الرئيسية / صوت العالم / دواعي تأجيل الحرب الأمريكية على إيران
دواعي تأجيل الحرب الأمريكية على إيران

دواعي تأجيل الحرب الأمريكية على إيران

بقلم منذر خلفاوي

كان العالم ينتظر هجوما أمريكيا على إيران إثر الاحتجاجات الشعبية أواخر ديسمبر 2025 بسبب غلاء المعيشة والبطالة وغياب الحريات …الخ (بالنظر للأزمة الاقتصادية والاجتماعية الحادة وتأثير الحصار والعقوبات الاقتصادية التي شهدتها إيران منذ سنوات). هذه الانتفاضة الجماهيرية هي الأوسع والأعنف منذ سنوات ذهب ضحيتها آلاف القتلى من بين المتظاهرين الأبرياء (الحصيلة الرسمية المعلن عنها من الحكومة الإيرانية 3117 قتيل من المتظاهرين ومن الشرطة ومن الجواسيس المندسين) وشملت مئات الموقوفين الذين تتم محاكمتهم هذه الأيام. لقد سارع ترامب إلى إعلان “وقوف بلاده مع الشعب الإيراني” و”استعداده للتدخل لمساندته والدفاع عنه وعن حريته”…الخ والتهديد بالتدخل لإسقاط النظام كما سارع بتحريك حاملة الطائرات “أبراهام لنكولن” البحرية ومعداته العسكرية في اتجاه الشرق الأوسط واستقبل رئيس جهاز الموساد الاسرائيلي في البيت الأبيض للتباحث والتنسيق حول موضوع الحرب ليتقرر في النهاية تأجيل الخيار العسكري ومراقبة تطور الأوضاع الأمنية. لقد تظافرت عدة عوامل أدت إلى تأجيل المواجهة وأثرت في مجرى الأحداث منها المحلية والإقليمية والعالمية.

العوامل الخاصة بالوضع السياسي الإيراني

إن سيطرة النظام الإيراني الثيوقراطي الرجعي على الأوضاع الداخلية وتراجع الحركة وعودة الهدوء – بعد تمكنه من قطع الانترنت بإغلاق عشرات الآلاف من محطات “ستار لينك” التي تبث عبر الأقمار الصناعية والتي لعبت دورا هامّا في تسهيل تواصل مجموعات المحتجين وتوسيع نطاق الاحتجاجات وفي ترويج وإعداد الشعارات أثناء المسيرات والمواجهات الخ (هذا الإجراء الذي يعتبر اختراقا سيبرانيا وتكنولوجيا غير مسبوق لأجهزة المخابرات الإيرانية) – هذا الواقع الجديد أجّل التدخل الأمريكي.

كما أن الإعلان عن التراجع عن تطبيق حكم الإعدام في حق 800 موقوف تعتبر خطوة من المرشد الإيراني لنزع فتيل التوتر وتنازلا أمام الضغوط الأمريكية والغربية من شأنها أن تسحب البساط من تحت أقدام ترامب والكيان الصهيوني وتعسر عليهما الوصول إلى الهدف المأمول عبر دعم الحراك مباشرة والوصول إلى أسقاط النظام وتجزئة البلاد بالرغم من تقدم الاستعدادات العسكرية المتمثلة في نقل حاملة الطائرات من بحر الصين إلى الخليج وتزويد الكيان الصهيوني والقواعد العسكرية بالخليج بأنظمة دفاع متطورة الخ.

لكن مع تمكن نظام الملالي من إخماد الانتفاضة بالحديد والنار وفشل شبكة التآمر الامبريالية والصهيونية في التغيير من الداخل واستثمار الأحداث، خيّر ترامب التريث مع تأكيده أن الملف الإيراني لم يغلق بل صرح في رد على تهديدات خامنئي بأنه أعطى أوامره بمسح إيران من على وجه الأرض إن أقدمت على أي هجوم ضد المصالح الأمريكية واستغل الظروف للمسارعة بقبول مقترح إيران للجلوس على طاولة المفاوضات بخصوص الملف النووي وأوفد فريق من الإدارة الأمريكية إلى طهران لهذا الغرض. من ناحية أخرى استفاد النظام الإيراني من دروس حرب الـ12 يوما لشهر جوان الفارط حين وقع الغدر به ومفاجأته بهجوم قبل يوم من اللقاء التفاوضي المفترض كما استفاد من عملية اختطاف رئيس فنزويلا والاستعداد لكل الاحتمالات لوجستيا ودفاعيا الخ.

