بقلم :وليد المرداسي
في اللحظة التاريخية الحرجة التي اختارت فيها عواصم المنظومة الرسمية التقليدية الهروب إلى مربعات الخيانة والتواطؤ الصامت، ينهض اليمن من تحت ركام الحصار والرماد ليقلب الطاولة الجيوسياسية على الجميع. يكتب هذا البلد بدم بناته وأبنائه الأحرار وفولاذ صواريخه معادلة جديدة كلياً للكرامة، السيادة، والردع الإقليمي. هذا المدى الجغرافي الذي طالما سجنته خطابات التاريخ الجاهزة في قوالب رومانسية تحت مسمى “اليمن السعيد”، يثبت اليوم للعالم بأنه أشد سعادة بمقاومته، وأكثر فخراً بانحيازه المطلق لقضايا أمته المركزية. يحدث هذا رغماً عن جراحه الغائرة المثقلة بسنوات من الحرب الاقتصادية والعسكرية الممنهجة، وهو النزيف المستمر كقدرٍ يمني يأبى أن يندمل، بل يتحول بفعل الإرادة الميدانية الشجاعة من مظهراً للضعف الإنساني إلى رافعة استراتيجية للردع الشامل.
بيد أن المفاجأة الكبرى التي أربكت غرف الاستخبارات ودوائر صنع القرار في محور الاستكبار الصهيوأمريكي، تكمن في “ديناميكية هذا الجرح” وتحولاته العميقة؛ إذ لم يعد هذا النزيف اليمني مجرد ألم محلي حبيس الجغرافيا أو شأناً معزولاً خلف حدود البحر والصحراء. لقد تمدد مفعوله العسكري والسياسي كـ “وادٍ فياض” عابر لكل الخرائط المصطنعة والحدود التقليدية، ليتجاوز بآثاره الاستراتيجية المعاناة اليومية للشعب اليمني. هذا الوادي يمتد اليوم ليربط جبهات غزة الأبية المغمورة بالصمود وجنوب لبنان المستبسل في خطوط المواجهة الأولى، وصولاً إلى حدود طهران وعمق سياساتها الإقليمية المناهضة للهيمنة، مشكّلاً بذلك العصب الحيوي والذراع الضاربة لما يُعرف بـ”محور المقاومة”.
ومن رحم هذا التلازم المصيري والوجداني بين وجع الداخل اليمني وواجب الإسناد القومي والعقائدي، تفرض جملة من الإشكاليات السياسية والعسكرية نفسها كعنوان عريض لقراءة تفاعلات المرحلة الحالية: كيف استطاع اليمن إعادة صياغة مفهوم السيادة الوطنية من بوابة نصرة المقاومة؟ وما هي الحدود الميدانية الحقيقية لهذا الوادي الفياض في مواجهة الارتداد الإقليمي للرياض وواشنطن؟ وإلى أي مدى يستطيع الصمود الشعبي الحفاظ على هذا التوازن الحرِج والدقيق بين انخراطه الاستراتيجي في معارك الأمة وبين استحقاقات الداخل المؤجلة؟
وادي الصمود الفياض.. كيف أسقط جرح اليمن “خرائط خفض التصعيد”؟
من يظن أن الجرح اليمني مجرد ملف لمأساة إنسانية معزولة يُستدعى للتباكي والنفاق في أروقة مجلس الأمن، فهو إما غافل عن سنن التاريخ أو عاجز بنيوياً عن قراءة لغة الميدان الحية. إن التحول الأبرز والأخطر الذي يشهده الإقليم اليوم يكمن في الفشل الذريع لكل المخططات الاستعمارية الرامية لعزل اليمن وفصله عن قضايا أمته وعمقه التاريخي. فبالتزامن مع الاستهداف الشامل والغارات العدوانية المستمرة التي يشنها المحور الأمريكي البريطاني على الموانئ والمدن اليمنية، قفزت صنعاء من مربع الدفاع السلبي إلى الهجوم الاستراتيجي الكاسح. لقد توهمت واشنطن وتل أبيب، ومعهما الأدوات الإقليمية التابعة لهما، أن سنوات الحصار الخانق والضغوط الاقتصادية المفرطة كفيلة بإنهاك هذا الشعب ودفع مقاومته إلى الانكفاء الداخلي والقبول بصيغ الاستسلام؛ فجاء الرد يمانياً صاعقاً يطوي حقبة التهدئة الهشة ويفرض معادلات اشتباك غير مسبوقة فوق رمال المنطق وجغرافيا البحار.
اليوم، يترجم تشبيه “الوادي الفياض” ظلاله الميدانية عبر المفهوم الأقدس في أدبيات النضال الحديث: “ترابط الساحات”؛ فالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة المتطورة التي تنطلق من جبال اليمن الحرة ومغاراتها لا تدافع عن سيادة صنعاء وحدها ككيان معزول، بل تمتد كشريان إسناد عسكري مباشر يصب في مصلحة المقاومة في غزة وجنوب لبنان. ولم تكن الرسائل الصاروخية الدقيقة والأخيرة التي دكّت منشآت حيوية ومطارات عسكرية واستراتيجية في العمق السعودي مجرد رد فعل تكتيكي عابر، بل جاءت بمثابة بيان سياسي مكتوب بالنار: “إن أمن عواصم الإسناد والمقاومة خط أحمر لا ينفصل عن أمن غزة وبيروت، ولا حصانة لقاعدة عسكرية أو منشأة طاقة طالما استمر العدوان والحصار على شعوب أمتنا”.
