بقلم حبيب الزموري
تواترت التصريحات الديبلوماسية والتصريحات المضادة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران خلال الأيام والساعات القليلة الماضية بالتوازي مع التحشيد العسكري في المنطقة في تماهي معقد بين مسار تفاوضي مازال لم يخرج للعلن ومسار عسكري يتجسد من خلال الأساطيل الأمريكية المتجهة إلى التمركز في المنطقة والاستعراضات والمناورات العسكرية الإيرانية المستمرة وهو ما دفعنا إلى الحديث عن مفاوضات مسلحة وديبلوماسية معسكرة.
من أبرز مظاهر تعقيد العلاقات الأمريكية الإيرانية حاليا والمفاوضات غير المباشرة بينهما وتبادل الرسائل المباشرة منها والمشفرة هو الصراع المحتدم بينهما حول تحديد الإطار العام للمفاوضات ففي حين تصر الولايات المتحدة الأمريكية على مفاوضات شاملة ومفتوحة يمكن أن تكون بدايتها الملف النووي الإيراني ونهايتها تغيير صبغة النظام الإيراني ومن أبرز الملفات المطروحة خلال هذه المرحلة أمام إدارة الرئيس دونالد ترامب:
- تسليم اليورانيوم المخصب.
- لإنهاء البرنامج النووي الإيراني.
- تفكيك الترسانة الصاروخية الباليستية.
- وقف دعم الحلفاء والوكلاء الإقليميين.
وتبدو بصمة الكيان الصهيوني واضحة للغاية في تحديد مطالب الإدارة الأمريكية من النظام الإيراني بناء على المواجهات الأخيرة بينهما سواء منها المواجهات المباشرة أو غير المباشرة عن طريق وكلاء إيران الإقليميين، أما دونالد ترامب فهو يواصل الاعتماد على ما يمكن تسميته بالديبلوماسية العاصفة بخرق كافة الانتظارات والتوقعات فهو من جهة واثق من رغبة النظام الإيراني في التوصل إلى صفقة ومن جهة أخرى يدق طبول الحرب ويهدد بالذهاب إلى الأقصى والإطاحة بالنظام الإيراني برمته.
ولكن بغض النظر عن تصريحات دونالد ترامب وكبار صناع القرار الأمريكي في إدارته فإنه لا يمكن قراءة السياسة الأمريكية نحو إيران في إطار علاقات ثنائية بين بلدين سلما كانت أو حربا بقدر ما يحب تنزيلها في سياق السياسة اّلإمبريالية الأمريكية في المنطقة وفي العالم ككل. فرغم رسائل الطمأنة وفتح باب المفاوضات من قبل دونالد ترامب للوصول إلى صفقة يرغب فيها النظام الإيراني أكثر من أي وقت مضى حسب تصريحات الرئيس الأمريكي فإن الخطوات الأمريكية الأخيرة باتجاه إيران في تقديرنا مجرد خطوات تكتيكية لا يمكن أن تحجب الهدف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية ألا وهو إزالة كافة العوائق التي تعيق إعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية الأمريكية-الصهيونية. يحاول ترامب بواسطة ديبلوماسيته الشعبوية العاصفة المدعومة باللوبي الصناعي – المالي – العسكري الأمريكي تحقيق ما يتجنب تحقيقه بالحرب في ظل فتحه لعدة جبهات أخرى في العالم وهو ما يبدو بعيد المنال بالنظر إلى محدودية ما يستطيع النظام الإيراني تقديمه من تنازلات استراتيجية فهو يعي جيدا أن المطلوب الحقيقي هو رأسه.