العوامل الإقليمية

تؤكد تصريحات نظام الحكم الإيراني الاستعداد لرد الهجوم بكل الوسائل عبر تحصين الأجواء الإيرانية بما تلقته من دعم روسي وصيني بأنظمة دفاع متطورة وسلاح جو “س-400” وعبر ما طوّرته من صواريخ فرط صوتية تمكنها من عكس الهجومات ضد القوى المتواطئة مع أمريكا إذ أكد الكيان الصهيوني عدم استعداده الكافي وعدم قدرة القبة الحديدية على تجنب ضربات سلاح الجو الإيراني وما يمكن أن تكبده إياه من خسائر مثلما حصل في حرب الـ 12 يوما. إلى جانب ذلك عبرت الأنظمة العربية عن تخوفها من تحول الحرب إلى حرب شاملة تستهدف بلدانها التي تأوي القواعد العسكرية (العراق والكويت وسوريا والبحرين وقطر والامارات).

الوضع العالمي

تشهد الساحة العالمية تطورات متسارعة بعد مجيء ترامب فتعددت تصريحاته العدوانية وتأكيده نيته في تغيير أنظمة الحكم في أمريكا اللاتينية بتعلات كاذبة والمرور إلى تفعيل نواياه التوسعية وأقدم على اختطاف الرئيس “مادورو” من بلاده وعزمه على ضم غرينلاند مما خلق أزمة مع حلفائه في حلف الناتو وتهديد كندا بإلحاقها بأمريكا إلى جانب الحرب التجارية والترفيع في التعريفات الجمركية ضد الأنظمة الغير المطيعة والمنافسة والدعم المتواصل للعصابة الصهيونية من أجل نزع سلاح المقاومة في فلسطين ولبنان الخ. وهو يسعى إلى إقامة حلف موازي لمنظمة الأمم المتحدة عبر مشروع مجلس السلام يتزعمه ترامب. كل هذه الخطط تتطلب منه التركيز على هذه الأولويات في الوقت الحاضر دون أن يعني ذلك التخلي عن مشروع إسقاط نظام خامنئي.

الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية

أتى ترامب الى البيت الأبيض لتجسيد شعار “أمريكا أولا” ولم يكف عن التصريح أنه أنهى ثماني حروب (لا نعلم الى حد اليوم ما هي) وأنه يعمل من أجل السلام لكنه بعد إقدامه على التدخل في فنزويلا دون موافقة الكونغرس ولا مجلس الأمن ودعمه المتواصل لحرب الإبادة في غزة وطرد المهاجرين بشكل عنصري ووحشي في الولايات المتحدة الأمريكية، أثار الاحتجاجات الجماهيرية وكذلك في أوساط النواب بالكونغرس كما تُظهر استطلاعات الرأي تراجع شعبيته (60% غير راضين عن أدائه وسياساته) كل ذلك يجعله يتجنب مغامرة كبرى ضد إيران يمكن أن تؤدي إلى خسائر بشرية ومالية ستزيد في خسارة حزبه علما وأن انتخابات التجديد النصفي القادمة في شهر نوفمبر المقبل لانتخاب أعضاء مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ تمثل موعدا ضاغطا حيث أن خسارة الأغلبية تعني فقدان القدرة على تمرير القوانين والتعرض للتحقيقات لذلك يتجنب ترامب المغامرة والدخول في حرب مكلفة ضد إيران حاليا.

الملف الإيراني محل نزاع متواصل

بالنظر للموقع الاستراتيجي لإيران وامتلاكها مخزون نفط هائل وتحولها إلى قوة إقليمية وسعيها إلى امتلاك السلاح النووي والقدرات العسكرية المتطورة فهي تمثل خطرا على الكيان الصهيوني ممثل المصالح الامبريالية الأمريكية الذي لن يتمكن من فرض هيمنته على المنطقة كليا وتحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى” في ظل وجود قوة الردع الوحيدة في المنطقة، كما أن الدعم الإيراني لمحور المقاومة بالخبرات والأسلحة طيلة السنوات الفارطة يتعارض مع مصالح الرجعيات العربية الموالية لأمريكا التي تتمنى تحجيمها إن لم تقدر على تغيير نظامها.

إلى الأعلى
×