بقلم الجيلاني الهمامي
انعقدت الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل الخميس الماضي 22 جانفي 2026 كما كان منتظرا بعد أن جرت اتصالات مكثفة بأعضائها لضمان حضورهم بعد أن راجت أنباء عن نية الدعوة إلى مقاطعتها.
انعقدت الهيئة الإدارية بحضور كل أعضائها باستثناء عضو المكتب التنفيذي محسن اليوسفي الذي خيّر التغيب – على ما يبدو – احتجاجا على الأوضاع. وكما كان متوقعا أيضا أفرزت مداولاتها التي لم تستغرق وقتا طويلا أغلبية مريحة مع قرار “تثبيت تاريخ المؤتمر الوطني أيام 25 و26 و27 مارس القادم” في تونس. والحقيقة أنه بحسب الكثير من المعطيات تم “صنع” هذه الأغلبية قبل أن يلتئم اجتماع الهيئة الإدارية. وكانت الأنباء المتداولة في هذا الصدد تؤكد كلها حصول ما لا يقل عن خمسين صوتا مع القرار فيما كان ينتظر أن يصوت حوالي نصفهم (أي الـ25 المتبقين) ضد هذا القرار وهو ما لم يحصل. فقد خيّروا “تكتيك الانسحاب” وعدم المشاركة في عملية التصويت.
لقد انسحب مجموعة “التسعة” وأنصارهم. وبدأت عملية الانسحاب بشكل فردي منذ منتصف النهار وتتالت تباعا حتى ساعة حوصلة الموقف، الأمر الذي جعل المتابعين يتساءلون عن مغزى هذا “التكتيك” إذا كان الأمر يتعلق فعلا بتكتيك مدروس. فذهب البعض إلى تفسير ذلك بأنّ شق “التسعة” خسر “طرح تاريخ المؤتمر” وفقد قادته التحكم في مواقف مناصريهم، وانهار هذا الشق في أهمّ منعرج من النزاع مع الشق المقابل، فيما اعتبر البعض الآخر أنّ المبادرة بالانسحاب في وقت مبكر من سير أشغال الهيئة الإدارية ينمّ عن ذكاء أصحابها إذ كان – حسب أصحاب هذا التفسير – يراد من الانسحاب التأثير في بقية أعضاء الهيئة الإدارية المتردّدين وجرّهم إلى الانسحاب بغاية خلق فراغ من حول الأمين العام و”شق الأربعة” ومنع توفر النصاب عند القيام بعملية التصويت على البيان الختامي للاجتماع. وهو ما جعل – حسب أصحاب هذا التأويل – أعضاء المكتب التنفيذي التسعة يواصلون حضور الاجتماع حتى ساعة الإعلان عن خلاصة الموقف.
وبصرف النظر عن وجاهة كل هذه التأويلات فإنّ عدم مشاركة الرافضين لمؤتمر مارس في التصويت على القرار والانسحاب فرادى وجماعة يعطينا صورة عن موازين القوى الجديدة داخل الهيئة الإدارية. ومهما كانت هذه الموازين راجحة لفائدة “الأربعة” وكل أنصار فكرة تقديم المؤتمر لشهر مارس فقد كان من المنتظر أن نشهد ردة فعل “التسعة” سواء في شكل بيان أو ندوة صحفية أو اجتماع بأنصارهم ولكن شيئا من هذا لم يحدث وهو مدعاة للكثير من التأويلات لعل أوّل
ما يتبادر إلى الأذهان هو أنّ “شق التسعة” يسير رويدا رويدا نحو التلاشي وأنّ حالة الانقسام التي عرفتها قيادة الاتحاد ستنتهي قريبا وربما في أفق المؤتمر القادم. وقد يكون انتقال أحدهم، المكلف بالنظام الداخلي من ضفة التسعة إلى الضفة الأخرى وعودته إلى التنسيق بقوة مع الأمين العام مؤشر على ذلك. وتجري “كلامات” على انطلاق قنوات اتصال مع البعض الآخر بحيث يرجّح البعض أن يتقلص “شق التسعة” إلى ما لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة.
سادت حالة من الترقب بعد الهيئة الإدارية وحل الهدوء محل التوترات السابقة وبدأت الاهتمامات تنتقل لتنصبّ مجدّدا على العلاقة مع السلطة خصوصا
بعد انتشار خبر إيقاف العمل بالخصم المباشر لفائدة الاتحاد ابتداء من شهر فيفري القادم. وهنا ينبغي القول إنّ المنظمة النقابية، وبصرف النظر عن كلّ الأسباب والحسابات، فوّتت على نفسها فرصة العودة بقوة على الساحة الوطنية يوم تمّ إلغاء قرار الإضراب العام وترحيله ليكون واحدا من مقررات مؤتمر مارس القادم.
