بقلم رشيد سوايح
يحتل زيت الزيتون موقعاً استثنائياً في الاقتصاد والفلاحة والمجتمع التونسي. فالزيتونة هي منظومة اقتصادية واجتماعية، وتوفر مداخيل لعدد كبير من الفلاحين والعاملين في مختلف حلقات السلسلة الإنتاجية. كما أن زيت الزيتون يمثل أحد أهم مصادر العملة الأجنبية بالنسبة إلى تونس.
لكن المفارقة الكبرى تتمثل في أن تونس، وهي من البلدان المنتجة والمصدرة الرئيسية لزيت الزيتون، لا تجعل من هذا المنتوج جزءاً رئيسياً من الاستهلاك اليومي لغالبية سكانها. ففي الوقت الذي يتجه فيه القسم الأكبر من الإنتاج إلى الخارج، تعتمد السوق الداخلية بدرجة مهمة على الزيوت النباتية المستوردة، والمدعّمة.
هل من المنطقي اقتصادياً أن تصدّر تونس زيتاً عالي القيمة الغذائية، ثم تستورد في المقابل زيوتاً نباتية ذات قيمة غذائية متدنيّة لتأمين الجزء الأكبر من حاجياتها الغذائية؟ وهل يمكن إعادة تنظيم هذه المعادلة بحيث تصبح السوق الداخلية نفسها جزءاً من استراتيجية تثمين زيت الزيتون؟
مساحة شاسعة وملايين الأشجار
تتميز تونس باتساع رقعة زراعة الزيتون مقارنة بمساحة البلاد وعدد سكانها. وتشير المعطيات المتوفّرة إلى أنّ المساحة المخصّصة للزياتين تبلغ حوالي 1.88 مليون هكتار، وهو ما يغطّي ثُلث الأراضي الفلاحية تقريبا. وتَعُدُ غابات الزيتون 95 مليون شجرة وفق معطيات استراتيجية القطاع، بينما تشير معطيات أخرى إلى أكثر من 110 مليون شجرة عند احتساب مختلف أنماط الغراسة. وهذا ما يفسر جانباً مهماً من التذبذب الكبير في الإنتاج. فقد بلغ إنتاج موسم 2025-2026 حولي 500 ألف طن، وهو مستوى استثنائي، بينما تشير التقديرات للموسم 2026-2027 إلى تراجع الإنتاج إلى ما بين 250 ألف و300 ألف طن.
ويرتبط هذا التراجع أساساً بالوضع المائي للزياتين وبالاعتماد الكبير على الزراعة المطرية.
التصدير هو الوجه الأساسي للمنظومة
المشكل الأساسي ليس في قدرة تونس على إنتاج زيت الزيتون، وإنما في الطريقة التي يتم بها التعامل مع هذا المنتوج، الذي تُخصّص له ثلث الأراضي الفلاحية، والذي يمثّل مجهود حوالي مليون عامل بصفة مباشرة وغير مباشرة.
تؤكد الأرقام الأخيرة أن الجزء الأكبر من زيت الزيتون التونسي يتجه إلى الأسواق الخارجية. فخلال الأشهر العشرة الأولى من موسم 2025-2026، بلغت الصادرات 312.8 ألف طن بزيادة 50.8 بالمائة في الكميّة، مقارنة بالموسم الذي قبله مباشرة، بقيمة 4.87 مليار دينار بزيادة 41.2 بالمائة فقط في قيمة العائدات.
لكن المسألة الأهم تكمن في كيفية التصدير.
هنا تظهر إحدى نقاط الضعف الأساسية في القطاع. فحوالي 85.5% من الكميات المصدرة تخرج في شكل زيت سائب، بينما لا تتجاوز حصة الزيت المعلّب سوى 14.5%. أما من حيث الإيرادات، فإن الزيت المعلب يمثل حوالي 19.3% من إجمالي العائدات
هذه الأرقام تكشف إحدى نقاط الضعف الهيكلية في المنظومة التونسية: تونس تنتج الزيت، وتقوم بجزء مهم من عمليات التحويل، لكنها لا تستحوذ دائماً على القيمة الأعلى التي يمكن تحقيقها من خلال العلامة التجارية والتعليب والتسويق النهائي. والأكثر دلالة أنّ الزيت المعلّب رغم أنّه لا يمثّل سوى 14.5%. من حجم الصادرات، ساهم بـحوالي19.3% من الإيرادات. وتطرح مشكلة الخزن نفسها في السياق ذاته. فضعف قدرات التخزين يدفع بعض المنتجين إلى بيع جزء مهم من محصولهم في بداية الموسم، عندما تكون قدرتهم التفاوضية محدودة جدّا. إذ يضطرّ هؤلاء إلى بيع من 40% إلى 50% من المنتوج في ظروف ليست دائما ملائمة لهم. لذلك يصبح تطوير الخزن والتعليب والتسويق جزءاً من معركة رفع مردودية القطاع، وليس مجرد إجراءات تقنية.
التونسي لا يستهلك سوى النزر القليل من زيت الزيتون
المفارقة تبدو أكثر وضوحاً عندما ننتقل من التصدير إلى الاستهلاك الداخلي. فوفق إجابة وزارة الفلاحة على سؤال برلماني نُشرت في جانفي 2026، يتراوح الاستهلاك المحلّي لزيت الزيتون بين 30 و50 ألف طن سنويا، حسب الإنتاج والأسعار. وهو ما يعادل حوالي 15% إلى 20% من الإنتاج الوطني. ليكون المعدّل: 3 لترات للفرد سنويا. وهذا مستوى منخفض إذا قورن بمكانة تونس كبلد منتج.