يتعامل النظام الإيراني مع المفاوضات بتكتيكات عدائي المسافات الطويلة حيث يكون تقسيط المجهودات والتعامل مع التوقيت هما العاملان الحاسمان، فلا الظرفية الداخلية ولا الإقليمية ولا الدولية تخدمان النظام الإيراني حيث يتعرض نظام الملالي إلى هزات اجتماعية وسياسية دورية في الداخل ويتساقط حلفاؤه كأوراق الخريف في الخارج تحت مطرقة الامبريالية الأمريكية كما فقد قسما كبيرا من مجاله الحيوي الممتد غربا إلى لبنان مرورا بالعراق وسوريا وجنوبا إلى اليمن مما أفقده جزءا كبيرا من قدرته على الضغط والمناورة وهو ما يفسر إلى حد كبير في تفاعله مع تصريحات الإدارة الأمريكية بين التسخين والتبريد في توزيع محكم للأدوار بين الجهاز العسكري والجهاز الديبلوماسي. فمن أبرز التصريحات الديبلوماسية هي تلك الصادرة على لسان الناطق الرسمي باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي لشبكة سي.أن.أن إن إيران منفتحة على تقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي في المحادثات مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن واشنطن “تتفهم هذا الموقف”. وأضاف بقائي أنه “إذا كان الهدف هو التأكد من أن البرنامج النووي الإيراني لن يتحول إلى برنامج عسكري، أعتقد أن ذلك أمر يمكننا تحقيقه ببساطه”. وبشأن كيفية التوصل إلى تسوية في المحادثات مع واشنطن، قال بقائي: “هناك العديد من الطرق” دون أن يحددها، لكنه أضاف أن “حق إيران في الطاقة النووية يجب أن يكون مضموناً”. وأشار إلى أنه “في حال كانت نية الولايات المتحدة حرمان الإيرانيين من حقهم في الطاقة النووية السلمية، أعتقد أن ذلك سيكون معضلة إلى درجة أنه سيهدد العملية برمتها”.
وبينما كانت إدارة ترامب تتبنى موقفاً متشدداً بشأن مطلبها بإنهاء إيران لتخصيب اليورانيوم، وهو أمر أساسي للاستخدامين المدني والعسكري للطاقة النووية، قال بقائي، إن “سلوك المفاوضين الأميركيين في المحادثات يشير إلى نهج أكثر ليونة”. وأردف: “حقيقة استمرارنا في المحادثات حتى الآن تعني أن هناك مستوى معيناً من التفاهم بأن إيران لا يمكنها تحت أي ظرف من الظروف أن تتخلى عن حقها في الطاقة النووية السلمية”.
من جهة أخرى صرحت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب ارتفع بمقدار النصف خلال ثلاثة أشهر، وإنها الدولة غير النووية الوحيدة التي تخصب اليورانيوم بهذا المستوى.
أما أحمد بخشايش أردستاني، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، فقد صرح لموقع “ديدبان إيران” قائلا:” إذا انهارت المفاوضات، فإن إيران تمتلك 300 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، وهي كمية كافية لصنع 10 قنابل نووية”. هذا بالإضافة إلى التهديدات المتتالية التي يطلقها قادة المؤسسة العسكرية الإيرانية بتحويل المنطقة إلى جحيم تحترق فيه القوات الأمريكية وكل من يقدم لها الدعم من دول المنطقة وهو ما يفسر مواقف الأنظمة العربية الرجعية في الخليج التي تحاول النأي بنفسها عن تهمة التواطؤ مع العدوان الأمريكي المحتمل رغم ما تحتويه أراضيها من قواعد عسكرية أمريكية.
ومما يؤكد مدى هشاشة المسار التفاوضي الذي استبشر به النظامان الأمريكي والإيراني وروّجا لاختلافه عن المسارات السابقة وإمكانية تتويجه “بصفقات” ترضي الطرفين بالإضافة إلى الاعتبارات السابقة التوتر الذي انبثق عن طلب الجانب الإيراني تغيير مكان الجولة الأخيرة من المفاوضات من إسطنبول إلى مسقط في سلطنة عمان ورفض الجانب الأمريكي للطلب الإيراني وتلويحه مجددا بالحسم العسكري.
يعي المفاوض الإيراني جيدا أن سيره في المسار التفاوضي لا يختلف في شيء عن السير في حقل ألغام وأن المناورات الامبريالية السياسية منها والعسكرية والاقتصادية لن تتوقف إلا بالإطاحة بمشروع القنبلة النووية الإيرانية في مرحلة أولى ونظام الملالي برمته في مرحلة ثانية بنفس درجة وعيه بأن مصيره متعلق بتقدمه في امتلاك الردع النووي. ولكن المؤسف حقا في هذا كله هو تواري نضالات الشعب الإيراني وتضحياته في سبيل التحرر والانعتاق السياسي والاجتماعي والفكري عن أنظار الرأي العام الدولي وإتاحة الفرصة أمام نظام الملالي القمعي للصراخ مجددا بأن “الثورة والوطن في خطر” لكتم ولإخماد كافة الأصوات الأخرى. لقد اختلف النظامان الإيراني والأمريكي في كل ما يتعلق بالمفاوضات بينهما ولكنهما اشتركا في كتم أصوات الشعوب التواقة للتحرر.
صوت الشعب صوت الحقيقة