لقد تم التلاعب بقرار الإضراب العام واستعمل من هذا الجانب ومن ذاك أداة في المناوشات بين شقي البيروقراطية في الوقت الذي كانت السلطة قطعت أشواطا عملاقة في “إهانة” الاتحاد والدوس على أبسط مكتسبات ما يسمّى بالسياسة التعاقدية وخاصة المفاوضات الاجتماعية والحق النقابي. وبطبيعة الحال ستجد السلطة في قرار إلغائه إشارة أخرى لتزيد في صلفها ولتمرّ إلى السرعة الأعلى في نسف المكاسب والتغوّل قبل المؤتمر عسى أن تبطل كل مفاعيل هذا المؤتمر وتجبره على أن يكون مجرد “لمّة” نقابية لا قيمة لها ولا أثر لها في الحياة العامة.
نعم ولكن…
لا شك في أنّ الدعوة إلى مؤتمر وطني في شهر مارس ينطوي على بعض الإيجابيات. لأنه كلما تأخر موعد المؤتمر واستمرت حالة الانقسام صلب المكتب التنفيذي – الذي بات من المستحيل أن يسترجع وحدته – إلا وتعمقت الأزمة أكثر وصارت إمكانية إنقاذ الاتحاد من التلاشي أصعب. فتقريب أجل المؤتمر فيه فرصة – حتى وإن كانت محفوفة بمخاطر غير قليلة – لتطويق الأزمة ووضع الاتحاد في ظروف عمل أفضل نسبيا. المؤتمر هو الفرصة الأنسب لبلورة تصورات نقابية جديدة من شأنها أن تعيد لأرضية ثلاثي الاستقلالية والديمقراطية والنضالية مكانتها. والمؤتمر هو الآلية الوحيدة، نعم الوحيدة، لإفراز قيادة جديدة على درجة من الوحدة والانسجام بما يسمح للمنظمة بالعودة إلى العمل في ظروف تنظيمية وعملية أفضل نسبيا مما كانت عليه طيلة المدة الأخيرة والسنوات الثلاث الماضية على وجه أخص.
بهذا المعنى ينطوي قرار الهيئة الإدارية على بعض الإيجابيات ويجعل كل النقابيين وأنصار الاتحاد وعموم الشغالين يأملون في أن يستعيد العمل النقابي تدريجيا دوره لا فقط في الدفاع عن مطالب الشغالين وحقوقهم في وجه الهجمة الليبرالية الشرسة وإنما أيضا في إعادة الاتحاد إلى موقعه في المشهد السياسي والاجتماعي، في علاقة بالحركة الديمقراطية من جهة والسلطة الحاكمة من جهة أخرى.
بطبيعة الحال هذا ما نأمله جميعا. ولكن معطيات كثيرة تؤشر على أنّ السياق يمكن أن يتجه وجهة أخرى. والأكيد أنّ الكثير الكثير ممّن خاضوا صراعات المدة الفائتة، من “شق التسعة” ومن “شق الأربعة” على حدّ السواء، لم يخوضوها من منطلقات نقابية مبدئية ونزيهة وبغاية خروج الاتحاد من مؤتمر مارس أقوى، اتحادا مستقلا حقا ومناضلا فعليا وديمقراطيا شفافا.
إنّ الغالبية العظمى من الذين خاضوا صراعات الفترة السابقة هم خريجو المدرسة البيروقراطية بل ويمثل بعضهم النسخة الأسوأ والأشدّ رداءة وفسادا من الخط البيروقراطي الذي سيطر على الاتحاد طوال أكثر من ثلاث عشريات. الكثير من هؤلاء صارع من أجل أن يستمر في القيادة النقابية ليس حبا في النضال أو في الاتحاد إنما حبا في المنافع والمكاسب. والبعض الآخر انخرط في تلك الصراعات أملا في إزاحة القيادة السابقة وطمعا في الصعود محلها بمجرد حصول الشغور. نقول هذا ليس من باب الاتهام أو التجني وإنما تذكيرا بحقيقة لا يرقى لها الشك وليس بمقدور أي كان نكرانها. وسيكون بمقدور عموم النقابيين ونواب المؤتمر بوجه خاص أن يميزوا من ضمن عشرات أو ربما المئات من المترشحين للمكتب التنفيذي القادم بين الطامعين في موقع قيادي ومنافعه وبين النقابيين الذين يحملون برنامجا ومشروعا لتصحيح أوضاع المنظمة الشغيلة والحركة النقابية التونسية.
إنه استحقاق المرحلة ومفتاح المستقبل بالنسبة إلى الحركة النقابية التونسية التي مرت باختبار عسير. فهل سيكون نقابيي هذا الجيل الماسك بزمام الأمور في مستوى المهمة؟ هذا ما سيجيب عنه مؤتمر مارس القادم. ولكننا سنتعرف من خلال الاستعدادات التي ستشهدها الأسابيع القليلة التي تفصلنا عن تاريخ انعقاده على حظوظ نجاحه في ذلك.
إنّ نتائج المؤتمر القادم مرهونة بطبيعة الاستعدادات التي ستسبقه والتي ما لم تقطع مع الأساليب القديمة فإنها ستعيد حتما إعادة إنتاج أزمة جديدة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
