الرئيسية / عربي / اغتيال سيف الإسلام القذافي، قراءة في سيناريوهات “التصفية الغامضة” والمصالح السياسية
اغتيال سيف الإسلام القذافي، قراءة في سيناريوهات “التصفية الغامضة” والمصالح السياسية

اغتيال سيف الإسلام القذافي، قراءة في سيناريوهات “التصفية الغامضة” والمصالح السياسية

بقلم سمير جراي

في الوقت الذي نكتب فيه هذا المقال، يشيّع عشرات الآلاف من أنصار “نظام القذافي” سيف الإسلام القذافي إلى مثواه الأخير في مقبرة بمدينة بني وليد، حيث سيدفن بالقرب من قبر أخيه خميس القذافي الذي قتل في أحداث الثورة، وكان من المقرر أن يدفن في مدينة سرت، إلا أن قوات خليفة حفتر التي تسيطر على المدينة اشترطت شروطا اعتبرها أنصار “سيف” مجحفة ومهينة ورفضوها، وقال المجلس الاجتماعي لقبيلة القذاذفة إن قيادة العامة (حفتر) وافقت على دفنه، بشروط من بينها اقتصار الدفن على القبيلة فقط، واقتصار العزاء على ثلاثة أيام فقط، وعدم استقبال الوفود المعزية ولا إظهار المراسم، ولهذا قررت عائلة القذافي بالتوافق دفنه في بني وليد عند قبيلة “ورفلة”، وتُعدّ المدينة معقل القبيلة القوية التي لا تزال تُحيي ذكرى معمّر القذافي منذ سقوطه وقتله سنة 2011.

إن أبرز ما لفت الانتباه في جنازة سيف الإسلام هو وضع صور خليفة حفتر مداسا للسيارات والأرجل، وبعد رفض دفنه في سرت، ومن خلال الإشارات والهتافات التي سُمعت في التشييع، يتّضح غضب “الخضر” الشديد من خليفة حفتر وتوجيههم لاتهامات مباشرة له بالوقوف وراء تصفية “زعيمهم”.

لقد فتحت حادثة اغتيال سيف الإسلام القذافي فصلا جديدا ودمويا في سجل الصراع السياسي الليبي. ويبقى السؤال الجوهري: من المستفيد من غياب المنافس الذي يوصف بـ”الرقم الصعب” في معادلة الانتخابات الاستقرار والمصالحة في ليبيا؟

لقراءة المشهد المعقّد سنحاول تفكيك ثلاثة سيناريوهات رئيسية، والمقارنة بين واقع المصالح السياسية، وموازين القوى والمعطيات التي توفّرت، جديدها وقديمها وما حدث فعلا على أرض الواقع.

السيناريو الأول.. فرضية “اتفاق الضرورة” وتوازنات طرابلس

يطرح البعض تساؤلات حول دور حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وأساسا رئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة، خاصة في ظل ما يُشاع عن تفاهمات باريس الأخيرة بين إبراهيم الدبيبة (شقيق الدبيبة ومستشاره للأمن القومي) وصدام حفتر (ابن خليفة حفتر ونائبه). وقد اجتمع الرجلان في باريس منذ أيام برعاية كبير مستشاري ترمب مسعد بولس لمحاولة تقريب وجهات النظر لتوحيد الحكومتين والمضي قدما في الحوار السياسي وإجراء الانتخابات، لكن بحسب معلوماتنا فإن هذا اللقاء لم يسفر لا عن اتفاق أو توافق، رغم وصف بولس له بالإيجابي.

ومهما كان قد حدث في هذا الاجتماع، فإن التدقيق في علاقة الدبيبة بسيف الإسلام يكشف عن تعارض واضح مع هذا السيناريو، فالدبيبة الذي نجح في إطلاق سراح الساعدي القذافي (ابن القذافي الذي أطلق سراحه من طرابلس وغادر إلى تركيا) كان يرى في تيار سيف الإسلام حليفا اجتماعيا وسياسيا لا خصما وجوديا، وقد أطلقت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الدبيبة سنة 2021 سراح الساعدي وعدد من قيادات نظام القذافي، وأكد ابن عم معمر القذافي احميد القذافي حينها أن قرار الإفراج عن الساعدي وعدد من القيادات كان مفاجئا وخطوة شجاعة من المسؤولين. معتبرا خروج الساعدي قد وضع حجر الأساس للمصالحة الوطنية بين الليبيين، وهي خطوة مهمة من قبل الحكومة في طريق المصالحة وبناء السلم الأهلي، كما نجح الدبيبة منذ فترة قصيرة في الإفراج عن هانيبال القذافي ابن القذافي الأصغر المحتجز في لبنان منذ عشر سنوات، وهي كذلك لاقت الخطوة استحسان عائلته وأنصار نظام القذافي. هذا الطرح تعززه شهادة اللبنانية ليلى حمود، المقربة من عائلة القذافي، (صديقة عائشة القذافي ابنة معمر القذافي، وصديقة مقربة من سيف ومن العائلة عموما) والتي أكدت وجود قنوات اتصال دورية وإيجابية بين سيف الإسلام والدبيبة حتى اللحظات الأخيرة.
أما من المنظور السياسي، يمثل أنصار النظام السابق خزانا انتخابيا لا يصطدم مع توجهات الدبيبة السياسية، مما يجعل فرضية تصفية حليف محتمل أمرا مستبعدا في الحسابات السياسية العقلانية. ولا يبدو في استنتاجنا، أنه من الوارد التخلّص من حليف استراتيجي غير معلن. كما أنه من جهة أخرى، لا يخفى أن الدبيبة محسوب عند الليبيين على النظام السابق، فلطالما دعمه سيف الإسلام في مناصبه السابقة في نظام والده، كما أن حكومته اليوم تضم وجوها من ذلك العهد، وهو يدرك أن “خزان القذاذفة” الانتخابي ليس خصما له، بل هو شريك في مواجهة “المشروع العسكري” لخليفة حفتر.

