الرئيسية / صوت الوطن / الأزمة الاجتماعية الخانقة ودور القوى اليسارية والتقدمية
الأزمة الاجتماعية الخانقة ودور القوى اليسارية والتقدمية

الأزمة الاجتماعية الخانقة ودور القوى اليسارية والتقدمية

بقلم الناصر بن رمضان

زيادات وهمية في الأجور… وأزمة معيشية تُدار ضدّ الشعب

قدّمت السلطة الشعبوية الزيادة في الأجور في ميزانية 2026 على أنها «استجابة اجتماعية» و«انتصار للأجراء»، لكن خلف هذا الخطاب الدعائي تختفي حقيقة أكثر فجاجة، إذ نحن أمام زيادات شكلية ضعيفة سجينة الأوامر الرئاسية والنصوص الترتيبية، وتقع في أحسن الحالات بين 3,5% و7% سنويًا، بما يعني أن هذه الزيادات التي تدخل جيب المواطن لا تتجاوز بضع عشرات من الدنانير بعد الاقتطاعات الجبائية، موزعة على دفعات ومشروطة، وكأننا أمام منّة إلاهية لا حق شرعي ودستوري في ظل واقع التضخم الذي تراوحت نسبه من 8 إلى 10 في المائة مع فارق شاسع بين التضخم المحسوب والتضخم المعيش. وفي ظل الانفجار المعيشي الذي تعيشه الأغلبية الساحقة من الأجراء والمعطلين وصغار الموظفين: زيادات لا تغطي حتى جزءًا من التدهور المتفاقم في المقدرة الشرائية، ولا تعكس حجم التضخم الحقيقي الذي يضرب مرافق الغذاء والنقل والسكن والصحة. فحين يرتفع الأجر بعشرات الدنانير، تقفز أسعار الخضر واللحوم والزيت والنقل بأضعاف ذلك، ويتحوّل الدواء من حق اجتماعي إلى سلعة نادرة ومفقودة أو باهظة الثمن. عمليًا، ما يحصل في جيب المواطن ليس تحسنًا، بل تآكل إضافي للأجر الحقيقي، وتوسيعًا لدائرة الإفقار، فموظف “بسيط ” يتقاضى 900 أو 1000 دينار على سبيل المثال إذا تحصل على زيادة بـ5% فإن دخله قد يرتفع اسميا بنحو 45 أو 50 دينارا، في حين ترتفع فاتورة الخضر وحدها بعشرات الدنانير في الشهر، ناهيك عن اللحوم التي أصبحت في باب الأمنيات إذ قفزت أسعارها بنسب تفوق 20% وسوف تتجاوز ذلك ونحن على أبواب شهر رمضان، وكذلك الغلال التي اختفي بعضها من سلة المواطن – إلا ما رخص ثمنه وقلت جودته. نفس الشيء بالنسبة لبعض المواد مثل الزيت والسكر والحليب التي تتحول من مواد مدعّمة إلى سلع نادرة أو باهظة الثمن إن وجدت. أما الدواء فقد أصبح عنوانا إضافيا للأزمة: نقص متواصل في أدوية الأمراض المزمنة وتراجع شامل وجديد في تغطية الصناديق الاجتماعية لها فاضطرار المرضى إلى استبدالها بالأدوية الجنيسة وتحميل الأسر أعباء مالية وصحية لا تحتمل.

في هذا السياق لا تعدو الزيادة في الأجور أن تكون سوى مسكن نفسي قصير الأجل سرعان ما يتبخر في دوامة الأسعار.

إلى جانب ذلك تتعمق الأزمة بفعل البطالة المستشرية التي لا تزال في حدود 15% وفق الأرقام الرسمية وترتفع أكثر فأكثر لدى الشباب والنساء وحاملي الشهادات، بما يعني أن جزءا واسعا من المجتمع خارج دائرة الزيادة المزعومة. فالعائلة التي يعيلها أجر واحد أو التي يعيش أفرادها البطالة والتشغيل الهش لا تستفيد من زيادات شكلية بل تتلقى الضربات في العمق : غلاء، تراجع خدمات عمومية وغياب أفق.

