الرئيسية / عربي / المرحلة الثانية من خطة ترامب: تدويل غزة وإعادة إنتاج الهيمنة
المرحلة الثانية من خطة ترامب: تدويل غزة وإعادة إنتاج الهيمنة

المرحلة الثانية من خطة ترامب: تدويل غزة وإعادة إنتاج الهيمنة

بقلم حمادي المثلوثي

يأتي هذا المقال في سياق النقاش الدائر حول قرار مجلس الأمن الأخير بشأن غزة، كما تناولته عدة مقالات وتحليلات سياسية، وتساهم جريدة صوت الشعب من خلاله في هذا النقاش عبر تفكيك الخلفيات الحقيقية للقرار، وكشف مضامين «المرحلة الثانية» من ما يُسمّى خطة ترامب للسلام، وانعكاساتها الخطيرة على القضية الفلسطينية، وبالخصوص على مستقبل قطاع غزة وموقعه في الصراع . يفتح قرار مجلس الأمن الدولي المتعلق بغزة الباب رسميًا أمام الشروع في المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهي مرحلة لا تقل خطورة عن سابقتها، بل تمثل انتقالًا من الحرب العسكرية المباشرة إلى محاولة فرض تسوية سياسية–أمنية تُدار من أعلى، وبمنطق الوصاية الدولية، وبما يخدم في الجوهر أهداف الكيان الصهيوني والإمبريالية الأميركية. لم يكن اعتماد القرار الأممي مفاجئًا فقط لسرعته، بل لطبيعة التوافق الذي حظي به داخل مجلس الأمن، حيث مرّ المشروع المدعوم أميركيًا بأغلبية مريحة، مع امتناع روسيا والصين عن التصويت بدل استخدام حق النقض. وقد لعب الضغط المكثف للإمبريالية الأميركية، إلى جانب موافقة عدد من الدول العربية والإسلامية، دورًا حاسمًا في تمرير القرار، بما أضفى عليه طابع «الإجماع الدولي»، رغم ما ينطوي عليه من مخاطر استراتيجية بعيدة المدى.

تلاعب بالسردية وإعادة تعريف الصراع

تكمن خطورة القرار، ومن خلفه خطة ترامب، في تلاعبه بسردية الحرب نفسها. فالكيان الصهيوني، الذي مارس إبادة جماعية وتدميرًا واسعًا للبنية التحتية وقتل عشرات الآلاف من المدنيين، يُقدَّم في نص القرار كطرف «يتعرض للتهديد»، بينما يُعاد تعريف المقاومة الفلسطينية بوصفها «إرهابًا». وبهذا الانقلاب المفاهيمي، يصبح الشعب الفلسطيني هو المتهم، والمطالب بتقديم التنازلات، ونزع السلاح، والخضوع لمسارات «إصلاح» تُحدَّد من الخارج.

المسار السياسي: وصاية بدل التحرر في المسار السياسي،

لا يتحدث القرار عن حل جذري للصراع، بل يطرح مسارًا غامضًا لتقرير المصير، مشروطًا بجملة من الإجراءات السياسية والأمنية والاقتصادية، تُقدَّر حصريًا من قبل الإمبريالية الأميركية والكيان الصهيوني. ويتعامل القرار مع قطاع غزة كوحدة منفصلة عن الضفة الغربية، ما يكرّس عمليًا فصل الجغرافيا الفلسطينية، ويُضعف أي تصور وطني شامل. وتبرز هنا فكرة «مجلس السلام» و”حكومة التكنوقراط”(اللجنة الوطنية لإدارة غزة )، باعتبارهما آليتين لإدارة غزة في مرحلة «انتقالية»، دون أي ضمانات حقيقية لعدم تحولهما إلى شكل دائم من الوصاية السياسية. فالتجربة الفلسطينية، ومعها تجارب شعوب أخرى، تؤكد أن الكيانات المؤقتة التي تُفرض تحت الاحتلال نادرًا ما تكون جسورًا للتحرر، بل غالبًا ما تتحول إلى أدوات لضبط المجتمع وإعادة إنتاج السيطرة.

