الرئيسية / صوت الوطن / الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد لماذا انعقدت وبماذا خرجت ؟؟
الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد لماذا انعقدت وبماذا خرجت ؟؟

الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد لماذا انعقدت وبماذا خرجت ؟؟

جيلاني الهمامي

أنهت الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل المنعقدة يوم الخميس 23 نوفمبر الجاري اشغالها بلا شيء على خلاف ما كان مُنتظرا. وينبغي القول منذ البداية إنها انعقدت على جناح السرعة لاتخاذ موقف مما حصل في صفاقس أي من إيقاف الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل بالجهة وثلة من نقابييها بتهم اعتبرت في المنظمة الشغيلة تهما كيدية. لذلك كان متوقعا منها أن تتخذ موقفا في مستوى التحدي.

لقد فهم الجميع من إحالة يوسف العوادني ومن معه على القضاء استهدافا للاتحاد العام. ومن يعرف المنظمة “العتيدة” يعرف أنّ أيّ استهداف لها لا يمكن أن يمرّ بسلام خاصة إذا جاء من السلطة الحاكمة. فالعلاقة بين الحكم (الحكومة والحزب الحاكم أو رئيس الدولة) وبين اتحاد الشغل كانت على الدوام محكومة بثنائية التنافر والتواطؤ. وكانت علاقة “الإخوة الأعداء” كثيرا ما انتهت الى اصطدامات عنيفة وصلت أوجها في 26 جانفي 78.

لذلك ترسخت فكرة لدى الجميع أنّ كل تحرش من قبل السلطة يفهم منه مباشرة لدى النقابيين وعموم النشطاء السياسيين والمهتمين بالشأن العام مؤشرا على بدء حملة جديدة قد تنتهي كالعادة بمواجهة بين الطرفين.

هذه المرة حصل نفس الانطباع. وربما “تغذى” بالقناعة الواسعة لدى الجميع تقريبا بأنّ حرب قيس سعيد على الأجسام الوسيطة، وهو ركن من أركان نظريته السياسية إذا جاز القول بأنه له نظرية، لا يمكن أن تقف عند بعض الأحزاب السياسية وبأكثر تدقيق لا يمكن ألا تشمل الاتحاد العام التونسي للشغل لأكثر من سبب واعتبار.

في كلمة كان انعقاد الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد بشكل مستعجل واستثنائي الغاية منه تدارس سبل الرد على الاعتداء الذي حصل في جهة صفاقس. وكما سبق قوله كان من المنتظر أن يقع الرد على التصعيد بتصعيد مضاد. ما معناه أنّ علاقة جسّ النبض قد تنتقل الى مرحلة جديدة. ولكن ماذا حدث؟؟

انعقدت الهيئة الإدارية وفيما كان قرار الإضراب العام أو الإضرابات القطاعية الدورية يطبخ جاء قرار إخلاء سبيل يوسف العوادني ورفاقه، حركة كان لا بد من التعمق في دراسة دلالاتها ليغير مجرى النقاش ويذهب به مذهبا آخر. لأنّ الحالة اصبحت تتطلب وقتا للخروج باستنتاجات متزنة وناتجة عن تبصر في أسباب استهداف الاتحاد ثم التراجع بسرعة.

هذا الطارئ قلب مسار النقاش داخل الهيئة الإدارية الوطنية فانتقل، بحسب ما رشح من داخل قاعة الاجتماع، من البحث في سبل الرد على الحكومة إلى تقييم واقع الاتحاد. وفي هذا الباب برزت ثلاثة توجهات أساسية. يركز الأول على ضعف الاتحاد وتراجع قدرته التعبوية وحالة الوهن التي عليها الهياكل من فوق إلى تحت وتردي الوعي وانتشار اللامبالاة والعزوف وروح الاستقالة. ويوعز البعض هذه الحالة إلى عملية اختراق خفية قام بها قيس سعيد للمنظمة النقابية.
في المقابل من ذلك مازال البعض من قياديي الاتحاد يعتبر أنّ المنظمة لم تفقد شيئا من إمكانياتها وأنها مازالت فعلا “أكبر قوة في البلاد” وأنها قادرة على المواجهة كل ما في الأمر وجب توحيد الصفوف وتنقية المناخات الداخلية.

أما الموقف الثالث الذي يقف موقف وسط بين التوجهين السابقين والذي يحاول أن يمسك بالعصا من وسطها ويؤلف الجسم النقابي (القيادي خاصة) في رؤية تجمع بين الاعتراف بالأخطاء التي خلفت لا محالة آثارا سلبية على قدرات المنظمة وبين الاعتداد بما يمكن لها التعويل عليه من قدرات نضالية لاستنهاض الهياكل والمناضلين في مثل هذه الأحوال وغيرها.

هذا الجدل الذي لم يكن مبرمجا وفرض نفسه بعد أن تنفست القيادة الصعداء إثر إطلاق سراح الموقوفين عكس إلى حد بعيد الخلافات داخل الصف النقابي (الصف القيادي أساسا). خلافات لم يسبق أن طرحت على طاولة الحوار النقابي بقدر ما كانت تفوح رائحتها في التعاليق الجانبية وكما يقال في “التراكن”. ولكن طرح هذه الخلافات اليوم على هذه الشاكلة لم يكن هو الأسلوب الأسلم بالنظر إلى كونه نشأ بشكل عفوي ولم يكن مؤطرا بأهداف مسبقة وواعية. وحتى التعبير عن مختلف المقاربات المذكورة إنما جاء لتبرير التهدئة والنزوع إلى التسوية مع نظام الحكم.

الملاحظ من خارج الفضاء النقابي للمسار الذي بات عليه اتحاد الشغل اليوم لا يجد عناء في معاينة حالة الارتباك التي عليها القيادة الحالية والتي رغم كل ما يمكن ان تتبجح به من وحدة وتضامن (على الأقل حسب ادعاء البعض من أعضاء القيادة) تبدو مفككة أكثر من أيّ وقت مضى. وتبدو نتيجة لذلك قد فقدت الكثير الكثير من قوتها وسلطتها المعنوية والهيكلية. ولعل قرار ثلاثة اتحادات جهوية بالانسحاب من الهيئة الإدارية (مدنين وقفصة وسيدي بوزيد وكان يمكن أن يصل العدد الى خمسة لولا تراجع اتحادين جهويين في آخر لحظة) علامة دالة على هذه الحقيقة.

ما يبعث على التفكير بل ربما الحيرة هو التناقض العميق بين ما تحتاجه البلاد وما هو وارد حصوله في المدة القادمة. فمن جهة تسير البلاد نحو أوضاع أصعب من الناحية الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية (انظر تبعات الميزانية الجديدة) وهي تحتاج إلى منظمة نقابية قوية تأخذ على عاتقها تمثيل المجتمع والدفاع عنه وبين دخول الاتحاد في مسار معاكس، مسار أزمة داخلية من نوع جديد – لم يسبق أن عاشها من قبل تتهدد – مستقبله بشكل جدي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

16 − ثلاثة عشر =

إلى الأعلى