الرئيسية / صوت الوطن / ديمقراطيّة المال الفاسد
ديمقراطيّة المال الفاسد

ديمقراطيّة المال الفاسد

علي البعزاوي

ما إن أنهت حركة النهضة مسيرتها يوم السبت 27 فيفري بشارع محمد الخامس بالعاصمة مسيرة جنّدت لها كلّ إمكانياتها وقدراتها المادية والتنظيمية والإعلامية والدينية حيث تابعنا عملا دعائيا سياسيا دينيا أثّثه الأئمة التابعون للحركة ودعوات من المنابر في المساجد للحضور إلى العاصمة والمشاركة في المسيرة باعتبار ذلك واجبا دينيا، حتى دعا الدستوري الحر من جهته إلى مسيرة في باجة جنّد لها بدوره كل طاقاته حيث برزت ماكينة النظام القديم بإعلامها ووسائلها المادية واللوجستية.
الطرفان تصرفا بنفس العقلية في حركة تسعى إلى الظهور بمظهر القوة الأولى في البلاد على مستوى الحكم بالنسبة إلى حركة النهضة والمعارضة بالنسبة إلى الدستوري الحر.

التّقاطعات بين الطّرفين هي الأصل
إنّ هاتين المسيرتين تؤكّدان أنّ المباراة نظّمت على قاعدة كمية، أي قيس الحضور العددي في كل مسيرة لإبراز من هو الطرف الذي يحظى أكثر من الثاني بـ”التأييد الشعبي”. والحال أنّ من حضروا المسيرتين هم فقط أتباع كلّ طرف إلى جانب المشاركين خالصي الأجر الذين دأبوا على التمعّش من مثل هذه المناسبات مثلما يستفيدون دائما من المناسبات الانتخابية. وهو ما يؤكد أنّ المال هو قوام الصراع السياسي بين الطرفين وأداته الرئيسية. وهو العنصر الأساسي في مثل هذه المعارك سواء منها معارك استعراض القوة أو المعارك الانتخابية.

إنّ القوى الرجعية لا مصلحة لها في الكشف عن برامجها وخياراتها الحقيقية الخادمة لمصالح الأقليات المتنفّذة ماليا والمسيطرة سياسيا. فهي لا تجرؤ على الدفاع علنا وبكامل الوضوح عن التبعية للقوى الاستعمارية وارتهانها لمؤسساتها المالية. لكنها في المقابل تحاول التسويق لها على أنها تعاون مشترك ومتكافئ وأنّ هذه الدول ومؤسساتها المالية صديقة وتعمل على المساعدة والدعم. والدستوري الحر التجمعي كما النهضة الظلامية لا يختلفان حول مثل هذه المواقف الاستراتيجية التي تعبّر عن الجوهر الطبقي لكليهما.

وهي (القوى الرجعية) لا تجرؤ على الكشف عن حقيقة ارتهانها للقوى الإقليمية وخدمة أجنداتها في تونس والمنطقة مقابل الدعم المادي والسياسي. فحركة النهضة مرتبطة بالنظامين الإخوانيّين القطري والتركي وتتلقّى منهما التعليمات السياسية المناسبة التي تخدم وتكرّس أجنداتيهما في المنطقة مقابل مساعدات شكلية ودعم سياسي وإعلامي. في حين يرتبط الدستوري الحر سياسيا بالنظامين السعودي والإماراتي ويتلقّى منهما التوجيهات والإملاءات مقابل دعم مادي وسياسي أيضا.
الحزبان يعملان كل من جهته على خدمة القوى الكمبرادورية المحلية والتعبير بصورة مكشوفة عن مصالحها الاقتصادية والمالية. وفي هذا الإطار أيّد الطرفان ميزانية التقشف والنهب لسنة 2021 واتفاقيات القروض المتواترة على البرلمان ودافعا عن اتفاقية التبادل الحر والشامل مع الاتحاد الأوروبي ولم يعارضاها البتة وهي تمرر على مراحل من خلال قوانين الشراكة بين القطاعين العام والخاص وقانون البنك المركزي وقانون الاستثمار.

