الرئيسية / صوت الوطن / شتاء المتاعب المتجدّدة: فقدان الغاز المنزلي ومعاناة الشعب المفقر
شتاء المتاعب المتجدّدة: فقدان الغاز المنزلي ومعاناة الشعب المفقر

شتاء المتاعب المتجدّدة: فقدان الغاز المنزلي ومعاناة الشعب المفقر

بقلم منذر خلفاوي

لا تكاد تمرّ أزمة حتى تتلوها أخرى إن لم يتزامن العديد منها. فالفئات الشعبية تعاني منذ سنوات من غلاء المعيشة وافتقاد المواد الأساسية والانقطاع المتكرر لمياه الشرب والوفاة بسبب حائط متداعي للسقوط بصفة تكاد تكون مسترسلة، وفي كل مرة وكل سنة يقع تبرير الأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية بأسباب ظرفية ومفاجئة… إلخ من قبل السلطة الشعبوية ومن طرف مختلف الحكومات المتعاقبة والوعد بتلافي تأثيراتها مستقبلا وتتحوّل حياة المواطن الضحية إلى جحيم وخاصة الفئات المفقرة والضعيفة والمهمشة وسكان الأحياء الشعبية والمناطق الداخلية وخاصة في الأرياف.

شتاء قاس دون إمكانيات مقاومة

عاشت أغلب مناطق البلاد وتعيش أزمة قوارير الغاز المنزلي أثناء موسم الشتاء الحالي الذي تميز بموجة برد قاسية وصلت فيها درجات الحرارة إلى الصفر وما دونه بمرتفعات الشمال الغربي، وهي حالة مرتقبة كالعادة في كل عام وليست استثنائية أو مباغتة كما يدعي البعض، ومثلما خلفت الفيضانات أضرارا في البنية التحتية والمساكن والسيارات فإن فقدان الغاز المنزلي لفترات طويلة حوّل الحياة إلى جحيم وجعل العائلات تقاسي من البرد بدون تدفئة ولا إمكانية طهي الأكل واضطرارها إلى اقتناء لقمة العيش من المطاعم لمن له القدرة على ذلك أو تناول الأكلة السريعة أو اللجوء إلى الطبخ والتدفئة بالفحم أو الحطب – إن توفّرا طبعا. كيف لسكان الأرياف والجبال أن يقاوموا صقيع الليالي وخاصة الأطفال والرضع والمرضى وكبار السن؟ وكيف للأبناء أن يلتحقوا بالدراسة بأمعاء خاوية بعد سهد ليل طويل عانوا أثناءه من تسرب الأمطار إلى أفرشتهم؟ يقضي المواطن يومه في البحث عن قارورة غاز من مكان إلى آخر، وإن وجد مبتغاه بعد أسبوع أو أسبوعين عليه أخذ مكانه في طابور طويل لشراءها. كيف تبرر الجهات المسؤولة هذا الوضع وما هي الأسباب الحقيقية وراء أزمة التزود بالغاز المنزلي؟

تبريرات واهية لمنظومة الفشل

من بين التبريرات المقدمة هو لهفة المواطن والاستعمال المفرط لقوارير الغاز في مثل هذه الفترات وهو أمر مضحك. فهل يريدون أن يتساوى الاستهلاك العائلي في الشتاء كما في الصيف؟ وهل تعتبر مادة الغاز مادة كمالية يمكن الاستغناء عنها والسعي إلى التبذير من أجل اقتنائها؟ كما يقع رمي المسؤولية أحيانا أخرى على أصحاب سيارات الأجرة “تاكسي” الذين يستعمل بعضهم الغاز المنزلي عوض البنزين لانخفاض التكلفة بينما واقعيا السلطة هي من يتحمل المسؤولية في عدم مراقبة ومنع هذه التجاوزات، كما يقع تبرير نقص الغاز المنزلي بتجاوز الطلب العرض وكأن المسألة عرضية وليست منتظرة وجب الاستعداد والتحضير لها مسبقا ومبكرا ويقدم أيضا تعطل باخرة محملة بالغاز المستورد بسبب الأحوال الجوية كسبب من أسباب الأزمة وغيرها من الحجج الواهية التي لا تقنع عاقلا.

واقع قطاع الغاز في تونس

تنتج بلادنا 87 مليون قدم مكعب من الغاز في حقول “البرمة” و”مسكار” و”صدربعل” و”مشروع نوارة” وتستهلك 180 مليون متر مكعب وتورد 104 مليون متر مكعب، أي ما يعادل 65 % من الاستهلاك، ولا تغطي شبكة الغاز الطبيعي كامل البلاد بل هي تقتصر على المدن الكبرى والمناطق الصناعية. وحتى في هذه الأخيرة يتعذر إيصالها إلى الأحياء الشعبية بذريعة أنها أحياء عشوائية. وتستورد بلادنا الغاز من الجزائر إلى جانب إتاوة مقابل مرور خط أنابيب الغاز “ترانسميد” عبر التراب التونسي إلى إيطاليا.

وما يمكن إضافته هو أن الشركة التونسية للكهرباء والغاز تعتمد بشكل شبه كلي على هذا الوقود ونعني الغاز (95 %) كما أصبحت عديد المصانع تعتمد على الغاز عوض زيت الوقود الثقيل للتخفيض من التلوث والتكلفة ولمزيد النجاعة.

توجد ثلاث محطات فقط للتعبئة في بنزرت وقابس (غنوش) ورادس وهي لا تفي بالحاجة خاصة حين تتعطل حركة الشحن وبالإمكان زيادة عدد الموانئ لتقريب وتسريع عمليات التوزيع.

لا مواطنة بدون حياة كريمة

إن ما يعيشه الشعب التونسي من عمال وفلاحين وموظفين من بؤس وخصاصة وحرمان من أبسط مقومات العيش الكريم ليس قضاء وقدرا بل نتيجة اختيارات لا شعبية لممثلي الطبقات الرأسمالية من الأحزاب الرجعية أو الحكم الفردي الجاثم على صدورهم. فكل حادث طارئ أو كارثة طبيعية تعرّي منظومة الحكم وتفتح أعين الجماهير على حجم المغالطات وحقيقة الشعارات الجوفاء لذلك مهما طال الزمن أو قصر فإنها ستنهض مجددا للربط مع تقاليدها في النضال والاحتجاج وما على القوى الثورية والاشتراكية إلا أن ترتبط بها وترسّخ قيم التضامن بين أبناء الشعب في مثل هذه الأزمات.

إلى الأعلى
×