السيناريو الثاني.. معسكر الشرق.. صدام الطموحات والمنافسة

في المقابل، تتجه أغلب التحاليل نحو “معسكر حفتر” كجهة مرجحة للوقوف وراء العملية. هذا الترجيح لا يستند فقط إلى رغبة المشير وابنه صدام في الانفراد بالمشهد السيادي، بل إلى معطيات كثيرة تؤكد صدامات موثّقة. فالمنافسة بين سيف الإسلام وحفتر كانت دائما كبيرة وبعلاقات متوتّرة حيث يتنافس الطرفان على القاعدة الجماهيرية ذاتها في مناطق نفوذ حيوية بالجنوب والوسط وبعض المناطق الغربية ومنها مدينة الزنتان التي قتل فيها سيف الإسلام.

ومن المعطيات الميدانية التي تبرز هنا ولا يمكن تجاهلها، أولها السوابق التحريضية، فقد سعى حفتر جاهدا على امتداد سنوات للقبض عن سيف الإسلام وقام بمحاولات كثيرة لاستلامه من الزنتان. ولا ينسى الليبيون شهادات قادة عسكريين، مثل إبراهيم المدني (قيادي بارز في مدينة الزنتان)، والذي تحدث في فيديو شهير عن عروض سابقة قدمتها له القيادة العامة (حفتر) لتصفية سيف الإسلام مقابل إغراءات مالية وامتيازات، كما حدثت عدة مناوشات مسلحة في مناطق الجنوب بين عناصر تابعة لحفتر وحراسات سيف الإسلام عند تنقله هناك، وتعرّض لعدة مطاردات كان ينجو منها، وقد أصيب أحد أفراد حراسته في محاولة للقبض عليه سنة 2019 في منطقة يسيطر عليها حفتر.

وفي سنة 2021 وبعد تقديم سيف الإسلام ترشحه للانتخابات الرئاسية مستفيدا من قانون العفو العام الذي أصدره البرلمان سنة 2015 ورفض مفوضية الانتخابات ترشّحه، تقدّم بطعن لدى محكمة سبها، فقامت قوات عسكرية تابعة لحفتر بمحاصرة المحكمة وترهيب القضاة لمنعهم من قبول النظر في طعنه، ومنع عودته للحياة السياسية. غير أن المحكمة حكمت بإعادته للسباق الانتخابي في نهاية المطاف.

وربما ما يزيد من رجاحة هذا السيناريو تصريح محمد بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة لحكومة حفتر، وهو إعلامي بارز وكان المتحدث باسم الحكومة في عهد القذافي، وأمين اللجنة الشعبية العامة للإعلام (بمثابة وزير إعلام) والذي وصف مقتل سيف بأنه “رحمة له وللوطن”، وهو ما رآه البعض بمثابة “نعيا سياسيا” يبرر العملية بضرورات الدولة، وهو ما يعكس ارتياحا في دوائر نفوذ الشرق لغياب هذا المنافس.

يمكن أن نستنتج من خلال كل المعطيات أن طموحات صدام حفتر في وراثة النفوذ العسكري والسياسي كانت تصطدم دائما بطموح سيف الإسلام في العودة وشعبيته المتنامية، مما يجعل من “التصفية الجسدية” المسار الأسرع لحسم الصراع.

السيناريو الثالث.. وأد المصالحة وخلط الأوراق الدولية

سيناريو ثالث يبدو أقل ترجيحا، نربط فيه بين الاغتيال ووصول شخصيات مثل علي الصلابي (عينه المنفي مؤخرا مسؤولا عن ملف المصالحة الوطنية) طرابلس، لتحريك ملف المصالحة. وفق هذا السيناريو، قد تكون العملية “رسالة إقليمية أو دولية” تهدف لإجهاض أي تقارب ليبي- ليبي حقيقي، وإبقاء البلاد في حالة تجميد الصراع التي تخدم قوى خارجية. فغياب سيف الإسلام، الذي كان يمثل “المفتاح” لقبائل وعائلات مهجرة ومهمشة، يعني تلقائيا تعثر مسار المصالحة، وتشتت أنصار النظام السابق، وعدم دخولهم في أي مصالحة وطنية مستقبلية وبالتالي موت محاولات الصلابي قبل انطلاقها.

وبينما يلف الغموض التفاصيل الجنائية للحادثة والاتهام المباشر (الأكثر رواجا) لحفتر بدافع المنافسة، والشكوك في صفقة سياسية كبرى، تظل ليبيا في ترقب. فالعملية ليست مجرد حادث اغتيال سياسي، بل هي إعلان عن نهاية مرحلة “الانتظار” وبداية مرحلة “إعادة ترتيب البيت الليبي”. والحقيقة قد لا تظهر قريبا، كما هو حال الاغتيالات السياسية الكبرى، لكن المؤكد هو أن غياب سيف الإسلام سيخلق فراغا هائلا في كتلة أنصار النظام السابق، وهي كتلة قد تعيد تموضعها بطريقة لا يتوقعها المهندسون الفعليون لهذه العملية.

إلى الأعلى
×