وتؤكد دراسات أخرى أن الاستهلاك التونسي من زيت الزيتون أقل بكثير من استهلاك البلدان المنتجة الكبرى؛ فقد قدر البنك الدولي الاستهلاك الفردي في تونس بنحو 3 كيلوغرامات للفرد، مقابل مستويات أعلى بكثير في بلدان أخرى منتجة للزيت مثل اليونان وإسبانيا وإيطاليا حيث يفوق معدّل استهلاك الفرد 10 كيلوغرامات.
في المقابل، تحتل الزيوت النباتية المستوردة موقعاً مهماً في الاستهلاك الغذائي التونسي. وتاريخياً ساهم نظام دعم الزيوت النباتية في جعلها أقل كلفة بالنسبة إلى المستهلك، الأمر الذي دفع جزءاً كبيراً من الأسر إلى اعتمادها في الطبخ اليومي اضطرارا وليس اختيارا.
وتفيد أحدث المعطيات المتداولة عن الزيت النباتي المدعم بأن التوريد تراجع خلال السنوات الأخيرة إلى حوالي 120 ألف طن، مع تحمّل صندوق التعويضات 40 مليون دينار، وفق ما ورد في إجابة وزير الفلاحة المنشورة في جانفي 2026 ، دون تفسير أسباب هذا التراجع . هل هو نتيجة تراجع الطلب، أو تراجع التوريد نتيجة ضغوط ميزانية الدولة والصعوبات التمويلية التي واجهها صندوق التعويض؟
وبذلك نجد أنفسنا أمام معادلة غريبة: تونس تصدر مئات آلاف الأطنان من زيت الزيتون وتحقق مليارات الدينارات من عائدات التصدير، لكنها في الوقت نفسه تخصص أموالاً عمومية لتوفير زيت نباتي مدعّم – لا يقارن بزيت الزيتون – للسوق المحلية.
ولا يعني ذلك ببساطة أن استيراد الزيت النباتي يجب أن يختفي، فهناك استعمالات صناعية وغذائية لا يمكن اختزالها في الاستهلاك المنزلي. كما أن سعر زيت الزيتون يمثل عائقاً حقيقياً أمام فئات واسعة من المواطنين. لكن المعادلة الحالية تستحق المراجعة من زاوية اقتصادية واجتماعية وصحية.
إعادة بناء العلاقة بين زيت الزيتون والسوق الداخلية
المطلوب ليس إيقاف تصدير زيت الزيتون. بالعكس، التصدير سيظل ضرورياً لتوفير العملة الأجنبية وللحفاظ على موقع تونس في الأسواق العالمية.
لكن المطلوب هو إعادة التوازن بين التصدير والاستهلاك الداخلي.
أول خطوة يمكن أن تُتّخذ تتمثل في وضع هدف تدريجي لتقليص توريد الزيوت النباتية إلى المستوى الضروري فعلاً، للحاجيات الصناعية والاستخدامات التي يصعب تعويضها. وهذا لا يعني الإلغاء الفوري للزيت النباتي، وإنما إعادة النظر في حجمه، خصوصاً عندما تكون الدولة مطالبة بتمويل الدعم وتوفير العملة الأجنبية لشراء منتوج يمكن جزئياً تعويضه بمنتوج وطني.
والخطوة الثانية هي وضع خطة وطنية لتشجيع استهلاك زيت الزيتون، ولكن ليس عبر دعوات عامة فقط. يجب أن تكون الخطة اقتصادية بالدرجة الأولى.
فإذا كان المواطن يستهلك الزيت النباتي لأنه أرخص، فإن تشجيع زيت الزيتون يتطلب معالجة فارق السعر. ويمكن للدولة، مثلاً، أن تدعم لفترة محددة كميات من زيت الزيتون المعلب والمراقب الجودة والموجهة حصرياً للسوق الداخلية، مع استهداف الفئات ذات الدخل المحدود.
يمكن مثلاً تطوير شبكة توزيع مباشرة من المنتج إلى المستهلك، وتشجيع التعاونيات، وتوسيع عمليات التعليب المحلي، وإطلاق حملات تعريف بالأنواع والجودة وطرق الاستعمال، وإدخال زيت الزيتون أكثر في المطاعم الجامعية والمدرسية والمؤسسات العمومية.
فالقضية ليست في الاختيار بين التصدير أو الاستهلاك الداخلي، وإنما في بناء سياسة تجمع بين الاثنين.
بهذا المعنى، لا ينبغي النظر إلى زيت الزيتون باعتباره مجرد مادة للتصدير وجلب العملة الصعبة، بل باعتباره ثروة وطنية متكاملة يُفترض أن تخدم في الوقت نفسه الفلاح، والعامل، والمستهلك، والاقتصاد الوطني، وميزان العملة الصعبة. وهذه هي النقلة التي تحتاجها المنظومة: الانتقال من مجرد إنتاج وتصدير الزيت إلى إدارة استراتيجية للثروة الزيتونية التونسية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
