الرئيسية / الافتتاحية / الفيضانات تعرّي حيف الدولة وظروف الشعب البائسة
الفيضانات تعرّي حيف الدولة وظروف الشعب البائسة

الفيضانات تعرّي حيف الدولة وظروف الشعب البائسة

تعرّضت بلادنا، وخاصة المناطق الساحليّة منها، في بحر هذا الأسبوع إلى موجة أمطار غزيرة لم تشهدها منذ عقود. وكان من نتائجها أن أصاب الشلل أكثر من نصف ولايات تونس (15 ولاية)، فتمّ إعلان تعليق الدروس في المؤسسات التربوية ليومين متتاليين (20/21 جانفي)، كما تعطلت أغلب المصالح بعد أن تحوّلت المدن إلى برك عائمة استحالت فيها الحركة. وهو ما عرّى أوّلا حقيقة البنية الأساسية المتخلّفة والمتداعية، طرقات وجسورا وأنفاقا، وثانيا محدوديّة التجهيزات المتوفّرة لمواجهة مثل هذه الطوارئ التي قد تتكرّر مرّة في مرّة بسبب الواقع المناخي العالمي الجديد، وثالثا غياب الاستعدادات لمواجهة مثل هذه الأوضاع. وقد أدّى كل ذلك إلى وفاة عدد من المواطنين الذين جرفتهم المياه في الشارع، أو غمرت بيوتهم فماتوا غرقا. كما أدّى إلى حصول خسائر ماديّة فادحة ولولا تعاون الناس من أجل إنقاذ المتضررين بعد أن عجزت هياكل الدولة على التدخل الناجع في عديد الحالات، لكانت الفاتورة أثقل.

لقد بان بالمكشوف وللمرّة الألف الخلل الذي يطال كل الخدمات العمومية الأساسية، كما بانت حقيقة الهيكلة العقارية للمدن وخاصة الأحياء الشعبية التي تشكّلت عشوائيا على هامش المدن ودون توفّر أدنى شروط السلامة، فعديد الأحياء التي تحولت إلى مدن وقرى انبعثت في مصبّات الأودية وهو ما حوّل حياة ساكنيها إلى جحيم خاصة بمناسبة هطول الأمطار. وممّا زاد الوضع تعقيدا عدم تحمّل الدولة مسؤولية توفير شروط الحماية الدنيا في هذه الأحياء وفي مقدمتها شبكات التطهير المناسبة، ووسائل استيعاب مياه الأمطار للتصرف فيها والاستفادة منها. وكما هو معلوم فإن الأغلبية الساحقة من سكان تلك الأحياء هم من الطبقات والفئات الكادحة والمفقّرة التي تعوزها الإمكانيات لتأمين حياتها وممتلكاتها البسيطة والهشّة فما تخسره يذهب دون رجعة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد بيّنت الفيضانات النتائج الكارثية لتغييب المجالس البلدية التي أصبح يسيّرها موظف تابع لوزارة الداخلية بعد أن حلّها قيس سعيّد منذ مارس 2023 وعطّل إعادة انتخابها إلى حدّ الساعة. لقد عرّت الصور ومقاطع الفيديو المنتشرة في شبكة التواصل الاجتماعي الانهيار المروّع للخدمات البلدية، فالقنوات مسدودة بالأوساخ والفضلات التي لئن يتحمّل المواطنون بعضا من المسؤولية في ذلك، فإنّ المسؤولية الأكبر تتحمّلها الدولة والهياكل البلدية بما في ذلك مسؤولية توعية المواطنين وترشيد سلوكهم ومراقبة التجاوزات، علما وأنّ الاستعداد الأدنى لمواجهة موجة الأمطار “الطوفانيّة”، كان صِفريّا أو يكاد رغم أنّ مصالح الرصد الجوي المحلية والعالمية، نبّهت إلى ذلك، فلم تتّخذ الاحتياطات سواء لاجتناب الكوارث أو لملء السدود والبحيرات الجبليّة بعد سنوات عجاف، ممّا فوّت على بلادنا فرصة جديدة لتحسين الاحتياطي من المياه التي ذهبت إلى البحر.

لقد قام قيس سعيّد، بهذه المناسبة، بجولة ليليّة مكوكيّة في بعض الجهات المتضرّرة، تصاحبه الكاميرا كما تصاحبه آليات شفط المياه وهو ما ذكّر التونسيّبن بزيارات بن علي مع فارق وهو أنّ بن علي كان يتنقّل وفي جرابه بعض الإجراءات الجزئيّة لذرّ الرماد في العيون، أمّا قيس سعيّد فهو يتنقّل وفي جرابه خطاب ديماغوجي مجّه التونسيّون يستعمله لتغطية عجزه وفشله وإلقاء المسؤولية على غيره والحال أنّه يحكم البلاد منذ ستّ سنوات من بينها أربع سنوات ونصف من الحكم الفردي المطلق لم يقدّم فيها إنجازا يذكر للشعب عدا مزيد تدمير مختلف جوانب حياته المادية والمعنويّة. وهو الأمر الذي أصبح ظاهرا لغالبيّة التونسيات والتونسيين من العمال والكادحين والفقراء في المدن والأرياف ممّا جعلهم يعبّرون تدريجيّا وبأشكال ودرجات مختلفة عن نقمتهم وغضبهم ورفضهم لتمادي قيس سعيّد في استغبائهم وقمعهم خدمة لمصالح نفس الأقليات الثريّة التي ظلّت تتحكّم في مصير بلادنا وترهنه للأجنبي منذ عقود.

إن الفيضانات بيّنت مرّة أخرى أن أزمة منظومة الحكم في تونس عامة، فما من مجال من مجالات حياة الشعب التونسي، بما في ذلك البنية التحتيّة والمرفق العموميّ، لم تشمله كما أكّدت للمرّة الألف أنّ مشاكل الشعب لن تحلّها الخطب الديماغوجيّة والشعارات الجوفاء حول “السيادة الوطنيّة” و”الدولة الاجتماعيّة” و”التعويل على الذات” و”حرب التحرير الوطنيّة” و”مقاومة الفاسدين والمتآمرين” التي لم تحُدّ كلّها لا من مزيد إغراق تونس في التبعيّة ولا من مفاقمة فقر شعبها وبؤسه المادي والمعنوي، كما لن تحلّها الزيارات الفجئية والفلكلورية التي حكم بها بن علي ولم تنفعه في النهاية قبل أن يرثها منه قيس سعيّد ويمارسها بأشكال أكثر مهزليّة. إن جوهر المشكل في بلادنا يكمن في الخيارات الاقتصادية والاجتماعية المتّبعة منذ عقود والتي لا تخدم في جوهرها سوى مصالح كبار بيروقراطيي الدولة وحفنة من العائلات الثريّة التي تعمل في ركاب الدول والشركات الأجنبيّة. إن كرامة شعبنا لن تتحقّق إلا بخيارات جديدة وطنيّة، شعبية ديمقراطية، على أنقاض هذه الخيارات الرجعية. وهو أمر ليس صعبا على شعب أسقط سنة 2010-2011 دكتاتوريّة من أعتى الدكتاتوريّات في المنطقة والعالم. إن المسألة مشروطة بتنظيم الصفوف والتسلّح ببرنامج تغيير وروح معنوية جديدة لتجاوز حالة التشتت والإحباط التي زرعتها منظومات الحكم المتعاقبة منذ 2011 وآخرها منظومة الدمار الشامل، الشعبوية الفاشية التي يقودها قيس سعيّد.

إلى الأعلى
×