الرئيسية / عربي / الرجعية العربية شريك في العدوان على إيران
الرجعية العربية شريك في العدوان على إيران

الرجعية العربية شريك في العدوان على إيران

بقلم علي الجلولي

لسنا في حاجة إلى كثير من البحث عن أدلة تؤكد شراكة وتورط الأنظمة العربية وعلى رأسها أنظمة الخليج في العدوان على إيران. العدوان الذي لم يتوقف منذ سنوات في إطار السعي المحموم لإعادة تشكيل خرائط المنطقة بما يؤبّد سيطرة الامبريالية العالمية وعلى رأسها الامبريالية الأمريكية التي تتصرف في المنطقة باعتبارها حديقة خلفية وباعتبارها مرتكزا أساسيا من مرتكزات الهيمنة والنفوذ في العالم بأكمله. لقد ظلت منطقة “الشرق الأوسط” لقرون متتالية فضاء للصراع الدامي باعتبارها قلب العالم ورئة طرقاته البحرية الرابطة بين الجهات الأربع، ثم بحكم مقدراتها الباطنية وخاصة الطاقية (النفط والغاز) التي تعتبر أحد مرتكزات استمرار النظام الرأسمالي العالمي. لقد كانت الورقة الحاسمة منذ غابر التاريخ في الهيمنة ووضع اليد هي ضمان ولاء الأنظمة السائدة قبائل وعائلات ودول وهو ما تم تشكيله وفقا لقواعد اللعب في رقعة الشطرنج والتي عرفت ذروتها بداية القرن المنصرم من خلال اتفاقية ”سايكس-بيكو” (1916) بين القوتين الاستعماريتين السائدتين حينها فرنسا وبريطانيا، وإثر الحرب الثانية بدأ التواجد الأمريكي في التصاعد حتى أصبحت القوة الرئيسية وجودا وتحكما سواء من خلال وجودها المباشر أو من خلال أداتها المتحركة ممثلة في الكيان الصهيوني، أو من خلال علاقة السيطرة الوظيفية على أغلب أنظمة المنطقة وأساسا أنظمة البترودولار. استمرت المنطقة فضاء صراع بين القوى الكبرى ممثلة في الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وهو ما استمر حتى بعد تفكك هذا الأخير من خلال الوجود الروسي الذي تعزز بالقوة الصينية الصاعدة التي ربطت مع الأنظمة التي كانت مرتبطة بالاتحاد السوفياتي ومن بينها إيران التي تحوّلت بعد ثورة 1978 من محمية أمريكية إلى حليف لخصوم الولايات المتحدة. وقد برزت إيران نهاية الثمانيتان بعد حرب الثماني سنوات مع العراق قوة إقليمية وازنة اقتصاديا بحكم ثروتها النفطية وعسكريا بعد اكتساب ترسانة هامة أثناء الحرب التي كانت حربا بالوكالة في جوهرها. عملت إيران على استعادة وزنها ودورها الإقليمي مثلما كان عبر التاريخ الفارسي.

موقع إيران في المعادلات الإقليمية

اكتسبت إيران قيمتها وموقعها ودور في معادلات إقليم “الشرق الأوسط” من خلال وزنها وثقلها الجغرافي والبشري ومقدراتها الطبيعية، وهي خصائص جعلتها تلعب دورا نشيطا في الإقليم منذ غابر التاريخ، فمختلف الامبراطوريات الفارسية كانت لاعبا أساسيا في معادلات المنطقة الاقتصادية والسياسية وأيضا الثقافية والحضارية.

