بقلم وليد المرداسي
بعد سقوط نظام الأسد واعتلاء “الشرع” دفَة الحكم، لم تكن الساحة السورية واضحة المعالم لتشكَل “سوريا الجديدة”، بل بالعكس، فقد اتَسم الوضع بعدَة تعقيدات منها الميدانية وذلك بوجود مليشيات متصارعة ومؤثَرة على أرض الواقع وأيضا بوجود حسابات إقليمية جيوسياسية متضاربة، وهذا ما شهدته سوريا في الأيَام الأخيرة عبر الصراع الذي اندلع بين قوات “الشرع” الحكومية وبين قوات “قسد”.
فما هي خلفية هذا الصراع؟ وهل هو فعلا صراع عرقي وحسب؟ أم يخفي صراعا طاحنا إقليميا بالوكالة؟
إنَ تشكَل “سوريا الجديدة ” بعد سقوط نظام الأسد قد تميَز أساسا بحكم المليشيات، فمنها التي كانت تحارب قوات النظام وبعضها الآخر كانت تحارب في صفوف تنظيم داعش، ومن أهم هذه المليشيات هي التي كان يتزعمها “الشرع”. فقبل ديسمبر 2024، كان هذا الأخير “أحمد الشرع” قائدا لجماعة متشدَدة ومسلَحة مصنَفة على قوائم الإرهاب عالميا، وفي غضون أقل من شهرين أصبح رئيسا للجمهورية العربية السورية، فهو الذي قاد تحالفا من فصائل مسلَحة بالشمال السوري ومن أبرزها “هيئة تحرير الشام”. وفي عام 2019 تشكَلت غرفة عمليات “الفتح المبين” التي ضمّت هيئة تحرير الشام وفصائل أخرى بهدف مشترك يتمثَل في توحيد الجهد العسكري ضدَ نظام الأسد وتنسيق العمليات العسكرية في الشمال السوري وإدارته. ومع دعم تركي كبير تزعَم “الشرع” هذا المشروع وفي سنة 2024 أصبح قائدا عاما لفرقة عمليات “الفتح المبين” وقائد للعملية العسكرية “ردع العدوان”. ومع تطوَر العمليات العسكرية والميدانية وسيطرة فصائل المعارضة على حلب، وخلال اليوم الثاني عشر 12 من تلك المعركة أعلنت المعارضة السورية سيطرتها على العاصمة دمشق، لينطلق “الشرع” في اتخاذ خطوات تنظيمية و”إصلاحية” في سوريا شملت خاصة حلَ الفصائل المسلَحة المختلفة وتشكيل جيش موحَد والعمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة. ولكن من جهة مقابلة توجد أبرز وأهم المليشيات التي تسيطر على قرابة ثلث مساحة سوريا وهي قوات “قسد” قوات سوريا الديمقراطية وهي مليشيا تشكَلت عام 2015 وبدعم أمريكي لمحاربة تنظيم “داعش” وتتألف أساسا من وحدات حماية الشعب التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي وتشكَل الوحدات الكردية عموما عمودها الفقري، وتسيطر “قسد” على مناطق واسعة شمال وشرق سوريا في الحسكة والرقة ودير الزور وريف حلب، كما أنَها تتعرَض لهجمات متكرَرة من القوات التركية والفصائل السورية التابعة لها. وتجدر الإشارة بأنَ “قسد” لم تشارك في المعارك التي أدّت إلى إسقاط نظام الأسد، فأولويتها تمحورت أساسا للحفاظ على مناطق سيطرتها ومنع تقدَم فصائل المعارضة الأخرى باتَجاه مواقعها.
وفي 10 مارس 2025 اجتمع “الشرع” مع قائد قوات سوريا الديمقراطية ” قسد” مظلوم عبدي، وقد أعلنت الرئاسة السورية بعد الاجتماع عن توقيع اتَفاق ينصَ على احترام حقوق المكوَن الكردي ضمن إطار المساواة الكاملة بين جميع مكوَنات الشعب السوري ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي البلاد ضمن إدارة الدولة، إضافة إلى إعادة فتح المعابر والمطار وحقول النفط والغاز والتأكيد على وحدة الأراضي السورية وانسحاب “قسد” من مدينة حلب إلى شرق الفرات.
