الرئيسية / عربي / “مجلس سلام غزّة”: سلام القبور وبزنس الإبادة
“مجلس سلام غزّة”: سلام القبور وبزنس الإبادة

“مجلس سلام غزّة”: سلام القبور وبزنس الإبادة

من غزّة إلى غرينلاند: خطط ترمب لتصفية الشّعوب وتغيير النّظام الدّولي؟

بقلم سمير جراي

لم يعد خافيا أننا نعيش في عصر “همجية الأقوى”، عصر تخلّت فيه الامبريالية الأمريكية عن قفازاتها المخادعة و”قناع الديمقراطية”، ورفعت هراوتها الغليظة فوق رؤوس الجميع، وبينما كان العالم يظنّ أنّ الامبريالية قد تعلّمت تهذيب مخالبها خلف أقنعة “حقوق الإنسان” و”الشرعية الدولية”، يأتي دونالد ترمب ليمزّق القناع عن وجه الرأسمالية المتوحشة في أقبح صورها.

ما يسمّى “مجلس سلام غزة” ليس سوى شركة مساهمة يؤسّسها ترمب، لتحويل قطاع غزة إلى “مختبر سيادي” لنموذج حكم عالمي جديد يقوم على القوة العسكرية والإلحاق القسري. كما لا يمكن فهم جنون ترمب في المطالبة بـجزيرة غرينلاند أو تهديد سيادة الدنمارك بمعزل عمّا يُخطّط لغزة. في القطاع المدمّر، يُراد “مجلس سلام” يشرعن الهيمنة “الصهيوأمريكية” تحت لافتة “السلام والإعمار”، وفي غرينلاند، يُراد الاستيلاء على الموارد والجليد تحت لافتة “الصفقة”.

إعلان ترمب في منتدى “دافوس” تدشين ما يسمّى “مجلس سلام غزة” ليس مجرّد مبادرة دبلوماسية فاشلة، بل هو إعلان رسمي عن قيام “استعمار عالمي” جديد، يسحق تحت أقدامه كلّ ما اتّفق عليه البشر من قوانين دولية منذ عام 1945.

لا يمكن وصف ما يجري إلاّ بـ”العقيدة الاستعمارية” وتحويل الشعوب (من غزة المحاصرة إلى غرينلاند الهادئة) إلى “بنود” في دفتر حسابات تاجر الحقيبة المتعجرف. فهذا الشعبوي المتكبّر لا يرى في غزة مأساة إنسانية أو حقوقا وطنية، بل قطعة أرض منزوعة السلاح جاهزة للاستثمار الأمني، تماما كما يرى في غرينلاند قطعة جليد استراتيجية شاسعة قابلة لاستنزاف ثرواتها.

غزّة: شرارة فجّرت وهم “النّظام الدّولي” وهوانه

إنّ تسمية هذا الكيان بـ”مجلس السلام” هي ذروة الأورويلية السياسية، حيث يُستخدم لفظ السلام لتمرير أبشع أنواع الاستعمار الاستيطاني. فهذا المجلس، بميثاقه الذي يخلو من كلمة “غزة”، هو في الحقيقة شركة إدارة الأصول الأمنية، لا يهدف إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقرار والعيش الكريم لأهالي غزة المحاصرين والمجوّعين، بل إلى تحويل القطاع إلى منطقة منزوعة السّلاح والإرادة، تدار بعقلية “المول التجاري” المحاط بدبابات العدوّ وقواعده العسكرية.

هنا يبرز الجوهر الامبريالي لترمب الذي لا يرى في هذه الأوطان شعوبا بل مجرد عقارات، وغزة بالنسبة إليه ليست كما نراها قضية تحرّر وطني، بل هي “عقار” يجب إفراغه من محتواه الإنساني المقاوم وإعادة تدويره كمنطقة استثمارية تحت الوصاية الأمريكية-الصهيونية.

