يمرّ اليوم أربعون عاما على إعلان تأسيس حزب العمّال الشيوعيّ التونسيّ (حزب العمّال). وقد تمّ اختيار 3 جانفي، ذكرى انتفاضة الخبز (3 جانفي 1984) التي أغرقها نظام بورقيبة في الدم، تاريخا للقيام بهذا الإعلان لما له من رمزيّة في الذاكرة الشعبية التونسيّة. لقد كان سجل نظام بورقيبة حافلا بالجرائم ضد الشعب التونسي بدءا باحتجاجات الفلاحين نهاية الستينات، وتحركات الطلبة طيلة السبعينات وخاصة إبان حركة 5 فيفري 1972 المجيدة، ونضالات العمال والأجراء وخاصة خلال الإضراب العام النقابي في 26 جانفي 1978 الذي استشهد فيه العشرات واعتقل المئات من النقابيين والمواطنين، ووصولا إلى “انتفاضة الخبز” التي عرفت ذروتها يوم 3 جانفي 1984 والتي استشهد فيها أيضا العشرات من المحتجين على يد بوليس النظام وجيشه كما أوقف المئات.
إن هذه الأحداث بما فيها انتفاضة الخبز لئن بيّنت أنّ سجل العمال والكادحين وجماهير الشعب حافل بالنضالات والتضحيات والمآثر الخالدة فإنّها أظهرت في نفس الوقت أنّ هذه النضالات والتضحيات كانت تفتقد إلى تنظيم طبقي ثوري يؤطرها ويقودها نحو تغيير جذري حقيقي يضع حدّا للدكتاتورية والقمع والتبعية والاستغلال. وقد كان إعلان ميلاد حزب العمّال استجابة لهذه الحاجة الموضوعية. واليوم إذ تنقضي أربعون سنة على وجود الحزب فمن حق مناضلاته ومناضليه بل من حقّ كل التقدميّات والتقدميين المتواجدين في كل الساحات أن يفخروا أنّه كان وما يزال ثابتا على مبادئه وقيمه وأهدافه، واقفا إلى جانب الشّعب في نضاله العنيد من أجل الحرية والتحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لم تخمد صوته عصا الدكتاتورية لا زمن بورقيبة ولا زمن بن علي، وقدّم شهيدا، الرفيق نبيل بركاتي والمئات من المعتقلين في سجون الدكتاتورية، وساهم في نضالات الشعب التونسي التي تكللت بثورة 2010-2011. وقد واجه بكل ما أوتي من قوة وصلابة فكرية وسياسية وعملية قوى اليمين الديني والليبرالي التي تعاقبت على الحكم بعد الثورة فالتفّت عليها وأجهضتها الواحدة تلو الأخرى لتعمّق آلام الشعب وأوجاعه وتفتح الباب أمام انقلاب 25 جويلية 2021 الشعبوي، الفاشي، الذي استغل تلك الآلام وحالة الإحباط العامّة لتصفية مكاسب الثورة الديمقراطية والعودة بالبلاد إلى مربّع الدكتاتورية تحت وابل من الشعارات الشعبوية التي ما انفك الواقع يبيّن طابعها الديماغوجي ويدفع تدريجيّا بالنّاس إلى الخروج مجدّدا إلى الشارع. وهو ما بيّن مرّة أخرى سداد رؤية حزب العمّال الذي يواصل العمل من أجل كسب العمال والكادحين وجماهير الشعب عامّة إلى برنامجه حتى يتمّ تجاوز نقائص ثورة 2010-2011 ويتحقق شعار “شغل، حرّية، كرامة وطنيّة” بصورة فعليّة في إطار جمهورية، ديمقراطيّة، شعبيّة.
إنّ أوضاع اليوم في العالم وفي الوطن العربي كما في تونس بالذات تؤكد أهمية الحزب الثّوري من أجل مواجهة المخاطر المحدقة بالعمال والكادحين والشعوب كما بالطبيعة والكون. إن العالم يتّجه أكثر فأكثر إلى التوحّش المضاعف الذي تعبّر عنه العودة القوية للفاشية العدوانية التي يمثل ترامب نموذجها الأبرز في كل جرائمه المرتكبة منها في فلسطين ومنطقة الشرق الأوسط أو في أمريكا الجنوبية، كما يحصل اليوم في فنزويلا التي تعرضت للعدوان واختطف رئيسها في عملية بلطجة غير مسبوقة بحثا عن السيطرة على ثرواتها النفطية والمعدنية. وهو ما من شأنه أن يفتح الباب على مصراعيه لمزيد البلطجة في كافة أنحاء العالم ويوتر الصراع بين كبريات الدول الامبريالية التي تزداد ميزانيّاتها العسكرية بشكل جنوني وتتعدّد نقاط مواجهتها. وفي هذه اللحظة التي يتعرض فيها الوجود البشري والطبيعي إلى تهديد جدّي تعود إلى الأذهان المعادلة الثورية، فإمّا الاشتراكية أو البربرية. إن الرأسمالية والامبريالية لم تجلب للبشرية إلا الرعب والهوان والاستغلال والاستلاب الذي يتصاعد ويتضاعف في كل بلدان العالم ولا خيار لمواجهته سوى النضال الطبقي والوطني الذي تنخرط فيه كل طبقات المجتمع وفئاته الشعبية بقيادة الطبقة العاملة وحزبها الثوري الذي تتأكّد الحاجة إليه اليوم لتنظيم النضال الواعي الذي من شأنه وضع حدّ لحضارة رأس المال المتعفّنة والمتوحّشة وتعبيد الطريق نحو حضارة إنسانيّة جديدة قائمة على الحرية والمساواة. إن مهمة إيجاد الحزب الثوري تلقى على عاتق الشيوعيين، الماركسيين اللينينيين، في مختلف أنحاء العالم، كما يطرح عليهم الاستلهام من تجارب أسلافهم في القرنين الماضيين ومن تجاربهم في مقاومة الوحش الرأسمالي في سبيل بناء النظام الاشتراكي البديل. إن حزب العمال الذي اعتبر نفسه منذ اليوم الأول حزبا أمميّا لن يتوانى عن القيام بدوره في هذه المعركة مع وإلى جانب كل القوى العمالية والثوريّة.
