تواترت في المدّة الأخيرة الزيارات “الفجئيّة” التي يقوم بها قيس سعيّد. وقد شملت عديد الجهات خاصة بمناسبة الفيضانات الأخيرة التي عرّت مرة أخرى حقيقة البنية الأساسيّة والأوضاع المزرية للشعب التونسيّ في المدن والأرياف. لقد جرفت السيول كلّ ما وجدته في طريقها وألحقت أضرار فادحة بالبشر والحجر والشجر. وقد خيّر “الحاكم بأمره”، الذي لا شريك له في إدارة شؤون البلاد، أسلوب الزيارات “الفجئيّة” لـلتعاطي مع هذه الأوضاع. وهذا الأسلوب الذي يمثّل سمة من سمات الحكم الفردي، لا تعدو أن تكون تكريسا لمغالطة شعبويّة بائسة مفادها أن “الرئيس قريب من الشعب” وأنّه “يتألّم لآلامه”، بينما الحقيقة التي تنقلها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي هو أن هذا الرئيس لا يسمع ولا ينصت ولا يصغي، بل هو المتكلم والناطق والمتحدث الوحيد. فحتى عن “الميلوسي” الذي غطى مساكن الفقراء القاطنين في مصبّات الوديان هو يعلمها ويعرفها وعانى منها أكثر ممّا عانونا هم دون أن يقدّم أيّ حلّ جدّي لمشاكلهم. لقد ظلّ قيس في زياراته الأخيرة التي امتدّت من العاصمة، إلى الوطن القبلي وصولا إلى المنستير يردّد نفس الأسطوانة المشروخة وهي تحميل المسؤولية إلى جسم هلامي اسمه “الفساد”. وهو “هلامي” لأنّ المتحدث عنه هو رأس الدولة الذي يتكلّم عن الظاهرة منذ أكثر من ست سنوات دون أيّ خطوة لتقويضها عدا بعض الإيقافات الانتقائية المرتبطة بتصفية حسابات بين لوبيات الفساد القديم والجديد وهو ما يدلّ على أنّ هذا الأسلوب لا هدف منه سوى محاولة تغطية العجز والفشل.
فرأس الدولة يخرج في زيارات فجائية لا تسبقها ولا تتلوها إجراءات ولو محدودة أو جزئية، زيارات فلكلورية مشهدية استعراضية لا هدف منها سوى تسويق صورة عفا عنها الزمن هي صورة المتعاطف مع آلام الشعب، في حين أنّ هذا الشعب يريد إجراءات ملموسة تعالج أوضاعه، يريد أفعالا في أرض الواقع تلامس همومه وانشغالاته ومطالبه. إن الزيارات الميدانية لمسؤولي الدولة لا تكون لأخذ الصور وتدبيج الخطب والضحك على الذقون وإنّما لتدبير الحلول ولا شيء غير ذلك وهو الأمر الغائب كليا في زيارات قيس سعيّد التي تحمل في طياتها معنيين سلبيّين، أوّلهما غياب المؤسسات التي تتابع المشاكل المستجدّة وتعالجها كلّ حسب اختصاصها، وثانيهما غياب الحلول، فعلى مدى ستّ سنوات كاملة، منها أربع سنوات ونصف من الحكم الفردي المطلق، عجز قيس سعيّد عن الإتيان بأيّ حلّ لأيّ مشكلة من مشكلات البلاد التي ظلّت تسير بخطى حثيثة نحو الانهيار. وقد عبّرنا في حزب العمال في وجه بن علي أنّ الزيارات “الفجئيّة” لن تحل مشاكل الشعب. كان ذلك في تسعينات القرن المنصرم حين اعتمد الطاغية هذا الأسلوب لمغالطة الشعب المفقّر والمقهور، ونعيدها اليوم في وجه سعيد الذي لا يجد في جرابه إلا التجوّل في الشوارع لالتقاط الصور وتقبيل الصغار والكبار واحتكار الكلمة للتذمر والتعبير عن الاستياء كما لو كان أحد قادة المعارضة، وهو أسلوب كما قلنا لا هدف من ورائه سوى التغطية على حجم العجز والفشل الذي بدأت فئات متنامية تعيه وتتفطن إليه.
إن النظام الشعبوي اليميني لا حلّ لديه لمشاكل الشعب والبلاد سوى المغالطة والديماغوجيا لأن خياراته الاقتصادية والاجتماعية هي خيارات طبقية لا وطنية ولا شعبية. لكن حبل الكذب قصير وقد بدأت مؤشرات الانتباه إليه تتراكم هنا وهناك، فكما انفجرت في وجه بن علي وزياراته “الفجئيّة” فإنّها ستنفجر لا محالة في وجه سعيد، فكلاهما واحد في اضطهاد الشعب وقهره.
صوت الشعب صوت الحقيقة