المسار الأمني: إنجاز ما فشل فيه الاحتلال أمنيًا

ينص القرار على إنشاء «قوة استقرار دولية» مهمتها الأساسية «تحقيق بيئة أمنية مستقرة» في غزة، وهو تعبير ملتبس يخفي جوهر المهمة: نزع سلاح المقاومة، وتدمير بنيتها العسكرية، ومنع إعادة بنائها. وبذلك تُكلَّف القوة الدولية بإنجاز ما عجز الكيان الصهيوني عن تحقيقه بالقوة العسكرية المباشرة. ولا يحدد القرار طبيعة هذه القوة ولا الدول المشاركة فيها، ما يجعلها أقرب إلى تفويض مفتوح تقوده الإمبريالية الأميركية، تحت غطاء دولي فضفاض. كما أن ربط أي انسحاب كامل من غزة بمسألة «الأمن» و«منع التهديدات» يفتح الباب أمام بقاء الاحتلال بشكل مباشر أو غير مباشر، ويفرض طوقًا أمنيًا طويل الأمد على القطاع.

مواقف الفصائل ومآلات الخط

عبّرت الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس، عن رفضها للقرار، لما يحمله من تكريس للوصاية الدولية ومحاولة لتجاوز الإطار الوطني الفلسطيني. غير أن هذا الرفض جاء دون تصعيد مباشر، في ظل إدراك دقيق لتعقيدات المرحلة، ولخطورة تحميل المقاومة مسؤولية انهيار وقف إطلاق النار أو تعطيل المسار الإنساني. في المقابل، تراهن المقاومة على تعقيدات التطبيق العملي للخطة، سواء بسبب رفض المجتمع الفلسطيني لنزع السلاح، أو بسبب تردد دول عديدة في المشاركة بقوة عسكرية في منطقة لم تُحسم فيها المواجهة. فالتاريخ الفلسطيني يؤكد أن النصوص الدولية لا تُطبَّق دائمًا كما كُتبت، وأن موازين القوى على الأرض قادرة على فرض تعديلات أو إفشال مشاريع كاملة.

فلسطين قضية تحرّر لا ملف إدارة

إن ما يُطرح تحت عنوان «المرحلة الثانية» من خطة ترامب ليس سوى محاولة مكشوفة لإغلاق ملف فلسطين نهائيًا، عبر تفريغه من مضمونه التحرري وتحويله إلى مسألة أمنية–إنسانية تُدار من فوق، وبالنيابة عن الكيان الصهيوني. فالتدويل، وحكومة التكنوقراط، ومجالس السلام، وقوات الاستقرار، ليست حلولًا، بل أدوات لإدامة الهيمنة وكسر إرادة الشعب الفلسطيني، وتجريد نضاله من شرعيته التاريخية. من هذا المنظور، يرفض حزب العمال كل المسارات التي تتجاوز جوهر الصراع، وتساوي بين الجلاد والضحية، وتُبقي الاحتلال قائمًا بأشكال جديدة. فالقضية الفلسطينية ليست قضية «حوكمة» أو «إصلاحات» أو «أمن»، بل قضية تحرر وطني لشعب واقع تحت استعمار استيطاني. وأي حل لا يقوم على إنهاء الاحتلال كاملًا، وتفكيك منظومته العنصرية، وعودة اللاجئين، وضمان الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف، هو حل زائف مهما تسترت بالشرعية الدولية أو القرارات الأممية. إن الرهان الحقيقي لا يكون على مجالس السلام ولا على وصاية الإمبريالية الأميركية، بل على صمود الشعب الفلسطيني، ووحدة قواه المناضلة، وامتداد معركته داخل المنطقة وخارجها كجزء من نضال أممي ضد الإمبريالية والصهيونية. ففلسطين ستبقى بوصلة الصراع، ومعيار الموقف، وخط الفصل بين من يقف مع التحرر ومن يراهن على إدارة الهزيمة. وأمام محاولات تصفية القضية، يؤكد حزب العمال أن فلسطين لا تحتاج إلى وسطاء جدد، بل إلى كسر موازين القوى القائمة، وإعادة الاعتبار لخيار المقاومة بأشكالها المختلفة، بوصفها حقًا مشروعًا لشعب يقاتل من أجل وجوده ومستقبله. فالتاريخ علّمنا أن الحقوق لا تُمنح بقرارات دولية، بل تُنتزع بالنضال، وأن الشعوب التي ترفض الاستسلام قادرة، مهما طال الزمن، على إسقاط مشاريع الهيمنة وصناعة طريقها نحو الحرية.

إلى الأعلى
×