تعيش إيران على وقع احتجاجات شعبية عارمة اندلعت يوم 28 ديسمبر على خلفية التدهور الكبير للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والذي قابلته الحكومة بإجراءات لا شعبية تجلت خاصة في ارتفاع الأسعار والزيادات الضريبية. خرجت الجماهير الى الشارع للاحتجاج فقابلها القمع، بالتوازي مع ذلك دخلت القوى الاستعمارية على الخط اذ أصدرت دولة العصابات الصهيونية بما فيها جهاز مخابراتها الموساد بيانات تقول بوجودها على الأرض مع المحتجين الذين تساندهم وتساند مطالبهم في التغيير، ثم دخلت الإدارة الأمريكية ورأسها ترامب الذي بدأ في إصدار الأوامر للمتظاهرين وللدولة، للمتظاهرين أن يواصلوا وللدولة أن تكفّ عن العنف وإلا فإن الآلة العسكرية الأمريكية جاهزة للتدخل فورا وهو ما بدت مؤشراته الحسية من خلال دعوة مواطنيها ودبلوماسييها في المنطقة للمغادرة وهو ما قامت به أغلب الدول الأطلسية، لقد دقت طبول الحرب وبات التسويق لنموذج التدخل في فنزويلا مطروحا على الطاولة.
على الأرض تفاقم القمع مع توسع حركة الاحتجاج خاصة مع ضعف الإجراءات التي اتخذتها الحكومة مثل تمكين الفئات محدودة الدخل من منحة شهرية لا تتجاوز قيمتها سبعة دولارات لمدة ثلاثة أشهر، ولم يقنع خطاب الرئيس الجماهير المنتفضة حول صعوبة الوضع وتأثر إيران بتراجع أسعار الطاقة في السوق العالمية مما نفخ نسب التضخم وأصبحت الدولة عاجزة عن التشغيل وعن زيادة الأجور.
لقد تشابكت المعطيات وتداخلت بين طموحات عادلة ومشروعة لا في المطالب الاجتماعية فحسب بل وأيضا في المطالب الديمقراطية إزاء نظام تيوقراطي استبدادي، وبين التدخلات الإقليمية والدولية لضرب النظام الإيراني حليف روسيا و الصين ورأس حربة ما كان يسمى “محور الممانعة/المقاومة” أي حلف غير المنخرطين في المخططات الصهيو أمريكية التي تهم كل ترتيبات المنطقة من أجل تثبيت الهيمنة والإخضاع خاصة بعد تفكيك المحور بإسقاط النظام السوري وتوجيه ضربات موجعة لحزب الله وللمقاومة الفلسطينية وإعادة المليشيات العراقية الى الزريبة الأمريكية، وحتى ينتهي ترتيب الأوضاع الجديدة يجب إخراج إيران من معادلات المنطقة والتي ظلت لعقود نشازا يقض مصالح الاحتكارات العالمية ودولها الكبرى ووكلائها الوظيفيين في المنطقة.
لقد وجدت الشعوب الإيرانية نفسها مرة أخرى في كماشة لا تحسد عليها، فهي بين مطرقة نظام قمع قروسطي وسندان تدخلات خارجية غير خافية. إن التوازن في الموقف واضح لدى القوى الثورية والتقدمية الإيرانية التي تربط المهمتين بشكل واضح وسليم: إسقاط نظام الملالي الرجعي ذي الخيارات الطبقية اللاشعبية واللاديمقراطية، والتصدي لأي تدخل خارجي من أجل التحكم في ثروات إيران وتحويله الى ضيعة صهيو-امبريالية على الشاكلة الخليجية.
إن هذا الموقف هو الموقف المتماسك والذي يجب تعبئة المنتفضين على أساسه. إن التصدي لإرادة التدخل والعدوان من طرف ترامب عبر قواعده العسكرية في الخليج، وعبر الاختراق المخابراتي الصهيوني الذي أصبح معلنا ويتم في واضحة النهار ضمن “استراتيجية الفرصة التاريخية ” التي تريد استغلال كل التغييرات الحاصلة في العالم وفي المنطقة من أجل تثبيت كيان الاحتلال قوة متحكمة وقيادية في “الشرق الأوسط الجديد” بمعادلاته الجديدة الخالية من أي مقاومة وأي ممانعة مهما كان حجمها.
إننا كثوريين لا يمكن إلا أن نكون مع نضال الشعوب الإيرانية من أجل حقوقها كاملة بما فيها نظام ديمقراطي وطني منتصر للقضايا العادلة ومعادي للامبريالية والصهيونية. إن يقظة قوى الحرية والتقدم إزاء كل المشاريع وخاصة تحويل إيران الى محمية بما فيها العودة لنظام الشاه العميل، هي التي ستفوت الفرصة على أعداء إيران و ستمكن شعوبه من التحرر والانعتاق.
صوت الشعب صوت الحقيقة
