الرئيسية / صوت العالم / انتخاب ممداني: مؤشر وعي أم آلية احتواء؟
انتخاب ممداني: مؤشر وعي أم آلية احتواء؟

انتخاب ممداني: مؤشر وعي أم آلية احتواء؟

حين تغيّر الإمبرياليات أقنعتها: فوز ممداني.. كُرْباجٌ للنظام لا لكسره

بقلم سمير جراي

إن فوز زهران ممداني المسلم الديمقراطي الاشتراكي كما يقدّم نفسه، بمنصب عمدة نيويورك وإن كان اختراقا حدّ قلب الطّاولة، كلمته المفتاح هي “الوعي”، والعبارة هنا للزميل بسام بونني، لكنه لم يأت من فراغ، بل تشكّل بفعل مسار تاريخي طويل لعبت فيه التحولات العميقة في الوعي الأمريكي دورا محوريا، خاصة بعد الإبادة في غزة وما أحدثته من رجّة أخلاقية لدى الغرب وخاصة في صفوف الطلاب الأمريكيين.

إنها إحدى ثمار المقاومة التي تجاوز صداها حدود غزة المبادة وكل فلسطين المحتلة لتلامس الضمير العالمي.

لم يكن فوز ممداني بالمنصب “فتحا ديمقراطيا” ولا انتصارا سياسيا كما يسوّق لذلك بعض المنبهرين. فما حدث ليس أكثر من تشقّق صغير في جدار إسمنتي يعلو منذ قرن، جدار بناه رأس المال الأميركي وسلّحت خرسانته إمبراطوريات الحروب، وصُمّم بحيث يسمح بدخول الهواء دون السماح لأحد بإزاحة لبنة واحدة من أساساته.

هذا الفوز ليس انتصارا للنظام، بل نتيجة طبيعية لجرائمه. فجيل كامل في أمريكا كان متابعا لنزيف الدم الفلسطيني، ورأى الفظائع في غزة على حقيقتها، وواجه صفعة أن بلده -“قائد العالم الحر”- يقف بلا خجل خلف إبادة شعب حديثة.

هناك في الشوارع والجامعات والاعتصامات، فُضح زيف الرواية الأميركية، وظهرت الحقيقة كما هي: الإمبراطورية ليست نصيرا للحرية بل آلة متوحشة لا تتردد في سحق الشعوب إذا وقفت بين أرباحها ومشاريعها الاستعمارية.

أن يصعد شاب اشتراكي مسلم، كما يسمي نفسه، إلى موقع سلطة في يوم وفاة رمز الحروب الأميركية ديك تشيني بقدر ماهي مصادفة تاريخية، فهي كذلك صفعة زمنية للنظام.

المفارقة لا تكمن في انتقال القوة، بل في أن الإمبراطورية مضطرة اليوم لتجميل نفسها بوجوه من ضحاياها السابقين كي تبقى قابلة للتسويق.

وحدها ذاكرة قصيرة تسمح للعرب بتقديم هذه اللحظة كدليل على “تسامح الديمقراطية الأميركية”. أي تسامح؟ هذه الدولة التي أسست بناءها على إبادة السكان الأصليين واستعباد ملايين الأفارقة ونهب الشعوب واغتصاب منابع الطاقة، ليست فجأة جنّة المساواة لأنها سمحت لرجل واحد بالصعود ضمن حدودها المُحكمة.

النظام الأميركي لم يفتح الباب، بل ترك شقا في باب الزنزانة حتى لا يختنق السجناء..

أما البرامج التي يطرحها ممداني، وما فيها من نفس إشتراكي، سكن عادل، نقل مجاني، ضرائب على الأغنياء، فهي مطالب أخلاقية قبل أن تكون سياسية، ويصعب تحقيقها في ظل سلطة لوبيات رأس المال المتوحشة، خاصة في دولة تحكمها وول ستريت واللوبيات العقارية وشركات الأمن، ولا تتجاوز كونها حقنا مسكنة لجسد منهك بالأمراض يحاول أن يتشبث بالحياة.

والنظام يعرف ذلك جيدا: يسمح بجرعة يسار هنا وهناك كي لا يولد يسار حقيقي. يسمح بانتخابات ما دامت النتيجة النهائية واحدة: استمرار سلطة الشركات، يسمح بالاحتجاج ما دام لا يهز شريان المال والسلاح والنفط.

أما الاحتفال العربي بهذا الحدث فليس وعيا بل انبهار المستعمَر بجلاده حين يمنحه فتات الاعتراف. أن نرى في فوز فرد مبرّرا لغفران الجرائم الإمبريالية هو سقوط أخلاقي قبل أن يكون سقوطا فكريا.

