بقلم شيراز بن حسين
تنعقد يومي 10 و11 أكتوبر 2026 بالعاصمة أشغال المؤتمر السابع للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، والتاسع والعشرين للمهنة، في ظل سياق معادي للحريات وفي لحظة لا تبدو فيها المسألة النقابية منفصلة عن السؤال الأوسع المتعلق بمستقبل الصحافة وحرية التعبير في بلادنا، فالمؤتمر يأتي بينما لا يزال أربعة صحفيين في السجن وهم محمد اليوسفي ومراد الزغيدي وبرهان بسيس وزياد الهاني، مع تواصل سياسة الملاحقات القضائية والتخويف والهرسلة والتهديد في حقّ الصحفيين في مشهد لم تعرفه بلادنا سابقا.
وإذا كان المؤتمر الذي ينعقد كلّ ثلاث سنوات، محطة لتجديد المكتب التنفيذي للنقابة وتحديد أولوياتها، إلاّ أنّه يكتسي هذه المرّة دلالة تتجاوز انتخاب مكتب تنفيذي جديد. إذ ينعقد في ظلّ ارتفاع نسق اللجوء إلى الزج بالصحفيين في السجون والملاحقات القضائية ضدّهم وإنهاكهم اقتصاديا واجتماعيا، فيما أصبحت حرية التعبير والصحافة في مهبّ الريح مع محاولات الموالين للسلطة بوجوههم المكشوفة أو غيرهم تحت شعارات الاستقلالية ووحدة القطاع وردّ الاعتبار له لعب أدوار مكشوفة مسبقا لتحويل النقابة من مدافع أوّل عن الحريات إلى نقابة لا تنكبّ سوى على الملفات الاجتماعية والأجور رغم أهميتها طبعا أو تلهث نحو سلطة لا تعترف بها.
في سابقة: أربعة صحفيين في السجون !
لا يمكن قراءة المؤتمر بمعزل عن قضية سجن أربعة صحفيين، وملاحقة وتهديد آخرين، وهي سابقة تاريخية لم تشهدها المهنة. فمنذ الانقلاب، سعت المنظومة إلى نسف واستهداف ما حقّقته الثورة رغم بعض الهنات، ولعلّ أبرزها حرية الصحافة والتعبير والتي ساهمت في بروز شخصية قيس سعيد كأستاذ قانون دستوري لدى الشعب التونسي. ولم تكتفي منظومة الانقلاب فقط بالسجن أو الملاحقة القضائية بل سارعت إلى فرض سيطرتها على المؤسسات الإعلامية العمومية وذلك بداية باستهداف الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري” الهايكا”، ثم التعيينات الفوقية والمسقطة والتي لعبت دورا رئيسيا (مجبرة وعن طواعية) في فرض الرقابة والتدجين وتحويل المرفق العمومي إلى إعلام البروبغندا في شكل مخزي لا يمتّ للمهنة الصحفية بأيّ صلة. وهو ما يطرح على النقابة اليوم وبشكل ملحّ١ باعتبارها الهيكل الأكثر تمثيلا للصحفيين كيفية الدفاع عن المهنة في الوقت الذي أصبح فيه عدد من منظوريها يواجهون السجن بسبب قضايا مرتبطة بعملهم الصحفي؟
من الدفاع عن الصحفي إلى الدفاع عن المهنة الصحفية
تبدو أهمية المعركة النقابية هنا في كونها لا تتعلق فقط بالوضع المهني للصحفي، وإنما بمهنة الصحافة نفسها. فالصحافة لا تعمل فقط كقطاع مهني له أجور واتفاقيات جماعية وظروف عمل، بل هي السلطة الرابعة حيث تعمل بشكل موضوعي على نقل المعلومات ومساءلة المسؤولين وفتح المجال أمام النقاش العمومي. وهو ما نبهت له النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين من أنّ سجن الصحفيين والتخويف والرقابة الذاتية يبعث برسالة تخويف إلى بقية الصحفيين ويدفع نحو مزيد من الرقابة الذاتية، بما يؤثر في حق المجتمع في المعرفة. وهنا تتحوّل قضية الحرية الصحفية من مطلب فئوي/قطاعوي إلى قضية تتعلق بالمجتمع كلّه. فكلّ تضييق على قدرة الصحفي على العمل بحرية ينعكس، بصورة أو بأخرى، على قدرة المواطن على الوصول إلى معلومات متنوعة وعلى مراقبة أداء المؤسسات والسلطة.
