الرئيسية / صوت الوطن / جوقة الشّاهد خطر على الحرّيّة والدّيمقراطيّة
جوقة الشّاهد خطر على الحرّيّة والدّيمقراطيّة

جوقة الشّاهد خطر على الحرّيّة والدّيمقراطيّة

من عادات بلادنا التي تذكّر باستمرار، بأنّ الدكتاتورية، لم تنته، وأنها ماتزال حاضرة ثقافة وسلوكا وممارسة، أن تقوم، كلّما اتّخذ الحاكم قرارا أو إجراء، “جوقة” من المرتزقة، تمدح Sans titre-1وتُشيد. ولكنّها لو توقّفت عند هذا الحدّ لهان الأمر، ولقال المرء “ربي يعينهم على ما يعملو”.

لكنّ “الجوقة” تتجاوز ذلك لتطالب الجميع بأن يفعل ما تفعل، بأن يصفّق ويهلّل، وإلاّ فهو “خائن” أو في أحسن الحالات “متردّد” في الدّفاع عن مصلحة الوطن. هذه الحالة عشناها في الأيام الأخيرة، بعد أن أذن الشاهد، بناء على قانون الطوارئ، بإيقاف عدد من رموز الفساد وأباطرة التّهريب الذين لم يتجاوز عددهم إلى الآن 8 أنفار، كلّهم من قطاع التّهريب.

لقد قامت الجوقة، تهلّل وتسبّح بحمد رئيس الحكومة وتُعلن أنه بدأ حربه ضدّ الفساد، وأنّ على الجميع أحزابا وجمعيّات بل وشعبا أن يصطفّ وراءه، ويتّبع تعليماته، ويؤيّد خطواته وأساليبه التي يستعمل فيها قانون الطوارئ والقضاء العسكري، فلا مجال للنّقد أو التّمايز أو حتى السّؤال، فإن كنتَ مع الشّاهد فأنت ضدّ الفساد وإن كنت متمايزا فأنت مع الفساد…

إنّ هؤلاء الناس من أفراد هذه الجوقة، ليس همّهم في الحقيقة الدفاع عن موقف أو مبدأ، وبالتالي ليس همّهم في قضية الحال مقاومة الفساد، بل إنّ كلّ هدفهم هو مساندة رئيس الحكومة، لذلك فإنّ مواقفهم تتغيّر بتغيّر مواقف “سيّدهم” و”وليّ نعمتهم”.

وليس أدلّ على ذلك من أنّ هؤلاء لم يتحدّثوا عن مقاومة الفساد لما كان الشاهد وحكومته، لا يقومان بأيّ شيء ضدّ الفساد، وكانوا يؤيّدون قانون المصالحة الاقتصاديّة والماليّة الذي يبيّض الفساد والفاسدين، وكانوا يسبّون الجبهة الشعبية والقوى الديمقراطية والتقدمية التي تنتقد الائتلاف الحاكم بسبب تواطئه مع الفساد والفاسدين، وتخرج إلى الشارع للتنديد بقانون المصالحة والمطالبة بسحبه ويتّهمونها بتعطيل تحقيق “الوحدة الوطنية” و”النهوض بالاقتصاد”. أمّا اليوم فهم لا يتورّعون عن تقديم أنفسهم كمقاومين أشدّاء للفساد وعن اتّهام الجبهة الشعبية، التي ترفض الاصطفاف، بالتردّد وعدم الجدية.

وما من شكّ في أنّ مثل هذه الجوقة تمثّل خطرا على الحرية والديمقراطية لأنهم يفتحون الطريق للاستبداد ويحترفون التحريض، بما توفّر لهم من إمكانات مادية وفضاءات إعلامية، على الديمقراطيّين والتّقدّميّين وعلى الحركات الاجتماعيّة. فهؤلاء لا يعدو أن يكونوا مرتزقة. ولكن وقوف القوى الديمقراطية في وجوههم يبقى دائما الضّمان لهزمهم وتهميشهم. إنّ هذه الجماعة تعوّل دائما على الهجمة الأولى لإرباك المناضلات والمناضلين وإدخال الشك في صفوف جماهير الشّعب وحتى تخويفها. ولكن سرعان ما ينكشف أمرهم.

وليس أدلّ على ذلك ممّا نلاحظه اليوم أسبوعا بعد حملة الإيقافات، فقد بدأ الرأي العام يتساءل عن جدية مقاومة الشاهد للفساد وعمّا إذا لم يكن ما يفعله سوى إجراءات محدودة بسبب الضغط الداخلي والخارجي لإنقاذ حكومته من الانهيار، بل يتساءل إن لم يكن الأمر مجرّد مسرحية لتصفية حسابات داخلية من جهة وصرف الأنظار عن الحراك الاجتماعي في تطاوين وغيرها من مناطق البلاد من جهة أخرى. ومن المؤكّد أنّ القادم من الأيام سيوضّح الصورة أكثر أمام الشعب خاصة بعد إعادة طرح مشروع قانون المصالحة للنقاش في لجنة التشريع العام؟ فماذا ستقول الجوقة؟ بل بماذا سيجيب الشاهد نفسه عن التّناقض بين ما يزعمه من شنّ حرب على الفساد وبين إعادة طرح هذا المشروع؟

الإفتتاحيةالمعركة ضدّ الفساد هي معركة جوهريّة، هي معركتنا نحن والقوى الثورية والديمقراطية، والشّعب التونسي وليس معركة الائتلاف اليميني الحاكم الذي عمّق ظاهرة الفساد إلى أن أصبحت تهدّد كيان الدولة والمجتمع وتلحق أفدح الضّرر بالشّعب، وحتى إذا اضطُرّ إلى اتّخاذ إجراءات تحت ضغط بعض الظروف كما هو الحال اليوم، فإنه لن يذهب بعيدا لأنّ الفساد من صلب طبيعته، ودورنا نحن هو أن لا نتوقّف حيث يريد هو أن يتوقّف، بل علينا أن نستمرّ في خوض المعركة حتى النهاية وهو ما يتطلّب منا أن نؤكّد قولا وفعلا معارضتنا للفساد وإصرارنا على اجتثاثه بتوضيح الطريق للشعب وتقديم المقترحات الملموسة والضغط على الحكومة كي لا تتوقّف في مستوى الخطوة الأولى وفضحها إن فعلت ذلك، دون مبالاة بضجيج الجوقة وأساليبها الرّجعية الخسيسة التي لم تتغيّر منذ زمن بن علي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

5 + 19 =

إلى الأعلى