غزة الجريحة المحاصرة، بصمودها الأسطوري وبما تعرّضت له من خذلان عالمي، هي النقطة التي انهار عندها وهم “المجتمع الدولي”. لقد فجّرت شهيّة القوى الكبرى للحكم بالقوة، وها نحن عشنا حتى نشاهد اليوم لحظة “انتقال بربري” في النظام الدولي، من قانون وهمي يطبّق فقط على الضعيف إلى “قانون الغابة الاستثماري” حيث يُقاد الرؤساء بالأغلال، وتُفتكّ الجزر وتُحاصر الشعوب بإرادة فردية استعمارية. إنّ هذا المجلس كبديل استعماري ما هو إلاّ محاولة من ترمب لخلق كيان موازٍ للأمم المتحدة في غزة وهو رصاصة الرحمة على المنظمة الدولية، لتحلّ محلّها “لجنة إدارة” تابعة للبنتاغون والشركات الامبريالية الكبرى.

صفعات دافوس أو عندما يرتدّ التّواطؤ على أصحابه

تتجلى وقاحة المنطق الامبريالي في المقارنة البسيطة بين ما يُراد لغزة وما يُراد لغرينلاند. في غزة، يفرض ترمب “مجلس سلام” كأمر واقع، وفي غرينلاند، يتحدث عن “اتفاق قيد التفاوض” لضم جزيرة تابعة لدولة ذات سيادة وكأنها قطعة أرض معروضة في مزاد علني.

إنها “عقيدة التوسع” التي لا تفرّق بين الضعيف المحاصر في مخيّمات النزوح، وبين الأوروبي المستمتع برفاهية مؤقتة على حساب الشعوب المسحوقة. ونقرأ هنا بوضوح رسالة الأمريكان إلى العالم فحواها: “إذا كنت تمتلك موردا نحتاجه، أو موقعا استراتيجيا نريده، فسيادتك ليست سوى وهم شخصي”، ويتمدّد النّهم الأمريكي من غزة إلى فنزويلا إلى غرينلاند وسيكون هناك غيرهم على الأجندة المفتوحة، ما يحوّل العالم إلى خريطة من الإقطاعيات التابعة للإمبراطورية الامبريالية.

في دافوس يتباكى القادة الأوروبيّون على “قانون الأقوى” و”انهيار السيادة”، لكنهم يتناسون أنهم هم من مهّدوا الطريق لهذا الانهيار. الأوروبيون الذين غضّوا الطرف عن حرب الإبادة في غزة وشاركوا فيها بكلّ وحشية، واكتفوا في أضعف الحالات ببيانات خجولة أمام العربدة الصهيونية، يتلقّون اليوم الصّفعات مباشرة من ترمب ويعجزون حتى عن رفع أيديهم لصدّها.

لم تُفتح “شهية الهيمنة” الأمريكية إلاّ بذلك الصمت الأوروبي على استباحة دماء الفلسطينيّين وإبادتهم، وهاهم الآن يدركون أنّ النظام الدولي القائم على القواعد قد مات سريريا بقرار أمريكي. واليوم، حين تأتيهم الصفعة الأمريكية تلو الصفعة، يكتشفون متأخّرين أنّ من يسمح بإبادة شعب مستضعف، لا يمكنه حماية “جليد” غرينلاند من بيلدوزر القاتل المتوحّش.

