الرئيسية / صوت الوطن / الحوض المنجمي والمعاناة “الأبديّة”
الحوض المنجمي والمعاناة “الأبديّة”

الحوض المنجمي والمعاناة “الأبديّة”

بقلم منور السعيدي

في قلب الجنوب الغربي التونسي، حيث تختزن الأرض ثروة الفسفاط التي غذّت اقتصاد البلاد لعقود طويلة، يعيش الإنسان أبشع أشكال التهميش، وكأن لعنة تاريخية سكنت المكان منذ أن اكتشف الاستعمار الفرنسي هذه الثروة. إن الحوض المنجمي ليس مجرد منطقة مهمّشة، بل هو مختبر حيّ لسياسات النهب الطبقي والاستغلال المنظّم الذي مارسته دولة رأس المال منذ الاستعمار إلى اليوم.

من الرديف إلى أم العرائس، من المتلوي إلى المظيلة، تتكرر المشاهد ذاتها: بطالة خانقة، فقر مدقع، بيئة مدمّرة، أجساد أنهكها العمل، وأرواح مسحوقة تحت عجلات منطق الربح.

ثروة الأرض… وفقر البشر

الفسفاط، هذه المادة التي تدرّ مليارات الدينارات سنوياً، لم تكن يوماً مشروعاً لتحرير الإنسان في هذه الربوع، بل تحوّلت إلى أداة لإخضاعه. فالدولة، بصفتها الحارس الأمين لمصالح الطبقة المسيطرة، حولت الثروة الطبيعية إلى ريعٍ تحتكره قلة ضيقة من البيروقراطيين والوسطاء واللوبيات المالية، بينما تُرك العامل المنجمي وأسرته لمصيرهم القاسي.

في معادلة الاقتصاد الرأسمالي، الإنسان هنا ليس سوى “قوة عمل” قابلة للاستهلاك والاستبدال. لا حقوقا، لا ضمانات حقيقية، لا أفق للحياة الكريمة. كل ما هناك هو دورة دائمة من الاستغلال: عمل شاق، أجر زهيد، مرض مزمن، ثم بطالة أو تقاعد مبكر على هامش الحياة.

البيئة: ضحية أخرى للرأسمال

لم يكتفِ رأس المال بنهب قوة العمل، بل دمّر الطبيعة نفسها. فالمنطقة تحولت إلى مكبّ ضخم للنفايات الصناعية، والهواء محمّل بالغبار السام، والمياه الجوفية ملوثة، والأراضي الزراعية تُباد ببطء. الأمراض الصدرية، السرطانات، تشوهات الأطفال، كلها نتائج مباشرة لعنف اقتصادي لا يعترف إلا بالأرباح.

إن هذا التخريب ليس عرضياً، بل هو منطق النظام نفسه. فالرأسمالية لا ترى في البيئة سوى مورد إضافي للاستنزاف، وفي الإنسان سوى ترس في آلة الإنتاج.

الدولة: جهاز قمع طبقي

كل انتفاضة في الحوض المنجمي قوبلت بالقمع، من أحداث 2008 إلى التحركات المتكررة في العقد الأخير. البوليس، القضاء، الإعلام الرسمي، كلهم اصطفّوا في خندق واحد: حماية استقرار منظومة النهب.

حين يطالب الشاب بحقه في الشغل، يُتّهم بالفوضى. حين تحتج الأم على تلوّث الماء، تُوصم بالتخريب. وحين يرفع العامل صوته ضد الجوع، يُجرّ إلى السجون.

هذه ليست دولة لكل المواطنين، بل جهاز قمعي يخدم مصالح الطبقة البورجوازية الكبيرة العميلة المحلية وسادتها في الخارج.

البطالة: أداة إخضاع

البطالة في الحوض المنجمي ليست صدفة اقتصادية، بل سياسة مدروسة. فوجود جيش من العاطلين يخلق مناخاً من الخوف ويكسر أي مقاومة جماعية. العامل الذي يعرف أن المئات من المعطّلين عن العمل ينتظرون مكانه يقبل بالإذلال اليومي، ويصمت على الاستغلال، ويبتلع القهر.

في هذا السياق يعيش النساء في الحوض المنجمي اضطهادا مضاعفا: كادحات داخل المنازل، مهمّشات في سوق الشغل، ومشاركات في الاحتجاجات، لكن دون أي اعتراف حقيقي بدورهن. الرأسمالية هنا لا تستغل جسد المرأة فحسب، بل تمحو وجودها السياسي والاجتماعي.

من المقاومة إلى الوعي الطبقي

رغم كل هذا القهر، ظل الحوض المنجمي بؤرة مقاومة. انتفاضة 2008 لم تكن حدثاً معزولاً، بل تعبيراً عن وعي طبقي متجذّر أدرك أن المشكلة ليست في مسؤول محلي فاسد، بل في بنية كاملة قائمة على الاستغلال.

لقد فهم العمال والعاطلون أن تحرّرهم لا يمكن أن يأتي من إصلاحات شكلية، بل من تغيير جذري للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل من الإنسان أداة ربح.

الخلاصة: لا إصلاح داخل منظومة النهب

معاناة الحوض المنجمي ليست أزمة تنموية، بل جريمة طبقية مستمرة. لا حلولا تقنية، ولا برامج ترقيعية، ولا وعودا انتخابية يمكن أن تنقذ هذا الجرح المفتوح. وحده التحول الجذري في طبيعة السلطة، وفي نمط توزيع الثروة، وفي ملكية وسائل الإنتاج، يمكن أن يضع حداً لهذه المأساة.

إن تحرير الحوض المنجمي ليس قضية جهوية، بل معركة وطنية ضد منظومة الاستغلال بأكملها.

فإما أن تستمر الثروة في خدمة أقلية، ويستمر الفقر في خدمة النظام، أو ينتزع الشعب حقه في والخبز والحرية والكرامة الوطنية.

إلى الأعلى
×