نحن سلطة مضادة لكلّ هذه السلطات ولسنا مجرّد سلطة رابعة خاضعة لأيّ منظومة سياسية
حاورته شيراز بن حسين
في أكثر من مناسبة حذّرت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين بأنّ الحقوق التي ناضلت من أجلها أصبحت اليوم مهدّّدة بشكل غير مسبوق منذ الثورة، ولعلّ التقارير الشهرية التي تنشرها في علاقة بالاعتداءات وبيانات التنديد بتواصل سجن عدد من الصحافيين وتتّبع صحافيين آخرين بسبب تدوينات أو تصريحات أو أعمال صحفية ينذر فعلا بخطر حقيقي يتهدّد المهنة الصحفية التي تواجه اليوم تنكّرا من السلطة القائمة لوعودها الانتخابية في ضمان حرية التعبير والصحافة أو هرولتها في فرض التعليمات والتعيينات الفوقية والصنصرة والرقابة المسبقة.
وفي تقييم لواقع قطاع الصحافة وحرية التعبير خلال سنة 2025، أجرت “صوت الشعب” حوارا مع السيد زياد دبار، نقيب الصحفيين التونسيين.
مع نهاية سنة 2025 وبداية سنة إدارية جديدة، كيف تقيّمون واقع حرية التعبير؟
في علاقة بواقع حرية التعبير بصفة عامة، فيمكن الحديث على مستوى القوانين أوّلا وثانيا على مستوى الوضع الحالي عن طريق ممارسة المهنة الصحفية بالأساس. ففي الجانب التشريعي لاحظنا النزعة القضائية نحو تطبيق المرسوم 54 ومجلّة الاتّصالات في قضايا الرأي خاصة، ويتمّ تطبيق المجلّة الجزائية وقانون الإرهاب فيما يتعلّق بالأعمال الصحفية التي يقوم بها بعض من زملائنا (قضية غسان بن خليفة مثالا)، وفي المقابل لم يتمّ تطبيق المرسوم عدد 115 وهو المنظّم للمهنة الصحفية والمكسب التشريعي الوحيد لمهنتنا بعد الثورة، في حين أنّ السلطة الحالية وعلى رأسها رئيس الجمهورية تعدّ أكثر سلطة قد انتفعت بقانون الحريات أو بهذا المرسوم (115) حيث انتفعت به سابقا في إطار الحملة الانتخابية ونشاطها السياسي وترفض اليوم تطبيقه على غيرها بتعلّة فرض الانضباط، وبالتالي فإنّ وضع حرية التعبير في تونس وضع صعب ومعقّد وهناك سياسة انتقائية لدى الأجهزة القضائية حيث نرى أنّ كلّ من تمّ الحكم ضدّه ومقاضاته عبر المرسوم 54 جلّهم من المنتقدين للسلطة وطبعا ننّوه أنّنا لا نريد تطبيقه حتى ضدّ أبواق السلطة لكنّ السياسية الانتقائية للقضاء التونسي تطرح أكثر من إشكال في هذا المجال.
ما هو تقييمكم أيضا في علاقة بحرية الصحافة؟
إذا تحدّثنا عن واقع الصحافة خلال سنة 2025 وفي علاقة بالأرقام والاعتداءات وصعوبة النفاذ إلى المعلومة وحرمان الصحافيين من بطاقة الصحفي المحترف التي تعدّ سابقة أولى، فقد أصبحنا اليوم نبحث عن المعلومة في الإعلام الأجنبي (مثال ذلك الجدل حول الاتفاقية العسكرية بين تونس والجزائر والظهور الإعلامي للرئيس الجزائري للحديث عن ذلك)، ما يعني وجود إشكال اتصالي على مستوى أجهزة الدولة وانغلاقها على نفسها.
انتهت السنة الإدارية السابقة وعدد من الصحافيين والإعلاميين ما زالوا في السجن. كيف تعلّق على ذلك؟
انتهت سنة 2025 وكلّ من الصحفيين مراد الزغيدي وشذى بالحاج مبارك والمعلّق برهان بسيس في السجن. ما حدث سابقة تاريخية تقريبا، حيث أنّ الصحفي مراد الزغيدي والمعلّق بسيس أحيلا في مناسبة أولى على المرسوم 54 وصدر حكم قضائي ضدّهما، ثم وفي فترة سجنهما يتمّ إضافة قضية أخرى لهما (تبييض أموال التي تحوّلت فيما بعد إلى خلاف جبائي) وهو ما يطرح حقيقة عدّة إشكاليات باعتبار أنّ الزملاء المذكورين لا يمثّلان أيّ خطر حقيقي على المجتمع، حيث إنّ الخلاف الجبائي وبعد دفع الأموال المطلوبة أن يتمّ إطلاق سراحهما وطبعا هذا لم يحدث. ولذا نعتبر أنّ ما يحدث مشهد عبثي وتوجّه قضائي خطير وخاطئ ولا يصلح لاعتبارات عديدة، فالقمع والردع لا يصلح باعتبار ما حدث في الماضي. اليوم هنا استسهال في سجن الصحفيين عبر تطبيق المرسوم 54 وقوانين أخرى قديمة ولا نستغرب اليوم أن يتمّ تطبيق قوانين صدرت عهد البايات باعتبار ما سبق وذكرت، فقضايا الرأي والهامش الأساسي للمحاسبة لا يكون إلاّ عبر المرسوم 115 وعدى ذلك فهو يعتبر تهديد وانحراف قضائي خطير بالأساس.