تحتل إيران موقعا جغرافيا حيويا أهّلها للسيطرة على مضيق ”هرمز” الذي يعتبر من أهم الممرات المائية في العالم والمتعلقة بمسارات تجارة النفط وانتقاله من المنطقة إلى مختلف أصقاع العالم. لقد لعب صراع إيران من أجل الهيمنة على هذا المضيق دورا حيويا في جعلها قوة إقليمية قادرة على التأثير في تجارة النفط الذي تحوز أرضها مقدرات ضخمة منه جعلها تحوز رابع احتياطي عالمي منه وثاني أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي. إنّ هذه الثروات الضخمة والتي تحوّلت بعد الثورة إلى ملكية الدولة بعد تأميمها ممّا وجّه ضربة موجعة إلى كبريات الشركات الاحتكارية الغربية، وهو ما عززته إيران بمحاولة لعب دور قيادي ومؤثر في منظمة ”أوبيك” للضغط على أسعار الطاقة، ممّا جعل إيران هدفا للسياسات الامبريالية الغربية وهو ما جعلها تتجه إلى التحالف مع الاتحاد السوفياتي ثم روسيا والصين بعد تسعينات القرن المنصرم. هذا وقد عملت إيران بعد تربع آيات الله بزعامة الخميني على الحكم إلى ”تصدير الثورة” ممّا غذّى الصراع مع أنظمة المنطقة وأساسا الخليجية منها الموالية للإمبريالية الأمريكية، وفي هذا الصدد اندلعت حرب الثماني سنوات مع العراق الذي كان مدعوما من أنظمة المنطقة باعتباره جدار صدّ للثورة الإيرانية. وقد حوّلت الحرب البلدين إلى لاعبين إقليميين أساسيين. لكن تحولات العالم بداية تسعينات القرن الماضي اقتضت الإطاحة بنظام صدام حسين الذي تحوّل إلى تهديد جدي لأنظمة الخليج، وهو ما عزز دور إيران التي نسجت جملة تحالفات إقليمية مع سوريا أساسا والحكام الجدد للعراق ومن خلال أنصارها في لبنان ثم لاحقا اليمن ممّا حوّل علاقاتها إلى علاقات مؤثرة، عززتها بعلاقات دعم لفصائل المقاومة الفلسطينية ضمن ما بات يسمّى ”محور الممانعة” ثمّ “محور المقاومة” ممّا أعطى لإيران نوعا من التعاطف الشعبي الواسع عكس أنظمة العمالة العربية التي لم تحز من الشعوب إلا السخط باعتبار مواقفها من مختلف القضايا وخاصة القضية الفلسطينية التي ظلت محرارا للموقف من أي نظام في المنطقة أو خارجها.