ولم نسمع اليوم أيّ موقف من كلا الطرفين إزاء رسالة صندوق النقد الدولي التي تزامنت مع التخفيض في الترقيم السيادي لتونس من ب2 إلى ب3. تخفيض يؤكّد أنّ البلاد تعيش حالة إفلاس غير معلن ورسالة صندوق النقد الدولي هي إعلان ناعم عن هذا الإفلاس ودعوة مبطّنة للمؤسسات المالية الأجنبية وللصناديق الكاسرة للانقضاض على تونس واستهداف مقدّراتها وثروات شعبها ووضعها تحت المقصلة.

النهضة والدستوري الحر عبّرا – كلّ من موقعه – عن نفس الموقف من الاحتجاجات الشعبية والشبابية التي اندلعت مؤخرا تعبيرا عن الرفض لسياسة التهميش والتجويع والفساد المستشري في مؤسسات الدولة. ولم نسمع موقفا من هذا الطرف أو ذاك يُدين حملات القمع والتنكيل والأحكام الجائرة في حقّ الشباب أو مساعي جدية لمقاومة السياسات اللاّشعبية واللاّوطنية التي دفعت نحو هذه الاحتجاجات. التقاطعات إذا استراتيجية وتتعلق بالخيارات الاقتصادية والاجتماعية والمالية وبالعلاقة بالخارج المكرّسة للعمالة وخدمة كبرى الشركات والمؤسسات والدول الاستعمارية والإقليمية.

نحن إزاء طرفين من نفس الهوية الطبقية المعادية للشعب وللثورة والمدافعة عن الأقلية المافيوزية المهيمنة على اقتصاد البلاد. وصراعهما سياسي من أجل السيطرة على السلطة لا أكثر.

خلافات شكليّة لا تبرّر هذا التّطاحن
إنّ الخلافات بين الطرفين جزئية وشكلية ولا ترقى إلى القضايا الجوهرية ودوافعها ليست مبدئية ناتجة عن خلافات جدية بقدر ما هي مجرد مداخل وآليات للصراع ومحاولة فرض كلّ طرف نفسه بديلا عن الثاني ليس لاختلاف في البرامج والسياسات بل من أجل السيطرة على دواليب الحكم.

إنّ الخلاف الوحيد الذي يلمسه التونسيون والتونسيات ويمكن أن يشكّل نوعا من التمييز بين الطرفين هو القشرة الأصولية التي تميز حركة النهضة باعتبارها حركة إخوانية ظلامية والقشرة الحداثية المزيفة للدستوري الحر سليل التجمع الدستوري الديمقراطي الذي لا علاقة له بالديمقراطية رغم رفعه مؤخرا لشعار التنوير في إطار المغالطة والتسويف.

هاتان القشرتان تشكلان حاملين لنفس الخيارات الطبقية التي اكتوى بنارها الشعب التونسي ودفعته إلى الثورة في 2010 – 2011 وإلى الاحتجاج في الفترة الأخيرة.
الشعب التونسي بحاجة إلى معارك سياسية راقية عنوانها البرامج والخيارات والسياسات حتى يفرّق بين ما يخدم مصالحه الاستراتيجية والمباشرة ويضمن له الاستقرار والعيش الكريم والكرامة فيهُبّ للدفاع عنه وما يخدم أعداءه الطبقيّين من السماسرة ومشغّليهم من القوى الاستعمارية وهو الخيار الذي دأبت على تكريسه المنظومة القديمة المطاح بها والحالية فيتصدى له ويناضل من أجل إسقاطه.

ووسائل الإعلام مطالبة – بدل مسايرة هذه الصراعات الدونكيشوتية وتغطيتها وشدّ انتباه الشعب حولها – بفتح ملفات استراتيجية وحيوية وتأثيث ندوات وحوارات حول الاقتصاد الوطني والاستراتيجيات الفلاحية والصناعية المنتجة للثروة والمشغلة والمؤمّنة للسيادة الغذائية والاكتفاء الذاتي بما يجعلنا في مأمن من شر المؤسسات المالية العالمية النهّابة التي دمّرت الاقتصاد والبلاد وفتحت الباب على مصراعيه أمام الإفلاس والفقر ومزيد التبعية. 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×