الرئيسية / صوت الوطن / المربّون بصوت موحّد وعال: آن الأوان للتّصدّي للعنف في الوسط المدرسي
المربّون بصوت موحّد وعال:  آن الأوان للتّصدّي للعنف في الوسط المدرسي

المربّون بصوت موحّد وعال: آن الأوان للتّصدّي للعنف في الوسط المدرسي

المربّون بصوت موحّد وعال:

آن الأوان للتّصدّي للعنف في الوسط المدرسي

بدعوة من نقابات التربية والتعليم، تنظّم مكونات الأسرة التربوية يوم الخميس 25 فيفري 2016 وقفة احتجاجية من الساعة العاشرة إلى منتصف النهار وذلك احتجاجا على تنامي ظاهرة العنف في الوسط المدرسي وخاصة المتجه منه ضد إطار التدريس، واحتجاجا على وزارة الإشراف والحكومة التي مازالت تتلكّأ في إصدار القانون المجرّم للاعتداء على المؤسسة التربوية وعلى المربّين.

 

 

حول تنامي ظاهرة العنف ضدّ المربّين والمؤسّسة

سجلت النقابات في المدة الأخيرة اتساعا لظاهرة الاعتداءات العنيفة ضد المربين من معلمين وأساتذة، وضد الإطار الإداري وضدّ المؤسّسة التي يطالها التخريب والسرقة في واضحة النهار وليلا لتعاطي المسكرات والرذائل.

وقد سجّل المرصد الوطني للعنف المدرسي في تقرير أصدره يوم 5 ديسمبر 2014، وهو يمسح الفترة الممتدة من سبتمبر إلى نوفمبر 2014، تناميا مفزعا للظواهر العنيفة داخل المؤسسة التربوية وفي محيطها، في شكلها اللفظي والمعنوي والنفسي، وفي شكلها السافر الذي يصل حدّ تعنيف من “كاد أن يكون رسولا” من قبل وليّ أو تلميذ. وقد ذهب أغلب دارسي هذه الظاهرة إلى تعريفها بكونها:  “مجموع السلوكيات العدائية غير المقبولة اجتماعيا والتي من شأنها أن تؤثّر سلبا على النظام العام للمدرسة، سواء مورست داخل حرم المؤسسة التربوية أو خارجه”.

هذا وقد أكّد ذات التقرير أنّ 52 % من مظاهر العنف تتمّ داخل المؤسسة و48 % في محيطها، وأنّ 77 % منها تمّت في وسط حضري و23 % في وسط ريفي وقروي. وتحتل ولاية تونس مركز الصدارة بـ14 % من الممارسات العنيفة، وسوسة بـ11 % ثم صفاقس بـ10 %.

كما انتهى التقرير إلى أنّ العنف المادي الذي يُمارسه تلاميذ ضدّ مربّين يأتي في صدارة الممارسات العنفية (403 حالة في ماي/جوان 2014)، هذا وتُشكّل اعتداءات التلاميذ على المربين 25 % من حالات العنف، والأولياء ضد المربين 4,2 %، كما أنّ من 1 إلى 5 % من المربّين يتغيّبون عن دروسهم خوفا من العنف، ومن 9 إلى 13 % من التلاميذ يتغيّبون لنفس السبب. علما وأنّ 45 قضية فقط رُفعت أمام المحاكم تطبيقا للفصل التاسع من قانون الوظيفة العمومية.

هذا وتعرف الظاهرة تناميا مريعا فإن لم تتجاوز سنة 2011/2012 الـ3 آلاف حالة عنف، فإنها وصلت سنة 2013/2014 إلى 8 آلاف حالة أي 122 حالة يوميا، منها 24 حالة عنف مادي و98 غير مادي. علما وأنّ مظاهر العنف تتنوّع اليوم إلى 33 نوعا حسب بعض الدراسات المختصّة.

إنّ هذا الانتشار يشرّع لإطلاق صيحة فزع وللتدخل بسرعة ونجاعة لإنقاذ المدرسة والوسط التربوي من هذا الانحراف الخطير. إنّ ارتفاع منسوب العنف في المدرسة هو انعكاس لما يجري صلب المجتمع والأسرة والشارع، وأنّ أسبابه متعددة ومعقّدة وتجد جذورها في أحشاء المجتمع وأوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والقيمية التي تعرف في بلادنا تدهورا وتأزما خاصة في السنوات الأخيرة.