زيادات بلا تفاوض… وتحميل الفئات الشعبية كلفة الأزمة

إن المسؤولية الأولى لهذا التدهور الحاد في الوضع الاجتماعي تقع على كاهل السلطة، التي اختارت نهج التقشف المقنّع والتبعية للمؤسسات المالية العالمية من ناحية مما يؤكد الطبيعة الطبقية الفجة للمنظومة الشعبوية المعادية للشعب: تحميل الشغالين والفئات الشعبية كلفة الأزمة مقابل حماية رأس المال التجاري والريعي وترك المضاربة والاحتكار ينخران السوق دون رادع فعلي رغم ضجيج الإعلام الشعبوي.

والأخطر من ضعف النسب وطابعها الطبقي هو الانفراد بالقرار الاجتماعي كرسالة مسمومة للنقابيين ولا غرابة في هذا الأسلوب العام المتبع للحكم الفردي المطلق في كل المجالات، وفي تقديمه لهذه الزيادات المهزلة المؤجلة التنفيذ تحديدا: قطع التفاوض الاجتماعي من جانب واحد، وتمرير الزيادات داخل قانون المالية كقرار فوقي يضبط بأمر رئاسي، في سابقة تضرب جوهر المفاوضة الجماعية ودور المنظمات الاجتماعية. هكذا تختار السلطة إدارة الأزمة الاجتماعية: ضبط أحادي للقيمة الجملية للزيادات ونسبها وشكل توزيعها على الأجراء ومواقيت صرفها من ناحية، وحماية «التوازنات المالية» من ناحية أخرى على حساب التوازنات الاجتماعية، وترك السوق فريسة للمضاربة والاحتكار.

مسؤولية الاتحاد في إجهاض المقاومة الاجتماعية

إن المسؤولية الرئيسية للسلطة الشعبوية لا يعفي – وإن بصفة ثانوية – الاتحاد العام التونسي للشغل من مساءلة جدّية ومسؤولية، والمنظومة الحاكمة لا تكتمل دون التوقف عند دور المنظمة النقابية، لا لتبرئة السلطة كما يفعل الكثيرون، بل لتشخيص الخلل داخل المعسكر الاجتماعي نفسه. فبين خطاب نقابي يزايد بالرفض وممارسة مترددة وخجولة لا ترتقي إلى درجة حجم الخطر الاجتماعي، وجد الاتحاد نفسه مكبلا بأزمة داخلية عميقة تنخر هياكله التسييرية فحالت دون تحويل المواجهة، بل حتى المقاومة الدنيا إلى ميزان قوى فعلي. لقد فوّتت البيروقراطية النقابية في جميع مستوياتها الجهوية والوطنية فرصة بناء مواجهة اجتماعية شاملة تربط الأجور بالأسعار، وتوحّد القطاعين العام والخاص والعاطلين في معركة واحدة. وهكذا مرّت زيادات ضعيفة – لا لأن السلطة قوية – بل لأن الردّ لم يكن في مستوى الهجمة.

أيّ بديل؟

ليست أزمة أرقام… بل أزمة خيار وصراع

إن ما نعيشه اليوم ليس خلافًا تقنيًا حول نسبة مئوية، بل تعبير عن انسداد سياسي واجتماعي شامل: فالديكتاتورية الشعبوية – وأي ديكتاتورية – لا تحل الأزمة الاجتماعية، بل تعمّقها، لأنها تفصل الاقتصاد عن الديمقراطية، وتحمي رأس المال على حساب الشغّالين. فحين تغلق قنوات التفاوض وتهمش الأجسام الوسيطة ويُزجّ بالمعارضة في السجون ويُحكم تطويق الفضاء العام تتحول المطالب الاجتماعية والسياسية إلى توترات مكبوتة قابلة للانفجار، والاستبداد الشعبوي يتعامل مع الفقر والبطالة كمسائل تقنية لا كنتاج خيارات طبقية.