ذكرتكم سابقا أنّكم تواجهون اليوم وضعا غير مسبوق في تاريخ المهنة. لو تشرح لنا كيف ذلك؟
إنّ مهنة الصحافة تواجه وضعا غير مسبوق لعدّة اعتبارات وعبر قراءة واقعية لقطاع الصحافة اليوم، فنحن اليوم أمام ولأوّل مرة في تاريخ الجمهورية التونسية لدينا صحفيين داخل السجن بموجب المرسوم 54 على خلفية تصريحات أو تدوينات، أيضا نحن اليوم نعيش فراغا مؤسساتيا كبيرا عبر تجميد الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا) ولا نعلم إلى اليوم الأسباب التي تقف وراء قرار التجميد. وعندما تغيب الهيئة التعديلية تحضر الفوضى وهو ما نعيشه اليوم فعلا في المشهد الإعلامي. بالإضافة إلى غياب رؤية الدولة إلى قطاع الصحافة والإعلام حيث غابت مشاريع الإصلاح في الإعلام العمومي الذي يخضع إلى ضغوطات من السلطة وغابت كلّ إرادة لإصلاح هذا القطاع وتعمّقت الأزمة عبر حرمان الصحفي/ة من بطاقة هويتهم (بطاقة الصحفي المحترف)، وحرمان الصحفيين بوسائل الإعلام الأجنبية من التراخيص المتعلّقة بالتصوير في حين أنّ بطاقة الاعتماد التي يتحصلون عليها من مصالح رئاسة الحكومة كافية ولا ندري لماذا يطلب منهم تراخيص للتصوير في الفضاء العام. هذا الوضع غير المسبوق أيضا يرتكز على اندثار وإغلاق المؤسسات الإعلامية المكتوبة والسمعية والبصرية، وهناك تقريبا خطر كبير حيث إنّ 80 % من المؤسسات الإعلامية أغلقت بسبب أزمات اقتصادية أو أخرى. وما يعيشه القطاع من مشاكل هيكلية قد عقّد الوضع أكثر بمشاكل ظرفية. وأمام رفض الحكومة التونسية كلّ صوت ينادي بإصلاح القطاع وانغلاق الحكومة على نفسها ورفضها لكلّ محاولات الإصلاح وتعطيلها نشر الاتّفاقية الإطارية، وكلّ هذا الوضع يتنافى مع تصريحات السلطة الحالية التي ترفع شعارات الثورة المركزية وشعارات الإصلاح، ولكن نراها تعقّد الوضع وتهدم ما تمّ بنائه، بل إنّ تصريحاتها في وادي وحقيقة الوضع في وادي آخر.
كيف تقيّم النقابة أداء وسائل الإعلام خلال سنة 2025 وماهي أكبر التحدّيات للسنة الجديدة؟
لا يجب أن نتحدّث عن تقييم المؤسّسات الإعلامية بشكل عمومي، بل بشكل موضوعي. فاليوم نعيش معاناة يومية في نشر الأخبار والتثبّت منها نظرا لانغلاق الطرف الحكومي على نفسه ورفضه الإدلاء بالتصريحات في علاقة بعدّة مواضيع وأصحبنا أمام صعوبة كبيرة في النفاذ والحصول على المعلومة. أيضا غابت البرامج السياسية ونسبة كبيرة من البرامج الموجودة لا نرى فيها تمثيلا للمعارضة باستثناء برنامجين إذاعيين، كما لاحظنا سيطرة الرأي الواحد وغياب الرأي الآخر، وعودة البروبغندا والصنصرة في وسائل الإعلام خاصة منها الصحافة المكتوبة، وعدنا تقريبا إلى هذه العادة السيّئة عبر التعليمات الفوقية فيما يتعلّق بتغطية الأحداث وذلك بالتركيز على مواضيع معيّنة دون أخرى، مثال ذلك ما حدث في تحرّكات قابس ومظاهرات الاتحاد العام التونسي للشغل، حيث تغيّب الإعلام العمومي خاصة مؤسسة الإذاعة التونسية عن المواكبة والتغطية وأحيانا تتأخّر مؤسسة التلفزة التونسية عن التغطية. ونرى أنّ عودة التعليمات في التغطيات الصحفية بتعلّة الحفاظ على الأمن ووجود شخصيات معارضة في تحرّكات أو تظاهرات يذكّرنا بما كان يحدث قبل الثورة، حيث كان الإعلام حكوميا وليس عموميا وناطقا رسميا باسم النظام في حين أنّه كان الأجدر أن يكون ممثّلا للدولة التونسية وليس النظام. وما يعيشه القطاع اليوم وضعا صعبا جدّا مع غياب أيّ رؤية من جانب الدولة لإصلاحه، وأمام غياب أي إرادة حقيقة للإصلاح قد لا نجد في المستقبل مؤسسات إعلامية جادة ومهنية.
ماهي تطلّعات النقابة خلال سنة 2026 ورسالتكم لمنظوريكم؟
ننتظر من سنة 2026 أن تكون سنة الإصلاح في علاقة بالحريات والوضع الاقتصادي والاجتماعي للصحافيين. وهنا أتوجّه إلى كافة زميلاتي وزملائي إلى مزيد التضامن ورصّ الصفوف من أجل الدفاع عن المهنة باعتبار أنّنا نعيش اليوم أخطر المراحل، فالتهديدات ليست فقط سياسية بل تهديدات اقتصادية وتكنولوجية، ولذا علينا أن نكون اليوم أكثر تضامنا فيما بيننا وأن نكون مقتنعين بأنّ مهنتنا يجب أن تصمد وتقاوم من أجل دورها الأساسي في إخبار المواطن التونسي بما يحدث في بلاده وأيضا من أجل ممارسة دورنا الرقابي، فنحن سلطة مضادة لكلّ هذه السلطات ولسنا مجرّد سلطة رابعة خاضعة لأيّ منظومة سياسية.
صوت الشعب صوت الحقيقة
