الرئيسية / صوت الوطن / السيادة الوطنية بين تحديات الاستقلال والتبعية الرقمية
السيادة الوطنية بين تحديات الاستقلال والتبعية الرقمية

السيادة الوطنية بين تحديات الاستقلال والتبعية الرقمية

بقلم فتحي المرايحي

تُطرح مسألة السيادة في تونس اليوم داخل سياق عالمي تحكمه الإمبريالية الرقمية والاحتكار الرأسمالي، حيث لم تعد السيطرة تُمارَس فقط عبر أدوات القهر الاقتصادي أو السياسي المباشر، بل عبر التحكم في منصّات التواصل العالمية، وفي الخوارزميات التي تُدير تدفّق المعلومة وتُعيد تشكيل الوعي الجماعي. فالسيادة الوطنية، من منظور مادي تاريخي، ليست شعارًا قانونيًا مجرّدًا، بل تعبير عن قدرة الطبقات الشعبية على السيطرة على أدوات الإنتاج، بما فيها أدوات الإنتاج الرمزي والرقمي. وفي هذا الإطار، لم تعد السيادة الرقمية مسألة تقنية ثانوية، بل تحوّلت إلى جبهة جديدة من جبهات الصراع من أجل الاستقلال الوطني والأمن القومي، لا تقلّ خطورة عن السيادة الغذائية أو الطاقية أو العسكرية.
لقد تحوّل الفضاء الرقمي في تونس، كما في عديد البلدان التابعة، إلى مجال غير سيادي، تُهيمن عليه منصّات عالمية كبرى مثل فيسبوك (ميتا)، غوغل/يوتيوب، إكس (تويتر سابقًا)، وإنستغرام وتيك توك. هذه المنصّات لا تعمل كوسائط تواصل محايدة، بل كأدوات إنتاج أيديولوجي وأمني في آن واحد، تُدار بخوارزميات مصمّمة لزيادة التفاعل والربح، ولو على حساب الحقيقة، والاستقرار الاجتماعي، والوعي النقدي. وهي بذلك تُعيد إنتاج الهيمنة الطبقية والإمبريالية، عبر توجيه النقاش العام، والتأثير في المزاج السياسي، وجمع المعطيات الحسّاسة عن الأفراد والجماعات، بما يجعل الأمن القومي للدول التابعة مكشوفًا أمام مراكز القرار الرأسمالي العالمي.

ويزداد هذا الواقع خطورة حين نُدرك أنّ التفاوت في امتلاك التكنولوجيا هو في جوهره علاقة قوة. فمن يملك البنية التحتية الرقمية، والمنصّات، والخوارزميات، ومراكز تخزين البيانات وتحليلها، يملك القدرة على التأثير في السلوك السياسي والاجتماعي للشعوب، بل وعلى التدخّل في استقرارها الداخلي. أمّا من يُحرم من هذه الأدوات، فيتحوّل إلى تابع، مستهلك للرسائل، وموضوع للمراقبة والتوجيه. وهكذا يُعاد إنتاج منطق الغالب والمغلوب في صيغته الرقمية: الغالب يصوغ السردية ويحدّد الأجندات، والمغلوب يتحرّك داخلها، وهو يعتقد أنّه يمارس حرّيته، بينما تُستنزف سيادته وطاقته ووعيه.

وقد بيّنت تجارب دولية عديدة أنّ المنصّات الرقمية أصبحت جزءًا من أدوات الصراع الجيوسياسي. ففي الولايات المتحدة، كشفت فضيحة “كامبريدج أناليتيكا” كيف استُعمل فيسبوك لجمع معطيات ملايين المستخدمين والتلاعب بتوجّهاتهم السياسية خلال الانتخابات، بما يخدم مصالح لوبيات مالية وصناعية بعينها. وفي ميانمار، لعب فيسبوك دورًا مباشرًا في التحريض على العنف ضد أقلية الروهينغا، عبر السماح بانتشار خطاب الكراهية، ما ساهم في تثبيت نظام قمعي وخدمة توازنات إقليمية ودولية. أمّا في العالم العربي، فقد استُخدمت المنصّات نفسها إمّا لتفجير الاحتجاجات الاجتماعية خارج أفقها الطبقي، أو لاحقًا لتفكيكها وتشويهها، بما يسمح بإعادة إنتاج أنظمة أكثر طواعية مع المصالح الإمبريالية.

وفي أمريكا اللاتينية، تُقدَّم تجربة البرازيل مثالًا آخر، حيث استُخدمت شبكات مثل واتساب ويوتيوب لنشر الأخبار الزائفة والخطاب الشعبوي اليميني، بما ساهم في تعزيز صعود قوى محافظة مرتبطة بالمصالح الأمريكية، وإضعاف الحركات الاجتماعية واليسارية. هذه الوقائع تؤكد أنّ الفضاء الرقمي لم يعد حيّزًا للتعبير فقط، بل ميدانًا للصراع السياسي والأمني، تُستعمل فيه التكنولوجيا إمّا لإضعاف الدول من الداخل، أو لضمان بقاء أنظمة تؤدي وظيفة محددة داخل النظام الإمبريالي العالمي.