في المقابل، لا يمكن للحركة الاجتماعية أن تستعيد قدرتها على الفعل دون مراجعة جذرية: ديمقراطية داخلية حقيقية في الاتحاد مستندة إلى برنامج اجتماعي واضح يطالب بزيادات حقيقية مرتبطة بالتضخم الفعلي وحماية صارمة للأسعار وإصلاح جبائي تصاعدي وسياسة تشغيل عمومية. دون ذلك، ستبقى «الزيادات» مسكنات، وسيبقى الأجر يتآكل، وستواصل الفئات الشعبية والمتوسطة دفع ثمن أزمة لم تصنعها، في ظل سلطة اختارت طريق تحميل الضعفاء كلفة الفشل واتحاد لم ينجح بعد في فرض بديل اجتماعي يرقى إلى حجم الخطر.

أي دور لليسار النقابي والقوى التقدمية؟

في مناخ بلغ هذا القدر من التأزم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، بات لزاما على القوى اليسارية النقابية والديمقراطية الخروج من دائرة الانتظار وعدم الاكتفاء بدور المراقب الناقد. فالاحتقان الشعبي العام والمتصاعد ليس حالة عابرة، بل تعبير عن أزمة حقيقية متعددة المظاهر، عن تآكل شرعية سلطة الانقلاب، وعن انسداد أفق العيش الكريم أمام الفئات الشعبية والمتوسطة. في مثل هذه اللحظات التاريخية، يُقاس وجود القوى التقدمية بقدرتها على التدخل المنظَّم لا بالبيانات والاكتفاء بتشخيص الانحدار. المطلوب مباشرة هو الانتقال من موقع الدفاع السلبي إلى موقع المبادرة والمقاومة الجريئة الجماهيرية والشعبية، عبر بناء جبهة اجتماعية- سياسية واضحة المعالم، تربط بين النضال المطلبي اليومي (الأجور، الأسعار، البطالة، الخدمات العمومية) وبين أفق سياسي ديمقراطي يقطع مع الشعبوية والاستبداد ومع الليبرالية المفترسة في الآن نفسه.

اليسار النقابي والديمقراطي مدعوّ إلى مغادرة اللغة العمومية الفضفاضة، وصياغة برنامج حدّ أدنى ملموس: زيادات حقيقية مرتبطة بالتضخم، حماية اجتماعية فعلية، إصلاح جبائي تصاعدي، ومواجهة الاحتكار والمضاربة. لكن البرنامج وحده لا يكفي؛ فبدون أدوات تنظيمية قاعدية، سيبقى حبرًا على ورق. وبالتالي فالمطلوب هو إعادة زرع اليسار داخل مواقع العمل، الأحياء الشعبية، الجامعات، وفضاءات العطالة والهشاشة، لا كقوة وعظية تبشيرية بل كمنظِّم ومؤطّر للنضالات، قادر على تحويل الغضب الاجتماعي إلى قوة واعية ومستمرة.

أما الاستمرار في التردد والانتظارية، والاحتماء بخطاب «ميزان القوى غير ملائم» وغيرها من التبريرات البرجوازية الصغيرة، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة، ويفتح الطريق واسعًا أمام القوى اليمينية والإصلاحية لتعيد تموقعها وتقديم نفسها كبديل «عقلاني معتدل» أو «منقذ موحد من الاستبداد»، بينما هي في الواقع الوجه الآخر للسياسات نفسها التي فجّرت الأزمة. التاريخ لا يمنح فرصًا غير محدودة: إما أن تتقدّم القوى اليسارية لملء الفراغ السياسي والاجتماعي القائم، أو تتركه يُملأ بقوى معادية لمصالح الطبقات الشعبية، وعندها لن يكون الانحدار العام قدَرًا بل نتيجة تخل وعجز بنيوي.

إلى الأعلى
×