أمام هذا الإعصار اليمني الذي لا يرحم، هرعت الرياض مجدداً للاحتماء تحت المظلة الاستخباراتية والعسكرية الأمريكية، محاولةً مع حلفائها تحريك الأدوات الميدانية وتصعيد الحرب البرية عبر محاور الساحل الغربي والأطراف الحدودية، سعياً لاستعادة التحكم المفقود في خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. غير أن هذه الهرولة اليائسة نحو الشريك الأمريكي تكشف حجم المأزق الجيوسياسي الأعمق للمحور الصهيوأمريكي وأدواته؛ فاليمن السعيد بمقاومته نجح باقتدار في تحويل جرحه النازف إلى طاقة ردع عابرة للحدود، وأثبت عملياً للقوى الاستعمارية الغربية أن ممرات الطاقة والتجارة العالمية لم تعد ممرات آمنة لفرض الهيمنة أو تمرير صفقات الخيانة والتطبيع، بل غدت عمقاً استراتيجياً متصلاً يعمل بكفاءة قتالية وتنسيق كامل يمتد حتى حدود إيران. لقد أسقط الصمود اليمني الرهانات الغربية، وأكد أن إرادة الشعوب الحرة أقوى بكثير من ترسانات التحالفات، لتتحول الساحة اليمنية من خانة “الأزمة المنسية” إلى ضابط الإيقاع الأول والأبرز للمعادلة الإقليمية برمتها.
جدلية الألم والثمن.. عقيدة الجماهير التي تصنع “السعادة” بالصمود
إذا كانت الحسابات السياسية للمنظومات التقليدية التابعة تٌقاس بمنطق الربح والخسارة المادية الضيقة، وتعداد المكاسب التجارية الآنية، فإن كينونة “اليمن السعيد بمقاومته” تُصاغ وتُقاس وفق فلسفة ونظرة مغايرة تماماً؛ فلسفةٍ تجعل من التكلفة الباهظة وقوداً لصون المبدأ، لا سبباً للانكفاء والتردد. هنا تبرز الجدلية الكبرى التي تقف أمامها الدوائر الاستخباراتية والسياسية الغربية عاجزة عن التفكيك والفهم: كيف يمكن لشعب يواجه تحديات معيشية قاسية، وحصاراً اقتصادياً خانقاً يستهدف لقمة عيشه اليومية، أن يُلقي بكل ثقله العسكري، البشري، والسياسي نصرةً لغزة وفلسطين ولبنان؟ الجواب البسيط والعميق في آن معاً لا يكمن في التقديرات الحسابية الباردة، بل في طبيعة “العقيدة الشعبية اليمنية”؛ تلك العقيدة التي كفرت مبكراً بكل أشكال الوصاية والتبعية، وصارت ترى في معركة تحرير الأمة من الهيمنة الصهيوأمريكية امتداداً طبيعياً لمعركتها السيادية والوجودية.
إن فاتورة الدم والتضحيات التي يقدمها الشعب اليمني اليوم ليست فاتورة عبثية أو مجانية، بل هي الثمن الواعي والضروري للقرار المستقل والخيار الحر. فبالرغم من القصف الجوي المتكرر وتشديد الحصار الاقتصادي لكسر هذا الموقف الشجاع، لم تتراجع الحشود المليونية في الميادين والساحات خطوة واحدة إلى الوراء. يدرك المواطن في صنعاء والحديدة وكل المحافظات الحرة أن استهداف مقدرات بلاده ومنع تدفق المساعدات ليس إلا عقاباً صريحاً وانتقاماً من هذا “الوادي الفياض” الذي خنق شرايين الإمداد البحري لكيان الاحتلال الصهيوني، وهدد المصالح الجيواستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة.
هذه العقيدة الجمعية الراسخة هي التي تحوّل الجرح الذي لا يندمل من مجرد ألم إنساني سلبي إلى فعل نضالي يومي مستمر، وحين تعلن قيادة صنعاء الحرة بوضوح تام تمسكها بمكتسباتها الميدانية والاستراتيجية في البر والبحر، وإصرارها على مواصلة عمليات الإسناد، فإنها لا تستند فقط إلى مخزونها من الصواريخ الباليستية والمسيّرات الاستراتيجية، بل ترتكز بالأساس على حاضنة شعبية صلبة وفولاذية تأبى بشكل قاطع أن تُقايض كرامة الأمة ومقدساتها برغيف خبز مغموس بالذل والتبعية. إن التلازم المصيري الراهن بين وجع الداخل وواجب الإسناد المقدس لفلسطين ولبنان قد صهر نسيج المجتمع اليمني في بوتقة مقاومة واحدة؛ لتصبح معادلة فرض السيادة في البحر الأحمر جزءاً أصيلاً لا يتجزأ من الكبرياء والوجدان الوطني.
ختاماً، يثبت المشهد السياسي والعسكري في المنطقة أن الرهان الصهيوأمريكي على إخضاع اليمن عبر الحروب بالوكالة، أو الحصار الاقتصادي، أو التهديد العسكري المباشر، قد سقط وتهاوى بصورة واضحة. إن هذا الجرح النازف قد تحول إلى بوصلة حقيقية للأمة؛ فعمقه الممتد كوادٍ فياض يبرهن لدوائر الاستعمار الحديث أن معادلات الصراع في الشرق الأوسط لم تعد تُكتب أو تُقرر خلف الأبواب المغلقة في واشنطن أو تل أبيب، بل تُصاغ شروطها وتبنى توازناتها بالبارود، الدم، والإرادة الحرة من قلب صنعاء العصية على الانكسار، بصفتها ركيزة أساسية وضابط إيقاعٍ حتمي لمحور المقاومة في معركة التحرير الكبرى.
صوت الشعب صوت الحقيقة