تشريعات قانونية سالبة لحرية الصحفي
من أبرز الملفات التي يجب أن يطرحها المؤتمر السابع للنقابة هي التشريعات القانونية التي تسارع منظومة الحكم في تطبيقها ضدّ الصحفيين أبرزهم المرسوم 54 الذي تمّ تنقيح فصله عدد 24 مؤخرا والذي كان عنوانا بارزا للملاحقات والأحكام السجنية والتتبعات القضائية، فهل يكفي تنقيحه أم مطلوب من الصحفيين وهيكلهم النقابي المطالبة بإلغائه؟ أيضا وكما هو معلوم تتمّ ملاحقة صحفيين أيضا على معنى نصوص جزائية عامة على غرار قانون الإرهاب ومجلة الاتصالات والحال أنّ احترام المرسوم 115 لسنة 2011 باعتباره الإطار القانوني الخاص بحرية الصحافة والطباعة والنشر أصبح ضرورة ملحة تتطلب رصّ الصفوف من أجل اعتباره خيارا قانونيا للمهنة الصحفية.
وكلّ هذا يعني أن المؤتمر مطالب بالبحث عن الإطار القانوني الذي يجب أن يحكم العمل الصحفي في تونس؟ وأين ينتهي حق الدولة في حماية الأمن العام والمصالح التي يحميها القانون، وأين تبدأ الضمانات التي تمنع تحوّل النصوص الجزائية إلى وسيلة لتقييد الصحافة والتعبير؟
انتخابات نقابية في ظرف استثنائي
يدخل المؤتمر مرحلة حاسمة مع انتخاب المكتب التنفيذي للفترة النيابية 2026-2029. وقد أعلنت النقابة عن 15 مترشحاً لعضوية المكتب التنفيذي، بعد دراسة مطالب الترشح المقدمة في الآجال القانونية. لكن أهمية الانتخابات لا تكمن فقط في الأسماء التي ستصل إلى المكتب الجديد، بل في طبيعة المرحلة التي سيُطلب منه إدارتها. فالمكتب المقبل سيكون مطالباً بالتعامل مع ملفات السجناء، والتتبعات القضائية، والأوضاع المهنية للصحفيين، والعلاقة مع السلطات، فضلاً عن تحديات القطاع نفسه. وهو ما يطرح على المؤتمرين كيفية محافظة النقابة على دورها كهيكل مهني يدافع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للصحفيين؟ وكيف تواصل في الوقت نفسه أداء دورها في حماية استقلالية المهنة وحرية الصحافة والتعبير؟
بين النقابة والسلطة: معركة الاستقلالية
منذ تأسيسها، ارتبط حضور النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين بالدفاع عن استقلالية المهنة. غير أن المرحلة الحالية تضع هذه الاستقلالية أمام اختبار أكثر تعقيداً، لأن النقابة مطالبة بالتعامل مع ملفات قضائية وسياسية دون أن تتحول في المقابل إلى طرف سياسي. وهنا تكمن إحدى أصعب مهام المؤتمر المقبل: المحافظة على استقلالية النقابة عن السلطة، مع الاستمرار في الدفاع عن المبادئ المهنية والحقوق الأساسية للصحفيين. وهنا لا بدّ من التأكيد على أنّ الاستقلالية لا تعني الصمت أمام الانتهاكات ومعاقبة الصحفي بسبب مهنته، وإنما تعني، في جوهرها، الدفاع عن حق الصحفي في العمل وعن ضمانات المحاكمة العادلة وعن حقّ المجتمع في إعلام مهني ومستقلّ.
مؤتمر للصحفيين أم اختبار لحرية الصحافة؟
قد يكون السؤال الأهم الذي يطرح نفسه قبل المؤتمر السابع للنقابة هو: هل سيكون المؤتمر مجرّد محطة انتخابية لتغيير المكتب التنفيذي، أم محطة لإعادة تعريف دور النقابة في فترة انتهكت فيها الحقوق؟ فالمؤشرات الحالية تدفع نحو مدى قدرة النقابة على تمثيل جميع الصحفيين، بمن فيهم من يختلفون في المواقف والتقديرات وطبعا ممّن لم يجرموا في حقّ المهنة وفي حقّ زملائهم بالوشاية والتقارير خدمة لأجنحة صلب المنظومة. إنّ قوة الهيكل النقابي في النهاية لا تقاس فقط بحدّة بياناته، وإنما أيضاً بقدرته على توحيد الجسم الصحفي حول مبادئ مهنية مشتركة.
ولهذا فإنّ التحدّي الحقيقي أمام المؤتمر لا يختزل في اختيار قيادة جديدة للفترة الجديدة، بل يتمثل في تحديد كيفية إدارة النقابة لمعركة مزدوجة: الدفاع عن الحقوق المهنية للصحفيين، والدفاع عن الشروط التي تسمح للصحافة بأداء وظيفتها العامة. كما سيكون للمؤتمر عبر لوائحه ومخرجاته دور في تحديد طبيعة هذه المعركة خلال السنوات المقبلة: هل تظل حرية الصحافة ملفاً نقابياً موازياً لبقية الملفات المهنية، أم تصبح محوراً مركزياً في مشروع النقابة ورسالتها؟
صوت الشعب صوت الحقيقة