وما من شكّ في أنّ الحاجة إلى الحزب الثوري تتضاعف في الوطن العربي الذي تعاني شعوبه دون استثناء الاستبداد والتخلّف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي تحت حكم أنظمة عميلة وفاسدة ودكتاتورية. إنّ الوطن العربي هو الأغنى نسبيّا في العالم بمقدراته وثرواته لكنه الأفقر والأكثر وهنا جرّاء الهيمنة الامبريالية في أشكالها الجديدة وحتى في شكلها الاستعماري المباشر كما في فلسطين التي ما كان لاحتلالها واغتصابها أن يستمر كلّ هذا الوقت لولا الدور المتواطئ للأنظمة العربية كما يجري اليوم على خلفية “طوفان الأقصى” الذي شكل نقلة هامّة في أداء المقاومة الفلسطينية لولا دور التآمر الذي نفذّته بتفان أنظمة الذل والعار، وهو نفس الدور الذي تلعبه لتركيع لبنان و تدمير سوريا وتقسيم اليمن والسودان وتثبيت انقسام ليبيا، وتعميم التطبيع مع العدو والإذعان لإرادة الغزاة.
إن الوضع المزري الذي تعيشه شعوبنا يطرح بإلحاح على جدول الأعمال ضرورة وجود الحزب الطبقي الثوري كرافعة للنضال الوطني والاجتماعي في وجه حكم الطبقات الرجعية وفي وجه البدائل المغشوشة بوجهيها الظلامي والليبرالي والتي من شأنها أن تعيد إنتاج التبعية والفقر والبؤس والاستبداد بشكل مستمر. إن صعوبة الأوضاع وتعقيداتها لا تعفي الثوريّين في البلدان العربية والمنطقة كاملة من تحمّل مسؤوليتهم وتوفير أداة التغيير الضرورية.
إن مواقف حزبنا طوال أربعين عاما لم تغفل عن الواجهة القومية كبعد أساسي من أبعاد النضال المعادي للإمبريالية والصهيونية والرجعية باعتبارها حلقات مترابطة ومتكاملة خاصة اليوم أكثر من أي وقت مضى، لذلك فإن حزبنا لن يتوانى عن مواصلة جهوده من أجل تمتين العلاقات مع القوى الثورية في المنطقة وفي مقدمتها الأحزاب والتنظيمات الماركسية اللينينية التي تعمل على التجذّر في نضال شعوبها حتى يتسنى لها القيام بدورها في استعادة جذوة النضال من أجل تحرير الأوطان ومنها فلسطين المحتلة وطرد المستعمر الامبريالي الصهيوني من المنطقة وإسقاط أنظمة العمالة والخيانة وتوفير شروط بناء البديل الاشتراكي.
وفي بلادنا تتأكد في كل لحظة الحاجة الدائمة إلى حزب مستقل ومناضل ومناهض للاستبداد والدكتاتورية الجاثمة والتي تصفّي ما حققه الشعب من حريات بنضاله وتضحياته بهدف حرمانه من الأدوات التي يدافع بها عن جلده الذي تتقدم الشعبوية اليمينية الحاكمة في سلخه. إنّ حزبنا الذي لم تربكه التحولات الحاصلة والتي أكدت في عمومها صواب قراءته بما يعطيه عاملا آخر من عوامل الثبات والإصرار إنّما هو مستمرّ في العمل مع الشعب من أجل تصحيح اتجاه السير الذي لا يعني اليوم سوى إسقاط منظومة الاستبداد والتبعية والتفقير لصالح منظومة وطنية شعبية ديمقراطية. إن طريق النضال صعب وشاق، لكن دروس أربعين عاما تشكّل اليوم معينا لا ينضب للاستمرار في منازعة الدكتاتورية حتى التخلص منها.
إن حزب العمّال يتعهّد لشعبه بأنّه لن يحيد عن قيمه ومبادئه وبأنّه لن يدّخر جهدا للوصول إليه والربط معه في كافة القطاعات والجهات فهو، إذا وعى وتنظّم، القوة الوحيدة القادرة على التّغيير الذي لن يهبه له لا الأجنبي الاستعماري والرجعي ولا خدمه في الداخل. إن الشعب التونسي لن يحرر نفسه إلا بنفسه وبداية الطريق الدفاع عن حريته وحقوقه ومعيشته وكرامته بصفوف واعية ومنظمة حتّى يدرك اللحظة الحاسمة ويحقق المرتجى. وإنّ غدا لناظره قريب.
صوت الشعب صوت الحقيقة
