لم تكن بداية العام الجديد سارّة لشعب فنزويلا وشعوب أمريكا الجنوبيّة والعالم قاطبة، ففي الثماني وأربعين ساعة الأولى لانطلاق السنة الجديدة قامت القوات العسكريّة الأمريكيّة بهجوم على كاراكاس، عاصمة فنزويلا، ونفّذت عمليّة اختطاف رئيس الدولة نيكولاس مادورو وزوجته تحت جنح الظلام ونقلتهما على متن باخرة إلى الولايات المتّحدة بعنوان محاكمتهما بجرائم حقّ عام. وقد سقط في هذه العمليّة العشرات من القوات المسلّحة والأمنيّة المتواجدة في محيط القصر. وبهذه البلطجة “الهوليوديّة” تكون عصابة ترامب الإجراميّة قد أدخلت العالم في طور جديد من الصراع الذي لا يحدّه قانون ولا مؤسّسات ولا أعراف حكمت ولو بشكل نسبي العلاقات الدولية منذ الحرب العالميّة الثانية، صراع عنوانه الأكبر القوّة الغاشمة والأقوى هو صاحب الحقّ في أن يفعل ما يريد في أي مكان دون احترام لسيادة الدول وهو ما يضع العالم على كفّ عفريت.
إنّ ما حدث فجر 3 جانفي في كاراكاس هو انعطافة مهمّة في سلوك العصابة الفاشيّة الحاكمة في واشنطن من أجل وضع اليد على مصادر الطاقة والمعادن والأسواق والمواقع الاستراتيجيّة، ومن جهة ثانية من أجل ضرب أي نزعة تحرّريّة ترفض التبعيّة التي يعتبر نظام فنزويلا أحد ممثّليها منذ وصول الرئيس شافيز إلى السلطة وتأميمه النفط في بلد يحوز أكبر احتياطيّ من هذه الثروة. وثالثا من أجل التصدي للتواجد الصّيني والروسي في منطقة يعتبرها اليانكي ملكا حصريّا له بعد أن أعلن المجرم ترامب استعادة إدارته “عقيدة مونرو” التي تعتبر غرب الكرة الارضية أي مجمل القارة الامريكية فضاء حصريا للولايات المتحدة.
في هذا السياق لم يتردّد ترامب في الحديث عن كون نفط فنزويلا هو نفطه كما لم يتردّد في التّصريح بأنّ الخطوة القادمة ستكون كولومبيا وكوبا والمكسيك لإعادتها إلى “الزريبة” الأمريكيّة وإقصاء أي حضور صينيّ أو روسيّ منها. ولم يتوقّف ترامب عند ذلك بل ذكّر من جديد بأنّ قواته جاهزة للاستيلاء على جزيرة غرينلاند الغنيّة بالمعادن وافتكاكها من الدانمارك، كما صرّح بأنّ إيران، حليف الصين وروسيا في منطقة الشرق الأوسط، تبقى في مرمى نيران جيشه لأنّها “نشاز” في وضع إقليمي تحت السيطرة الأمريكيّة الصهيونيّة.
إنّ ما يعبّر عنه ترامب وما يمارسه هو العربدة الفجّة وإرهاب الدولة وإيذان بمرور الامبرياليّة الأمريكيّة بقيادة العصابة النازيّة الترامبيّة إلى السرعة القصوى في محاولة استعادة سيطرتها على ما خسرته من نفوذ في مواجهة منافسيها الامبرياليين الآخرين، الصيني والروسي، وإعادة ترتيب العالم على مقاس مصالحها، وهي التي تمرّ بأزمة خانقة يمثّل ارتفاع المديونيّة غير المسبوق أهمّ تمظهراتها. وهو ما من شأنه أن يؤجّج الصراعات الامبرياليّة في مختلف أنحاء العالم ويضعه من جديد على حافة حرب مدمّرة قد تؤذن هذه المرة بإفنائه تماما أو العودة به إلى عصور غابرة.
إن مجرم البيت الأبيض لا يتوانى، بعد اختطاف الرئيس الفنزويلي، عن التهديد باختطاف أيّ رئيس آخر ومحاكمته، كما أنّه لا يتوقّف عن التهديد بالتدخل في إيران بعنوان “حماية المتظاهرين”. وبالإضافة إلى ذلك فقد أعطى مهلة للتدخّل العسكري من أجل افتكاك غرينلاند التي “تحتاجها الولايات المتحدة”. وهذه كلّها علامات تحوّل مهمة في السياسة الدولية، تحوّلات تقابلها القوى الامبرياليّة الصاعدة، أي الصين وروسيا، بمحاولة الاحتواء حتى تحسين شروط التصادم خاصة من جهة الصين التي ظلت سياستها تدور حول الصعود والسيطرة والإخضاع الناعم، أي اعتماد الوسائل الاقتصادية والتجاربة والمالية مع العمل على تدارك التخلف في مجال التسلّح، مقابل الأدوات العسكرية الأمريكية التي تعتمد ترسانة متفوقة كمّا ونوعا وخاصة من جهة القواعد العسكرية المنتشرة في كل العالم. أمّا اللاعب الأوروبي فتراجعه، رغم الارتفاع الكبير في ميزانيته العسكرية لهذا العام، أصبح لافتا والدليل هامشية دوره في الملف الأوكراني على حدوده الشرقية.
إنّ العالم يعيش اليوم مخاضا صعبا في صراع القوى، وصراع الامبرياليّة مع الشعوب لإخضاعها. وما من شكّ في أنّ الطبقة العاملة العالمية والشعوب ليس لها من خيار إلّا التصدّي لمنطق العربدة والبلطجة والعدوان والإخضاع. إنّ مصلحة العمال تكمن في التخلّص من حكم رأس المال كما أنّ مصلحة الشعوب والأمم المضطهدة هي في الدفاع عن سيادتها ومقدراتها واستقلال قرارها كما الدفاع عن حقّها في اختيار من يحكمها لا أن يفرض عليها الأتباع الذليلون وخدم الامبرياليّة، سواء عبر انقلابات أو عبر آليات انتخابية مشبوهة ومتحكم فيها. إنّ عمال العالم وشعوبه لا خيار أمامهم إلا تنظيم النضال والمقاومة، فكلفة الخضوع غالية جدا. إنّ الجبهة العالمية لمناهضة الامبرياليّة والحرب هي مهمة عاجلة أمام القوى الثورية والتقدمية في العالم للتصدي للفاشية الجديدة بعدوانيتها وعربدتها وزرعها للحروب عبر التدخل المباشر أو عبر الأدوات والوكلاء كما هو الحال في منطقتنا.
إنّ حزب العمال إذ يناهض الامبرياليّة بكل صنوفها، فإنه ينخرط بكل قواه في النضال الأممي والإقليمي والوطني ضدها. فليكن انتهاك سيادة فنزويلا منعرجا لنضال كل الثوريّين في العالم لا من أجل إطلاق سراح الرئيس مادورو وزوجته ورفع اليد عن فنزويلا بل أيضا من أجل التصدي الواسع لكل أشكال التدخل والعدوان التي تعيش تحت وطأتها العديد من بلدان وفي مقدمتها بلدان منطقتنا وعلى رأسها فلسطين أو التي تتهدّد بلدانا أخرى في أمريكا الجنوبية وفي منطقتنا أيضا.
صوت الشعب صوت الحقيقة
