أصدرت محكمة التعقيب بالعاصمة يوم 3 سبتمبر 2026 حكمها فيما بات يعرف إعلاميّا بقضيّة التآمر1. وجاء هذا الحكم مؤيّدا للأحكام السجنيّة الصادرة في شهر نوفمبر 2025 والمتراوحة بين 5 و45 سنة سجنا ضدّ ما لا يقلّ عن أربعين معتقلا في هذه القضيّة. وقد تفاجأت عائلات المعتقلين ومحاموهم والرأي العام بالطابع المتسرّع للجلسة التعقيبيّة التي تمّ تعيينها أمام دائرة صيفيّة قبل نهاية العطلة القضائيّة بأيّام ولم يعلم المحامون بالجلسة إلّا ثلاثة أيّام فقط قبل انعقادها وهو ما لا يوفّر لهم الوقت اللازم لإعداد مرافعاتهم. وقد بات واضحا اليوم، خلافا لبعض التخمينات “المتفائلة” التي راجت في البداية، ألّا هدف من التسريع غير غلق الملفّ وإقرار الأحكام نهائيّا وتشديد العزلة على المعتقلين بإنهاء زيارات محامييهم وحصر علاقتهم بالعالم الخارجي في زيارات عائلاتهم الخاضعة للمراقبة المباشرة.
إنّ تأييد الأحكام في “قضيّة التآمر1” تأتي لتؤكّد إمعان سلطة الانقلاب في توظيف القضاء لتصفية الحسابات السياسيّة مع خصومها. كما تأتي لتؤكّد أنّه من الوهم الاعتقاد أنّ هذه السلطة يمكن أن تتراجع عن النهج القمعي الذي تسير فيه بخطى حثيثة من أجل تصحير الحياة العامة وبسط هيمنتها على المجتمع. وليس أدلّ على ذلك من تواصل الاعتقالات في صفوف المحتجين والإعلاميّين. فمنذ أيّام حُكم على أحد المشاركين في مسيرة 20 أوت، سيف الدين العرفاوي، بعام ونصف سجنا بتهمة “الإساءة إلى الغير عبر الشبكات العموميّة للاتصالات” وذلك استنادا إلى الفصل 86 من مجلة الاتصالات، المجلوب من أرشيف بن علي، والذي أصبح إلى جانب المرسوم 54، سيفا مسلّطا على الرقاب. وإلى ذلك أوقفت فرقة أمنيّة يوم الجمعة 4 سبتمبر الجاري الصحفي محمد اليوسفي وهو يهمّ بالدخول إلى إحدى الإذاعات للمشاركة في برنامج. ويبدو، من خلال الطريقة التي أوقف بها دون احترام الإجراءات القانونيّة، أنّه سيدفع ثمن جرأته سواء في الحوارات التي أدارها في موقع الكتيبة أو في التدوينات التي نشرها في صفحته في الشبكة الاجتماعية لينضم إلى قافلة الصحفيّين/الصحفيّات الذين طالتهم عصا القمع…
إنّ صلف سلطة الانقلاب لا حدّ له. فعناصر “أسطول الصمود” الذين أنهوا المدّة الأصلية للإيقاف التحفّظي (6 أشهر) هذه الأيام مازال ملفّهم “مفتوحا” عند التحقيق ولا أحد يعرف متى سيغلق سواء لتقع إحالتهم على المحاكم أو لإطلاق سراحهم. فرغم أن تلك العناصر كانت هي وغيرها من الذين نشطوا في “الأسطول” أو في “التنسيقيّة” من مساندي قيس سعيّد ولم يندّدوا باعتراضه على تمرير قانون تجريم التطبيع وساهموا بذلك في تشتيت صفوف حركة إسناد غزّة وفلسطين، ورغم عدم تنديدهم بالاعتقالات والمحاكمات الجائرة التي طالت عددا كبيرا من السياسيّين والإعلاميّين والنشطاء وبالقمع الذي طال احتجاجات أهالي المزّونة سنة 2025 إثر انهيار جزء من سور المعهد الثانوي وسقوط ضحيّتين نتيجة ذلك، بدعوى “أولويّة القضيّة الفلسطينيّة” على “القضايا الداخلية وقضايا الحريات”، ورغم كونهم نظّموا القافلة البرية الأولى ثمّ أسطول الصمود بالتنسيق مع السلطات السياسيّة والأمنيّة التي استثمرت العمليّة في البداية لتلميع صورة النظام وتغطية أزمته الداخليّة، رغم كل ذلك لم يتردّد قيس سعيّد في الانقلاب عليهم حالما تغيّرت الأوضاع في المنطقة إثر الاعتداء الأمريكي الصهيونيّ على إيران والزجّ بهم في السجن بـ”تهم ماليّة” وهو ما يؤكّد للمرّة الألف ألّا صديق للفاشية الشعبويّة.
كل ذلك يتساوق مع استمرار التردّي المريع لظروف عيش غالبية التونسيات والتونسيّين الذين يعانون يوميا، في ظل موجة الحرارة الاستثنائية، من انقطاعات الماء العمومي إلى جانب فقدان الكميات الضرورية من الماء المعدني في المغازات، كما يعانون من انقطاعات الكهرباء وما نجم عنها من خسائر فادحة في الأرواح بما في ذلك في السجون حيث تعدّدت الوفيات وتجاوزت العشرين حالة حسب المصادر الحقوقيّة نتيجة الاكتظاظ وغياب مستلزمات الرعاية الصحية. يضاف إلى ذلك تواصل فقدان عدد من أدوية الأمراض المزمنة وندرة بعض المواد الأساسيّة واستمرار الارتفاع الجنوني للأسعار وتفاقم مختلف مظاهر الفقر والبؤس إلى جانب محاولات “الحرقة” التي ذهب ضحيتها في المدة الأخيرة 14 شابّ من بنقردان كانوا ينوون الفرار من جحيم الحياة اليومية في بلادهم فابتلعهم البحر. وما ذلك كلّه إلّا دليل إضافيّ على فشل سلطة الاستبداد في إدارة البلاد وتلبية المطالب الدنيا، السياسية والاجتماعية، لعموم الشعب التونسي.
لقد بيّن حزب العمّال في مختلف المحطّات التي مرّت بها في بلادنا في الفترات الأخيرة أنّ أقصر الطرق لإنقاذ شعبنا من هذا الوضع الخطير هو النضال من أجل التخلّص نهائيا من سلطة الانقلاب وأنّه من الوهم الاعتقاد، بعد كل هذه السنوات من التدمير والتخريب، أنّها ستتراجع عن النهج القمعي الاستبدادي الذي اتبعته منذ البداية أو أنّها ستستجيب لمختلف دعوات “الحوار والتعقّل” التي يطلقها البعض ظنّا منه أنّها ستجد صدى عند السلطة وقد ألقت بمثيلاتها في السابق عرض الحائط. إن الانخراط في نضالات الشعب اليوميّة وتبنّي مشاغله ومطالبه والعمل على الرفع من درجة وعيه وتنظيمه وتحويل تحركاته المختلفة والمشتّتة إلى تيار كبير قادر على جرف الفاشية الشعبوية وفسح الطريق لإعادة بناء بلادنا على أسس صلبة، ديمقراطيّة وشعبيّة، يبقى الطريق الصحيح والأسلم في هذه اللحظة التي يكتنفها الكثير من الغموض والاضطراب.
ذلك هو الدرس فهل يتّعظ الجميع؟
صوت الشعب صوت الحقيقة
