الرئيسية / صوت الوطن / ويبقى 14 جانفي يوما عظيما في تاريخ الشعب التونسي
ويبقى 14 جانفي يوما عظيما في تاريخ الشعب التونسي

ويبقى 14 جانفي يوما عظيما في تاريخ الشعب التونسي

بقلم علي الجلولي

مرّ يوم 14 جانفي باهتا، باردا لم تكسر رتابته التي تم فرضها منذ الانقلاب إلا تحرك “الجيل z ” الذي انتظم آخر اليوم وبشكل خاطف في شارع الثورة حيث اكتفى بعض اليافعين بتمرير رسالة مشفرة للجميع مفادها أن الأكمة وراءها ما وراءها، وأن الصبر بدأ في النفاذ وأن جيل المولودين أثناء المسار الثوري أو قبله بقليل أصبح جاهزا للعب دور على الساحة الاجتماعية والسياسية.

مرّ اليوم باهتا لأن الرواية الرسمية ألغت بقرار فوقي إحياء ذكرى الانتصار على الدكتاتورية وعملت على خلق تنافر وهمي بين تاريخي 17 ديسمبر و14 جانفي، تنافر مبني على مغالطة كبرى مفادها أن الثورات تُخلد ببداياتها، وأن تاريخ 17 ديسمبر هو تاريخ الاندلاع على خلفية حدث ذي طابع اجتماعي تم الرد عليه باحتجاج اجتماعي، وأن تاريخ 14 جانفي هو تاريخ تدخل الجانب السياسي وتداعياته أولا بإفساد المضمون الاجتماعي للثورة وثانيا بدخول معطى لا يهم الشعب وهو معطى مآل السلطة. لذلك تم اعتبار يوم 17 ديسمبر عيدا للثورة وإلغاء 14 جانفي من الاعتبار والتوجه الى تبخيسه باعتبار لحظة التآمر على الشعب.

بين سردية الثوار وسردية الممتطين

إن سردية الاستنقاص والتبخيس التي تطال 14 جانفي والتي أصبح يرددها لفيف واسع من أنصار الشعبوية ملتحقين بسردية المخلوعين من ذوي المصالح الأنانية التي انبنت على الزبونية لنظام بن علي، وغلاة التجمعيين الذين يجدون تكثيف مواقفهم في حزب عبير موسي، إنما هي سردية مبنية على مغالطات وعلى أفكار مسمومة. إن من يريد إحداث تنافر بين موعدي 17 و14 هم الذين لا علاقة لهم بالموعدين، بل أن العمل على شطب تاريخ 14 جانفي إنما تقف وراءه مقاربات وآراء لا يمكن توصيفها الا بكونها لا تنتصر لانتصار الشعب على الدكتاتورية. إن 14جانفي 2011 هو تاريخ انتصار الشعب على الدكتاتور وعلى الدكتاتورية، إنه يوم الحسم حين أصرت الصدور العارية رغم رصاص الغدر الذي حصد المئات شهداء وجرحى على تنفيذ وعدها الذي رفعته وهو شعار “ارحل”(Dégage)، أما انطلاق التآمر على الثورة والشعب الثائر فانه لم ينطلق مساء 14 جانفي لتحديد مآل الحكم وفقا لدستور بن علي (دستور 1959)، بل إن التآمر لم يتوقف لحظة سواء من جهة الانتصار لنظام بن علي القمعي إبان أغلب ردهات الثورة، أو من جهة الإعداد لمن يخلفه ويأخذ كرسيه حفاظا على مصالح ذات الطبقات والفئات الطفيلية التي ظلت تحكم تونس وتنهب مقدراتها. إن حصر التآمر في يوم 14 جانفي يخفي فكرة مسمومة هي شطب دور الشعب في إسقاط الدكتاتورية وفرض فرار رأسها الطاغية الذي ما كان ليغادر كرسي قرطاج لولا صمود الشعب وإصراره على إسقاط النظام الذي يسبب بؤسه وشقاءه. ان السردية التي استقرت عند الثوريين وعند الشعب التونسي هو أن الثورة هي ثورة 17ديسمبر/14 جانفي تخليدا لحدث الاندلاع يوم 17 ديسمبر بسيدي بوزيد حين اعتدى أعوان السلطة على شاب كادح والذي رد الفعل على قهره بحرق نفسه وهو القادح الذي أعطى إشارة انطلاق ثورة شعبية توفرت لحظتها كل الشروط لتتوج مسارا من الاحتجاج والنضال والسخط والغضب عرف ذروته منذ انتفاضة الحوض المنجمي في جانفي 2008 مرورا بكل فصول الاحتجاج الاجتماعي والسياسي والذي كان الثوريون والتقدميون سنده الدائم رغم حجم القمع والحصار. انطلقت الثورة لتمر بمسار التطور “الطبيعي” من المطالب الاجتماعية الى الشعارات السياسية الى المهمة الأساسية للإنجاز وهي إسقاط السلطة وهو ما تم يوم 14 جانفي من خلال هروب رأس النظام وتصدع كل مؤسسات الحكم. أما عن مآل الحكم فلم يكن ذلك إلا ترجمة مادية لحقيقة موازين القوى وحقيقة استعدادات كل طرف. لقد رفع شعبنا شعار الرحيل والاسقاط، لكنه لم يطرح تصورا للبديل وهذه النقطة هي التي حسمت المآل، فوحدها السلطة بأجهزتها المتصدعة كانت جاهزة ليلة 14/15 جانفي للمسك بقرطاج والقصبة، أما الشعب فبات مطمئنا لأنه أسقط واحدا من أعتى أباطرة الاستبداد في العالم.