الصراع في المنطقة كانعكاس للصراع في العالم

إنّ الصراع الدائر في المنطقة هو انعكاس للصراع الضاري الذي يقابل بين مختلف القوى على المستوى العالمي. إن المنطقة ذات الخصوصيات الجيو-استراتيجية كرّست قاعدة قديمة/جديدة هو كون وضع اليد على المنطقة ومقدراتها هو مسك بأسباب القوة والنفوذ والسيطرة. إن مقدرات الإقليم من ثروات باطنية ومن موقع يجب أن تكون على ذمة هذه القوة أو تلك. وإذا كانت أنظمة الخليج والنظام الرسمي العربي في غالبه خاضع ذليل للإرادة الامبريالية الغربية الأطلسية، فإن ارتباط بلد في حجم إيران بالقوى المنافسة، أي الصين وروسيا، هو أمر مرفوض يجب اتخاذ كل الإجراءات ضده. وبطبيعة الحال فإن الامبريالية على العموم تتحرك بأسلوبين: أسلوب التدخل المباشر من جهة، والتدخل من خلال الوكلاء من جهة أخرى، وفي حالات عديدة يتمّ استعمال الأسلوبين في الآن ذاته، وهو الحال مع إيران التي تتعرض إلى الحصار الاقتصادي والخنق المالي، وإلى الاستهداف السياسي والاختراق الاستخباري والتهديد الأمني والعسكري. لقد شنّ كيان الاحتلال بدعم مادي وغطاء سياسي معلن هجوما على إيران التي لولا صمود آلتها العسكرية وتضامن شعبها في حرب الاثنا عشر يوما، لكان مآل النظام السقوط، وها هي طبول الحرب تقرع اليوم من جديد وهو أمر وارد جدا كما أنه يمكن أن يتعطل بفعل تدخل قوى وملفات للمقايضة بين القوى الكبرى. لكن الثابت دائما هو الدور القذر الذي تقوم به أنظمة العار الشريكة في الحصار والتخابر والاستهداف انخراطا في مقاربة أن العدو الأساسي في المنطقة هو العدو الإيراني، ولا ترى بعض الأنظمة حرجا في الترويج أن الصراع المذهبي والنزوع الفارسي الصفوي الشيعي هو خطر المخاطر في الإقليم ويجب التصدي له بتحالف كل القوى في المنطقة ممثلة في “المحور السني” المتحالف مع كيان الاحتلال ضمن ما بات يعرف بـ “الحلف الابراهيمي” الذي تتزعمه عصابة الحكم في الإمارات وفي كيان الاحتلال والتي تعمل على جرّ مجمل الأنظمة إلى هذه الزريبة خاصة بعد أن لعبت أقذر الأدوار من أجل تقويض “محور المقاومة” من خلال إسقاط نظام بشار في سوريا وتوجيه ضربات موجعة إلى “حزب الله” وتحويل لبنان إلى أرض مستباحة يرتع فيها جيش الاحتلال في واضحة النهار دون رقيب أو حسيب. كما يتمّ محاصرة الحوثيين بحكومات وكيانات مصطنعة في الجنوب هي مجرد دمى عند حكام السعودية أو الإمارات في إطار صراع بينهما مصنوع وموجه أمريكيا لتأبيد خروج بلدان المنطقة عن المعادلات الحقيقية للصراع الإقليمي والدولي، كما تمّ ربط أغلب المليشيات الفاشية العراقية بأنظمة البترودولار رغم عمق الرابطة بنظام طهران. وكما ضغطت الأنظمة العميلة على كيان الاحتلال وداعميه كي تستمر حرب الإبادة حتى يتم القضاء المبرم على المقاومة الفلسطينية باسم “مقاومة حماس والجهاد والإسلام السياسي”، فإنها تضغط اليوم بأقصى قوة من أجل التصدي للشيعة، وهو ما يوظف اليوم كشعار مغالط لإعماء بصيرة الشعوب كي يستمر نهب خيراتها ومصادرة حاضرها ومستقبلها.

أين مصلحة الشعوب في كل ما يجري؟

إنّ السيطرة على مقدرات المنطقة وثرواتها هي الهدف الذي لن يتحقق إلا بإلغاء دور الشعوب وتعميق اضطهادها واستلابها. إنّ الشعوب في بلدان البترودولار هي شعوب مغلوبة على أمرها من طرف أنظمة عائلية فاسدة،عميلة ومستبدة. إنّ هذه الأنظمة تعي جيدا أن استمرارها يتطلب وجوبا إخماد صوت الشعوب ومصادرة حقوقها الاجتماعية والسياسية والثقافية. ومن مفارقات المنطقة هو انخراط هذه الأنظمة ومنصاتها الإعلامية في الهجوم على النظام الإيراني بوصفه استبداديا وقمعيا ودكتاتوريا. إنّ دكتاتورية النظام في إيران لم تكن بالأمس ولا اليوم ولا غدا سببا في استهدافه. إنّ استهدافه مرتبط رأسا بموقعه في معادلات الصراع الدولي لا غير. إنّ استبداد النظام هو قضية حصرية تهمّ الشعوب الإيرانية ولا أحد غيرها، والنضال ضدّه من أجل إسقاطه أو إصلاحه هو شأنها السيادي. إنّ تدخل القوى الرجعية الإقليمية والدولية يشوّش على النضال العادل والمشروع ويخلط الأوراق التي يقع التلاعب بها في مطابخ القرار بالعواصم الكبرى. إنّ الردّ الأكثر تماسكا وجذرية وسلامة هو الاستقلال الكلي لحركة الشعوب ولنضالها الذي بقدر تسلحه بالوعي الطبقي والوطني وبإبداعه لأشكال التنظيم الثورية بقدر حيازته لشروط الظفر والنصر.

إلى الأعلى
×