الديمقراطية الأميركية لا تزال ديمقراطية الطائرات دون طيار، والحصار والمعتقلات السوداء، والفيتو ضد العدالة الدولية، والدعم غير المشروط للكيان الذي يرتكب الإبادة الجماعية.

الدرس ليس أن أمريكا تغيّرت، بل أن لوبياتها لم تعد قادرة على الاحتيال كما كانت. ما حدث هو تسريب قسري للاحتقان داخل جيل كفر بالأسطورة الأميركية من نافذة صغيرة اسمها انتخابات نيويورك.

لا ينبغي أن نقرأ هذه اللحظة كسقوط لجدار النظام، بل كتحذير: حين تضيق الإمبراطورية تُعيد ترتيب واجهتها لا مبادئها.

نعتقد أن قصة زهران ممداني الملهمة، ليست مجرد “انتصار للأقليات” ولا “لحظة ديمقراطية استثنائية”، كما يريد أن يصدق البعض. إنما هي فصل جديد في رواية قديمة عنوانها الإمبراطوريات لا تتغير حين تُنتج وجوها جديدة، بل حين تُكسر بنيتها.

من زاوية تاريخية، هذا ليس جديدا، فحين بدأت الإمبراطورية البريطانية تتآكل في النصف الأول من القرن الماضي، لم تُسلم مفاتيح الحكم مباشرة لشعوب مستعمراتها، بل صنعت طبقة وسطاء، نخب متعلمة في مدارس الإمبراطورية، تتحدث لغة الحاكم، وتبدو كدليل على “التمدن” بينما بقيت مصالح القوة مسيطرة.

كذلك الأمر في الهند أيضا موطن ممداني الأصلي، مع المؤتمر الوطني قبل الاستقلال، وفي مصر مع “أحمد لطفي السيد” والطبقة الليبرالية التي بقيت في مدار لندن لسنوات. كان الاستعمار بحاجة إلى وجوه محلية تمنح شرعية لوجوده، حتى وهو يتراجع.

تُطلق الإمبريالية الأمريكية صمامات أمان سياسية، تسمح بظهور وجوه تقدمية، بشرط أن تبقى اللعبة داخل الحدود.

ظهور ممداني ليس ثورة على النظام، بل محاولة ذكية من النظام لتقليل خسائره الأخلاقية. تماما كما فعلت واشنطن سابقا حين سمحت بظهور شخصيات مثل لوثر كينغ فقط بعد ضغط شعبي هائل، وبعد أن أُتخم المجتمع بالقتل والتهميش والعنصرية لعقود، بينما شيطنوا أمثال مالكوم إكس وفريد هامبتون لأنها أصرت على تفكيك النظام لا إصلاحه.

يمكن أن نقتبس مقولة إن الإمبراطوريات تُتقن لعبة التجميل، فروما فعلتها حين منحت بعض الشعوب جنسية “رومانية” دون أن توقف استنزافهم في الجيش. كذلك فرنسا فعلتها حين منحت “النخب التونسية والجزائرية” بعض الحقوق بينما كانت تعذّب الشعب وتستنزف مقدراته وتفتك أراضيه.

واليوم… أميركا تفعلها حين تجعل صعود مسلم اشتراكي يبدو كفتح تاريخي، بينما تواصل تمويل المذابح، وابتلاع ثروات العالم، وقمع شعوبها عبر رأس المال واللوبيات المالية.

ليس السؤال هنا عن ممداني، فهو جزء من معركة أخلاقية تستحق الاحترام.

السؤال: هل فُتح الباب أم أنه يُسمح للهواء بالدخول كي لا يختنق من بالداخل؟

وما لم نرَ تحولا في بنية القوة، المال، الجيش، الشركات، الإعلام، فإن هذه اللحظة، رغم جمال رمزيتها، ولحظات الوعي الانتخابي الفارقة كما يسميها البعض، ليست ثورة بل استراحة محارب في معركة طويلة بين من يريد العالم أكثر إنصافا، ومن يريد استدامة السيطرة بوجوه ناعمة بدلا من وجوه قاسية.

أما نحن شعوب الجنوب، أو فلنقل الشعوب العربية، إن أردنا أن نتعلم من هذه اللحظة، فذلك ليس بالتصفيق بل بوضع سؤال واحد كيافطة لنا جميعا:
هل نريد أن نكون متفرجين في مسرحية التجميل الإمبراطوري، أم صُنّاع زمن جديد خارج هيمنة رأس المال؟

إلى الأعلى
×