ومن هذه التبعية الرقمية تنبثق تبعية سياسية مباشرة. ففي تونس، تُدار الحياة العامة والانتخابات داخل فضاء افتراضي غير متحكَّم فيه وطنيًا، ما يجعل القرار السياسي نفسه عرضة للتأثير الخارجي. وقد كشفت تقارير دائرة المحاسبات عن توظيف أدوات اتصال وتأثير رقمي غير قانونية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وعن إخلالات جسيمة بقواعد التمويل والشفافية. وهو ما يبرز أنّ العملية الديمقراطية أصبحت، جزئيًا، رهينة لوبيات ضغط وشركات اتصال تعمل داخل فضاء رقمي عابر للحدود، لا يخضع لمنطق السيادة الوطنية ولا للرقابة الشعبية.

وقد أظهرت هذه التقارير تورّط قوى سياسية مختلفة، رغم تباين خطابها، في الاستفادة من هذا الواقع. فحركة النهضة، وفق المعطيات الرسمية، لجأت إلى شبكات ضغط وتمويل خارجي وشركات أجنبية مختصة في الاتصال السياسي، ما جعلها جزءًا من منظومة حكم تابعة. وفي المقابل، لم يكن مسار قيس سعيّد بمنأى عن هذه الإشكالية، إذ كشفت التقارير عن إخلالات في حملته الانتخابية، واعتماد واسع على تعبئة رقمية شعبوية عبر المنصّات، خارج أي سيطرة وطنية فعلية، بما حوّل “الإرادة الشعبية” إلى معطى قابل للتوجيه الخوارزمي.

ولا يكتمل مشهد نفي السيادة دون التوقّف عند البعد القمعي الداخلي، المتجسّد خصوصًا في المرسوم 54، الذي تحوّل إلى أداة لتجريم الرأي والتضييق على حرية التعبير، والزجّ بعدد كبير من الصحافيين والمدوّنين والناشطين في السجون. ففي مفارقة صارخة، تُترك المنصّات العالمية تعبث بالوعي العام وبالأمن المعلوماتي دون مساءلة حقيقية، بينما يُقمع الصوت النقدي الوطني باسم القانون، وهو ما يخلق تكاملًا خطيرًا بين الهيمنة الخارجية والقمع الداخلي، ويُضعف مناعة المجتمع والدولة معًا.

وتتضاعف خطورة هذا المسار حين يتعلق الأمر بالأجيال الجديدة، التي تُترك فريسة لخوارزميات الإدمان وصناعة الوعي الزائف، بما يشبه “الكوكايين الرقمي”. هذه الخوارزميات لا تسرق الوقت فقط، بل تُعيد تشكيل القيم والانتباه والخيارات السياسية لدى الشباب، وتفصلهم عن واقعهم الاجتماعي وطبقتهـم. وليس من قبيل الصدفة أن تتجه دول مثل أستراليا إلى منع من هم دون 16 سنة من امتلاك حسابات على شبكات التواصل الاجتماعي، إدراكًا منها أنّ حماية الطفولة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من معركة السيادة الرقمية والأمن القومي.

إنّ التجربة التونسية تكشف أنّ التبعية الرقمية، والتبعية السياسية، والتضييق على الحريات، ليست ظواهر منفصلة، بل عناصر متكاملة في بنية واحدة تُفرغ الاستقلال من مضمونه، وتحوّل الديمقراطية إلى إجراء شكلي. فالسيادة الرقمية اليوم تمثّل خط الدفاع الأول عن السيادة الوطنية، وأي تفريط فيها يعني فتح المجال لاختراق الوعي، والتأثير في القرار، وتهديد الاستقرار الاجتماعي.

من هذا المنظور، لا يمكن الحديث عن تحرّر وطني حقيقي دون بناء سيادة رقمية شعبية، تقوم على التحكم الوطني في البنية التحتية الرقمية، وحماية المعطيات، وضمان حرية التعبير، وتحرير الفضاء الافتراضي من قبضة الإمبريالية والمنظومة الزجرية في آن واحد. فالديمقراطية الشعبية، وفق منطق الاشتراكية العلمية، ليست مجرد صناديق اقتراع، بل سلطة فعلية للجماهير على شروط إنتاج وعيها ومصيرها، وفي قلب ذلك تحتل السيادة الرقمية موقعًا مركزيًا في معركة الاستقلال والأمن القومي.

إلى الأعلى
×