إذن، فلماذا انهار هذا الاتفاق سريعا وعادت أجواء الحرب الأهلية من جديد؟
بعد انتهاء المهلة المحدَدة لتنفيذ ذلك الاتفاق بين حكومة ” الشرع ” وقوات “قسد”، دخل الاتفاق أخطر مراحله بانتقال الخلاف من إطاره السياسي التفاوضي إلى مواجهة عسكرية مباشرة تمثَلت في اندلاع اشتباكات عنيفة جدا بين الطرفين في حيَ الشيخ مقصود بمدينة حلب في 6 جانفي 2026 ما أعاد طرح تساؤلات جوهرية من جديد حول قابلية تنفيذ ذلك الاتفاق أو استمراره رغم تكاثف الضغوطات الإقليمية والدولية من أجل الالتزام به ممَا يعكس عمق الخلافات البنيوية بين طرفي النزاع، حيث تقول “فوزة يوسف” الرئيسة المشتركة للجنة التفاوض مع دمشق عن مناطق شمال شرق سوريا: “إنَ الخلاف الجوهري بين طرفي التفاوض يكمن في نظام الحكم اللامركزي في سوريا الذي تطالب به الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا والذي يتمَ رفضه بإستمرار من قبل حكومة دمشق”.
وكما تجدر الإشارة فقبل هذه الأحداث شهدت سوريا أيضا أحداث عنف طائفية واسعة النطاق ضدَ كلَ من العلويين في اللاذقية ثمَ بحق الدروز في السويداء. ومن جهة أخرى، أعلنت حكومة الشرع عن تمسَكها بمبدأ سوريا واحدة وجيش واحد وحكومة واحدة ورفضت رفضا قطعيا وبأي شكل من الأشكال التقسيم أو الفيدرالية مرحَبة بإنضمام المقاتلين السوريين من “قسد” إلى صفوفها.
ونلاحظ بأنَ الحكومة السورية الانتقالية و”قسد” مستمران في تبادل الاتهامات بالتباطىء والتلكأ في تنفيذ بنود الاتفاق وعرقلته خاصة في تطبيق المادة التي تنصَ على ضمان حقوق الشعب الكردي في “الدستور”. ومن جهة أخرى رفضت “قسد” إدماج قواتها متفرقة داخل الجيش النظامي فهي تريد الحفاظ على بنيتها العسكرية والعرقية.
ولكن هل هناك خفايا أخرى لهذا الصراع الذي هو في ظاهره خلاف بنيوي عرقي أم أنَه صراع لمصالح قوى إقليمية؟
فمن جانب ” قسد” يتهم مسؤولون لديهم في الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا ومن ضمنهم ” فوزة يوسف” تركيا بلعب دور سلبي للغاية في تأجيج الخلاف بين الأطراف السورية وممارسة ضغوط على دمشق كما لو كانت الأخيرة إحدى ولايات تركيا. فمن الواضح بأنَ تركيا تلعب دورا محوريا في سياسة “الشرع” في تشكيل ملامح “سوريا الجديدة” وخاصة في التعامل مع مطلب اللامركزية من جانب “قسد” خاصة وأنَ أنقرة لا تزال حذرة بسبب العلاقات التي تربط حزب الاتحاد الديمقراطي السوري وحزب العمال الكردستاني في تركيا، فهناك فجوة واضحة بين ما يعلنه الطرفان من أهداف مشتركة وما يختلفان عليه في تفاصيل التنفيذ وشكل الدولة ومستقبل المؤسسة العسكرية. فعلى المستوى الميداني فقد لاحظنا تحوَلات مهمَة حيث أنَ المناطق التي تسيطر عليها “قسد” سقطت بنحو متسارع بيد الجيش السوري مدعوما بالعشائر التي أعلنت فض الشراكة مع “قسد” في مناطق نفوذها مع انسحاب “قسد” وتسليمها مساحات شاسعة من المواقع والأراضي للجيش السوري مع تمركزها فقط في المناطق الكردية في الحسكة والقامشلي.
وكلَ هذا يؤكَد على وجود تغيَرات في موازين القوى ميدانيا مرتبطة بالقوى الإقليمية وذلك عبر ما نلاحظه من تعاظم التدخل التركي ومن جهة أخرى تراجع حسابات الدور الأمريكي ليكون ظهوره بدور الوسيط أو من أجل المحافظة على الأقليات. وقد تزامن هذا مع إعلان هدنة مؤقتة مؤخرا لمدة 4 أيام بين حكومة “الشرع” و”قسد” عقب التوصَل إلى تفاهمات أولية بشأن الحسكة. وفي نفس السياق ونقلا عن مصادر ديبلوماسية مطلعة فإنَ المبعوث الأمريكي الى سوريا “توم باراك” وجه انتقادات حادة لقائد “قسد” مظلوم عبدي خلال اجتماع مغلق في أربيل متهما إياه بمحاولة جرَ “إسرائيل” إلى الشأن السوري وتأخير تنفيذ إتفاق اندماج “قسد” مع الجيش السوري الموقع في شهر مارس 2025.
صوت الشعب صوت الحقيقة