وفي ذلك المنتدى الامبريالي الجشع، وقف الأوروبيون كتلاميذ مذعورين أمام أستاذ متغطرس. ودون خجل وجّه ترمب صفعة أولى لماكرون والمستشار الألماني، كانت بلا تلطيف، إهانات متعمّدة تهدف إلى كسر الهيبة، عندما ذكّر الفرنسيّين والألمان بأنهم “لولا أمريكا لكانوا يتحدثون الألمانية أو اليابانية”، لم يكن ترمب يسرد تاريخا، بل يفرض “فاتورة حماية” باهظة الثمن. وفي صفعة ثانية أنسته الأولى، هدّد ترمب بفكاهة مهينة، ماكرون بتعريفات جمركية تصل إلى 200% لمجرد رفضه الانضمام لـ”نادي غزة”، وهنا يتجلّى لنا كيف يُستخدم الاقتصاد لانتهاك سيادة الدول وتفجيرها من الداخل، وهو ما اعترف به وزير الخزانة الأمريكي مؤخرا عندما أكّد أنّ العقوبات الأمريكية الصارمة على إيران هي السبب الرئيسي وراء انهيار الاقتصاد وانخفاض قيمة الريال ما أدّى إلى الاحتجاجات الشعبية.

لقد ارتكب الأوروبيون خطيئة تاريخية عندما تغاضوا عن حرب الإبادة في غزة، وظنوا أنّ دماء الفلسطينيّين رخيصة بما يكفي لشرائها بصمتهم. اليوم، يكتشف ماكرون وفون دير لاين أنّ “الوحش” الذي أطعموه أشلاء أطفال غزة قد جاع الآن، وهو يرى في سيادتهم وأسواقهم الوجبة التالية.

جغرافيّا النّهب المشترك وصراع القوّة ونعي النّظام الدّولي

إنّ المشاركة في إبادة جماعيّة في غزة واختطاف رئيس دولة مستقلة وتكبيله بالأغلال في نيويورك، والسّخرية من الدنماركيّين بتلك الطريقة المُشينة، كلّها مشاهد تذكّر بعصور القرصنة والاستعمار. لقد سقطت اتفاقية فيينا (1969) تحت غطرسة الإرادة الأمريكية المنفردة الراعية للمجازر الصهيونية في فلسطين.

يبقى الدّرس الذي قدّمته المقاومة الفلسطينية للعالم هو درس قسري في “الواقعية المتوحشة” فإن لم تكن قادرا على حماية نفسك، فالعالم لن يحميك بمواثيقه المهترئة. غزة لم تكن مجرّد حرب عابرة في التاريخ المعاصر، بل كانت “زلزالا” أسقط كل الأقنعة، وكشفت أنّ القوة العسكرية هي العملة الوحيدة المعترف بها في بورصة السياسة الدولية. هذه الحقيقة المرة فتحت شهية ترمب وكل القوى الإمبريالية لإعادة رسم الخرائط بالقوة.

أصبح أحرار العالم اليوم متيقّنين ومقتنعين بأنّ “مجلس سلام غزة” هو النموذج التجريبي لما سيُطبّقه ترمب في كلّ مكان، هيئة موازية للأمم المتحدة، خالية من الفيتو الروسي أو الصيني، تُدار بعقود تجارية وأوامر تنفيذية من البيت الأبيض. وهو بشكل أوضح انتداب أمريكي شامل يرتدي ثوب الإعمار والازدهار الاقتصادي الزائف.

المقاومة والصّمود ثمّ الصّمود أو الاندثار

لنا أن نقول تبعا لكل ذلك، إنّ نتيجة واحدة تبدو أمامنا وهي أننا أمام إمبراطورية لا تقبل الشراكة، بل تقبل فقط الإخضاع. فغزة التي خذلها العالم، هي اليوم المرآة التي يرى فيها الأوروبيون والكنديون وكل شعوب الأرض مستقبلهم المظلم إذا ما استمرّ نهج المهادنة والتزلّف.

حتما يجب الوقوف ضدّ “مجلس سلام غزة” ليس من باب التضامن مع قضية عادلة فقط، بل للدفاع عن آخر ما تبقّى من مفهوم “السيادة” في هذا العالم. فإمّا أن ينتفض العالم لرفض هذا الطغيان الامبريالي الأمريكي، أو أن يستعدّ الجميع ليكونوا مجرّد “مربعات أمنية” أو “قطع جليد” في مخططات ترمب المستقبلية.

إلى الأعلى
×