إن حديثنا لا يعني البتة تبخيسا لما حدث، فعوائق الثورة كانت واضحة لذلك توجهت بعض القوى الثورية أثنائها وأثناء منعطفاتها الكبرى وخاصة بعد منعرج الدم في القصرين وتالة (5/6 و9جانفي) بمقترحات لا تهم الاستمرار في الثورة حتى إسقاط الدكتاتورية، بل وأيضا المهمات والبدائل التي على الشعب الثائر رفعها وطرحها. لكن قراءة الأحداث لا يجب أن تحتكم الى الرغبة بل يجب أن تعي حقيقة الأوضاع في اللحظة التاريخية المحددة. لقد عملت قوى الثورة منذ صبيحة 15 جانفي الى القصبة 1 و2 أن تصحح اتجاه السير وأن تتصدى لمسار الالتفاف وقواه، لكن موازين القوى والتدخلات المحلية والإقليمية والدولية عززت صف الثورة المضادة ضمن مسار مازال مستمرا حتى اليوم.

14 جانفي هو يوم انتصار لابد من تخليده

في المقابل من سردية الممتطين وراكبي الموجة الثورية خطابا لا ممارسة (les arrivistes)، يجب أن ندافع بقوة وشراسة على سردية الثورة والثوار والثوريين. إن التحايل على التاريخ هو لعبة كل أنظمة الاستبداد، لقد كتب بورقيبة تاريخ تونس تخليدا لذاته وهو الذي خلق الشعب التونسي حين كان حفنة من التراب (une poussière d’individus) كما عبر عن ذلك في أحد خطابته سنة 1973، وهو نفس الأمر حين حوّل بن علي 7 نوفمبر الى أقدس أيام العام لأنها تخلد ذكرى وضع يده على كرسي قرطاج منقلبا على بورقيبة. وهاهو التاريخ يتمهزل في اتجاه تحويل 25 جويلية الى 7 نوفمبر جديد، لكن مع محاولة تذاكي مفضوح تتجه الى افتكاك الشرعية من 17 ديسمبر المجيد، وهي خاصية من خصائص الشعبوية التي تريد توظيف كل الرموز والرمزيات بما فيها ذكرى الأحداث الوطنية أو الدينية…لكن القاصي والداني يعلم علم اليقين أن لا علاقة بين حاكم اليوم ومجمل زبانيته وأنصاره بذكرى اندلاع الثورة ولا بذكرى الانتصار على الدكتاتورية. والواضح اليوم أن صراع السرديات يخفي صراعا حقيقيا حول المضامين الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تعبر عنها مختلف الأطراف. إن إصرار سعيد على خلق تنافر وهمي بين موعدي 17 و 14 مع نزوع مثقفاتي لتخليد الأول وتبخيس الثاني إنما يعكس فكرة جوهرية مفادها أن الثورة المضادة قد يفرض عليها الاعتراف الشكلي باندلاع الثورات، لكنها لا تقبل بانتصارات الثورات ولا بمكاسبها مهما كانت جزئية. إن حصيلة حكم سعيد تؤكد هذا، فالمكسب الأساسي المتمثل في الحريات تقع تصفيته في أفق اجتثاثه كليا، أما المطالب الاجتماعية فمآلها هو نفس المآل الذي شهدته مع أنظمة حكم اليمين الشعبوي في كل العالم، تبجح بها في الخطاب وإلغاء لها في الواقع.

إلى الأعلى
×