الرئيسية / الافتتاحية / وشاة الشعبويّة: أذرع السفالة في مواجهة شرف النضال
وشاة الشعبويّة: أذرع السفالة في مواجهة شرف النضال

وشاة الشعبويّة: أذرع السفالة في مواجهة شرف النضال

من أبرز خواصّ الشعبويّة الفاشية في بلادنا تحوّل حفنة من المأجورين إلى نيابة عمومية وناطقين رسميين باسم السلطة. فقد ظلّ الأمر يتكرّر منذ ما بات يعرف بـ”قضية التآمر1″ التي انطلقت سنة 2023، إلى أن أصبح اليوم ظاهرة، وكان آخر الضحايا الصحفي محمّد اليوسفي الذي أُدين قبل أن يستنطق أو يحاكم. فالقضايا، ذات الطابع السياسي، لا تثيرها دائما النيابة العموميّة أو تعلّق عليها وتقدّم بشأنها توضيحات للرأي العام، حتى احتراما للشكليات القانونية، كما كان الأمر زمن الدكتاتورية النوفمبريّة، بل تثيرها أو تعلّق عليها وتقدّم بشأنها “التوضيحات”، تلك الحفنة من المأجورين وهم عناصر انتهازية، أكلت على جميع الموائد، قابلة للتجنيد لصالح من يدفع أكثر أو من يوفّر حماية أكثر لأنّ معظم هذه العناصر مورّط في جرائم ماليّة أو أخلاقيّة، بعضها يعمل في قناة تلفزية والبعض الثاني في إذاعة والبعض الثالث يشتغل في الشبكة الاجتماعية لكن من الواضح أنّ للجميع مُؤجّرا واحدا، أوحد، يوجّههم ويأمرهم ويمدّهم بالسرديّة التي سيروّجونها، ويُعْلِمُهُمْ بضربة بداية إطلاق الحملة، كما يوفّر لهم “الوثائق” وحتّى محاضر الأبحاث والتحقيقات عند الاقتضاء ويترك لهم حرية التصرّف في طريقة ترويج السرديّة التي يريدها كلّ حسب خبرته في السفالة وقدراته على الكذب والتلفيق والتشهير والشيطنة. وبطبيعة الحال فإنّ هؤلاء السفلة يتصرّفون بوضوح كأبواق لسلطة الانقلاب بل إنّ من بينهم من يتصرّف كناطق رسمي باسمها لا في القضايا السياسية فحسب بل في كل القضايا التي تهم الرأي العام بما فيه قطع الماء والكهرباء وغلاء الأسعار وإضرابات العمال والأجراء وغياب قيس سعيّد عن الأنظار، في وقت ليس فيه لقصر قرطاج وقصر القصبة ووزارة العدل وقصر باردو ناطق رسمي. فلا يكذّبه أحد، ممّا يدلّ أنّه مأجور، ولا يسائله أحد عن مصدر الوثائق التي يروّجها في العلن ممّا يدلّ أنّه مكلّف بمهمّة. لقد أصبح بعض الناس يتابعون ما يقوله أو ما يكتبه كبير السفلة هذا ليفهموا توجهات السلطة في العديد من الملفّات.