وفي مطلق الحالات، إنّ انتشار العنف في حرم المؤسسة التي وُجدت أصلا للقضاء على ما هو عنيف في الإنسان فهذا في حدّ ذاته مؤشّر يستدعي تدخّلا سريعا من الدولة ومن المجتمع حماية للأجيال وللحاضر والمستقبل. فأن تُخترق المدرسة بأشكال العنف وممارساته، وأن تتحوّل إلى حاضنة له فهذا نزيف يجب ايقافه وإعداد العُدّة للحدّ منه. في هذا الإطار دعت نقابات التربية وفعاليات المجتمع المدني والقوى التقدمية لاتخاذ إجراءات وقائية للمدرسة ولمنتسبيها وللقيم التي تعمل على زرعها. وفي هذا الصدد تناضل نقابات التعليم منذ سنوات من أجل سن قانون يجرّم الممارسات العنيفة ضدّ المؤسّسة والمربّين.

 

لماذا قانون خاصّ لتجريم العنف؟

إنّ مشروعية هذا المطلب تتأسّس على خصوصية الفضاء المعني وهو المدرسة، وهو فضاء له رمزية حضارية وثقافية مهمة عند الشعوب المتحضّرة، وبما أنّ الأمر كذلك فمنتسبو المدرسة لهم أيضا حقّ على الدولة والمجتمع، بتمكينهم من الحماية من كلّ الاعتداءات الممكنة. إنّ هذا لا يعني البتة أنّ للمربين والتلاميذ والإداريين حصانة خاصة، أو هم فوق القانون، بالعكس فهم مواطنون مساوون لبني وطنهم، خصوصيتهم فقط هي في الفضاء الرمزي الذي ينتسبون إليه والذي إن تمّ الاعتداء عليه فعلى القيم السّلام. إنّ الشعب المتحضّر والدولة المدنية الديمقراطية يجب أن توفر حماية مادية وأيضا قانونية للمؤسسة التربوية، وذلك بإصدار قانون لتجريم الاعتداءات عليها، قانون يضمن تتبّع المعتدين مهما كانت صفتهم، وأن يجري التتبع باسم وزارة التربية التي ترفع القضايا وتتحمل تكاليفها المادية. إنّ المرجع في حالات العنف التي تمارس على المربين هو الفصل 9 من قانون الوظيفة العمومية (القانون عدد112 لسنة 1983) ينص على ما يلي:

” للعون العمومي الحق طبقا للنصوص الجاري بها العمل في الحماية ضد ما قد يتعرض إليه من تهديد أو هضم جانب أو شتم أو ثلب.
والإدارة ملزمة بحماية العون العمومي من التهديدات والاعتداءات مهما كان نوعها التي قد يتعرض إليها بمناسبة ممارسة وظيفته وعند اللزوم بجبر الضرر الناتج عن ذلك 
وتحل الدولة أو الجماعة العمومية الملزمة طبقا للشروط المنصوص عليها بالفقرة السابقة محل المعتدي عليه في حقوقه لكي تسترجع من مرتكبي التهديد أو الاعتداء المبالغ المدفوعة للعون التابع لها.
ولها في سبيل التحصيل على ما ذكر حقّ الدعوى المباشرة التي يمكن ممارستها بالقيام بالحق الشخصي عند اللزوم لدى المحكمة الزجرية”.

إلاّ أنّ هذا لم يعد كافيا اليوم، كما أنّ تمثيل وزارة الإشراف للمربي من أجل ضمان حقوقه بقيت مبهمة، فضلا عن كونها لا تجد طريقها للتطبيق في الغالب، ممّا يجعل المربي في نزاع قانوني وفي أروقة المحاكم لوحده، وفي عديد الحالات يضطرّ إلى التخلّي عن حقوقه لأسباب متعددة، لذلك ومن أجل إبراز المكانة المعنوية والرمزية للمربي، ومن أجل إبراز المكانة الخاصة للمدرسة أمام كلّ المجتمع، وجب اليوم التسريع بإصدار هذا القانون الذي تُواصل حكومة الائتلاف اليميني والأغلبية البرلمانية الرجعية التلكؤ في إصداره.

إنّ الوقفة الاحتجاجية للمربين هي من أجل تحميل الحكومة كامل المسؤولية في ما يعرفه الوسط المدرسي من تدهور مريع، وهذه الوقفة إنما تتمّ نيابة عن كلّ المجتمع الذي يطمح أن يرى مدرسة جديدة، مدرسة بلا عنف، مدرسة للقيم النيرة والتقدمية.

علي الجلولي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

4 + ستة عشر =

إلى الأعلى