السلطة فإنه يؤدي إلى مجتمع بلا وسائط وإلى دولة تتحدث باسم الشعب دون أن تسمح للشعب بأن يتحدث بحرية.
ونقولها بالوضوح التام إن ضرب التنظيمات الجماعية لا يخدم العمال والفقراء والمهمشين بل يحرمهم من أدوات الدفاع عن مصالحهم.
التنمية الغائبة تعيد إنتاج الغضب
من أعماق أعماق المناطق المفقرة ومن الأحياء الشعبية إلى المناطق الريفية تتكرر الأسئلة نفسها: أين الشغل؟ أين الاستثمار؟ أين المستشفى؟ أين المدرسة؟ أين النقل؟ أين الماء؟ أين التنمية؟ هذه الأسئلة ليست مطالب قطاعية معزولة بل هي تعبير عن أزمة اجتماعية عميقة وعندما تتراكم البطالة والفقر والتهميش وغياب الخدمات العمومية فإن الاحتجاج يصبح نتيجة طبيعية لانعدام البدائل.
خريف ساخن…
كل المؤشرات الاجتماعية والسياسية تنذر بأن تونس مقبلة على مرحلة شديدة التوتر. فالسلطة مستمرة في تجاهل المطالب الاجتماعية وفي إدارة البلاد بمنطق الأمر الواحد فالعمال يحتجون والمعطلون يتحركون والجهات الداخلية ترفع أصواتها والفلاحون يواجهون أزمات متتالية والشباب يبحث عن مستقبل خارج البلاد بينما تتسع الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي ليس في الاحتجاج وإنما في استمرار السياسات التي تنتج الاحتجاج.
“كش عهدك تعفّن وانتهى“
لم يعد السؤال بالنسبة إلى قطاعات واسعة من التونسيين من يحكم فقط بل إلى أين تتجه البلاد؟ فالاستبداد لا يصبح ديمقراطية بمجرد تغيير قاموسه والسلطة الفردية لا تتحول إلى مشروع شعبي بمجرد الحديث باسم الشعب والسيادة لا تتحقق بعزل تونس عن محيطها ولا تتحقق العدالة الاجتماعية بالشعارات. إن ما تحتاجه تونس هو عكس هذا المسار: حريات عامة وفردية كاملة وقضاء مستقل وإعلام حر ونقابات ومنظمات قوية ومؤسسات منتخبة واقتصاد منتج وسياسة اجتماعية تعطي الأولوية للعمال والفئات الشعبية والجهات المهمشة. أما الاستمرار في إدارة الأزمة بالأوامر وبالتضييق وبإقصاء المختلفين فلن يلغي الأزمة بل سيؤجل انفجارها.
لقد انتهى زمن الانتظار
وإذا كان قيس سعيّد قد بنى شرعيته السياسية بالدبابة وعلى وعد بالخلاص فإن الاختبار الحقيقي لأي سلطة هو ما الذي تغير في حياة الناس بعد سنوات من الحكم، والشارع وحده سيجيب عندما تتحول الأسئلة الاجتماعية المتراكمة إلى فعل جماعي منظم.
رسالة التونسيين وهمس الشارع يقول تونس ليست مزرعة لأحد ولا ملكاً لحاكم ولا جمهوراً في مسرح سياسي تونس للذين يعملون فيها ويكدحون ويدفعون ثمن أزماتها ويصنعون ثروتها تونس في حاجة إلى قوى وطنية تحكمها لا إلى شعبوية لا تاريخ ولا مستقبل لها وكل الأحداث والوقائع اليوم تؤكد أن عهد الشعبوية إلى زوال والشعب سيحسم مستقبل البلاد ولن يقبل بمن يرهنها.
صوت الشعب صوت الحقيقة