إنّ ما قلناه أصبح يمثّل خاصية من خاصيات سلطة الانقلاب الشعبويّة في بلادنا إذ أنّ أشخاصا لا صفة رسمية لهم يقومون بمهام من صلاحيات السلطات الرسمية وهو ما يعتبر في دولة تتوفّر فيها الشروط الدنيا لدولة القانون أمرا مدانا بل جريمة. وهو ما يقودنا إلى الاستنتاج المهم وهو أنّه لا دولة قانون في بلادنا. وهذا أمر لا غرابة فيه فقيس سعيّد الذي انقلب على الدستور الذي أوصله إلى قصر قرطاج وداس عليه وحلّ كل الهيئات النابعة منه وأقر دستورا على مقاسه، كتبه بنفسه ولنفسه ليتمكّن من الانفراد بالحكم وصاغ الأوامر التي تمكنه من تدجين الإعلام وإخضاع القضاء وتوظيفه لا يمكنه بأي شكل من الأشكال أن يقيم دولة قانون، ديمقراطية وعادلة بل إن كل مصلحته، ومصلحة القوى الرجعية التي يمثّلها، في الجور والعسف بل حتى في الدوس على القوانين التي سنّها بنفسه. ولئن كان هذا الحال ليس جديدا على الشعب التونسي الذي عاش تحت الدكتاتورية في عهدي بورقيبة وبن علي فإن ما يميّز حكم قيس سعيّد بالذات هو الطابع العبثي غير المسبوق في إدارة الشأن العام بما في ذلك التصرف في الدولة كأنها ملك خاص (عشرات المواقع في الحكومة والسفارات والإدارات والمنشآت العمومية شاغرة…) وهو ما يفسّر بعض التعاليق من قبيل: “شي عمرنا ما شفناه…” وما من شكّ في أنّ هذا السلوك هو أحد الأسباب التي ستعجّل بنهاية حكم قيس سعيّد الذي أدخل الفوضى في كل شيء وهي فوضى لم تمسّ الشعب التونسي في حريته وحقوقه فحسب وإنما في حياته اليومية ولا أدل على ذلك مما عاناه في هذه الصائفة من انقطاعات الماء والكهرباء فضلا عن ندرة الأدوية وارتفاع الأسعار وهو ما فسّره قيس سعيّد لا بعجز أو فشل في منظومة حكمه وإنما بمؤامرات “الآخرين” ومنهم الصحفيون الذين استمرّ في اعتقالهم لاستكمال وضع اليد على وسائل الإعلام وفرض الصمت المطبق على المجتمع.

إنّ الحلّ إزاء هذا الوضع ليس في الخوف أو في الصمت بل في الجرأة على مواصلة النضال من أجل تقريب ساعة الخلاص من الدكتاتوريّة الشعبويّة وجورها وعسفها وعبثها بمصير شعب ووطن. وفي هذا السياق فإن الغضب الشعبي ما انفك يعبّر عن نفسه سواء بشكل منظم أو عفوي ومن المؤكّد أنّ الحركة ستتوسع وتتجذّر لتشمل في وقت لا نخاله بعيدا كل الطبقات والفئات الكادحة والشعبية المحرومة والمضطهدة لتحقق ذلك الخلاص. وهو ما سيضع حدّا، في نفس الوقت، لما نعيشه من ممارسات سافلة لجوقة المأجورين الذين يمثّلون الزائدة الدوديّة لهذه الدكتاتوريّة. إنّ كافة الأصوات الحرّة سواء في صفوف الصحافيّين أو خارجهم في أوساط المحامين والقضاة والحقوقيّين والنقابيّين والسياسيّين، مطالبة بإدانة هذا الرهط الخطير من السفلة والمأجورين وفضحه وتنبيه الرأي العام إلى أنّه لا علاقة له بالإعلام بل خطر عليه وتشويه له وهو إذ ينتعش اليوم ويحتل صدارة الإعلام فليس على حساب الحقيقة فحسب وإنّما على حساب أولئك الصحفيين ومعتقلي الرأي عامة، القابعين في السجن وعائلاتهم التي تعاني من غيابهم وتشقى لزيارتهم وإيصال القفة إليهم وكذلك على حساب مئات الصحفيّين/الصحفيّات الذين يعيشون في الفقر والخصاصة نتيجة غلق أبواب الشغل أمامهم سواء في القطاع العموميّ أو في القطاع الخاص. ففي محاكمة النازيّين في نورامبرغ اعتبر القضاء الكلمة “سلاحا” والدعاية للأفكار النازيّة لا تقلّ خطورة عن تنفيذها. وبعبارة أخرى فإن المأجورين الذين يحرّضون اليوم على القمع في بلادنا وينشرون الأباطيل ويشوهون ويكذبون ويبررون الاعتقالات والمحاكمات الجائرة هم جزء لا يتجزّأ من نظام الاستبداد والفاشية وماكينته الدعائيّة التي تحقن عقول البشر بسموم الكراهيّة والكذب والتشويه لتجعلهم يقبلون بسهولة المظالم والانتهاكات، وهم يتحملون مسؤولية سياساته المعادية للشعب مثلهم مثل المسؤولين المباشرين عن تنفيذ تلك السياسات ولا بدّ أن يشملهم الحساب يوما حتى تنهض بلادنا نهائيا وتخرج من مربّع الدكتاتورية.

إلى الأعلى
×