تحديات الرأسمالية العالمية ورهاناتها في ظلّ إمبريالية تأكل نفسها
بقلم سمير جراي
“كل يوم نتذكر بأننا نعيش في عصر تنافس القوى العظمى، وبأن النظام الدولي القائم على القواعد يتلاشى، وبأن القوي يفعل ما يشاء، والضعيف يعاني ما يجب عليه أن يعانيه”، لم تكن هذه مجرد كلمات لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني، وهو يتباكى على النظام العالمي في منتدى دافوس، بل كان خطابا يتجاوز لغة المجاملة الدولية للرأسمالية المتوحشة إلى مواجهة مباشرة داخل الإمبريالية نفسها مع واقع عالم يتفكك.
من الواضح لنا، أن خطاب مارك كارني في المنتدى، مثّل إقرارا بهزيمة الخيال الليبرالي الفاسد. فحديثه عن نهاية “الوهم المريح” هو اعتراف صريح بأن العولمة والليبرالية التي سوقوا لها كأداة للرفاه، لم تكن سوى سياسة طويلة الأمد بكل أساليب التوحّش البشري لاستنزاف الشعوب. واليوم، حين تستخدم القوى الفاشية التكامل الاقتصادي كسلاح، والتعريفات الجمركية كأداة للإرضاخ، فإنها تثبت أنها لا يمكن أن تكون قد آمنت يوما بالقوانين إلا عندما تخدم هيمنتها، وتنبذها حين يبدأ نموذج “الإمبريالية درجة ثانية” (الصين مثلا) أو القوى الصاعدة بمنافستها وتهديد مصالحها وحتى وجودها.
وتتجلى وراء شعارات “النيّة الحسنة” و”إصلاح الذات” الذي تحاول “إمبريالية دافوس” ترويجها، وحشية النّظم الرأسمالية في طورها الحالي والتي لم تعد تكتفي بنهب ثروات الشعوب ومقدراتها، بل انتقلت إلى مرحلة “رأسمالية الكوارث” وتفكيك الدول الوطنية وضرب سيادتها، وتفقيرها وتدميرها لصالح إقطاعيات عسكرية وتكنولوجية عابرة للحدود.
صراع الإمبريالية في قلاعها ومؤشرات احتضارها
لم يكن دافوس في دورته الــ56 مجرد تجمع سنوي للنخب المالية والسياسية، بل كان “غرفة عمليات” يائسة تحاول رتق ثقوب نظام رأسمالي لم يعد يتصدع فحسب، بل بدأ يلتهم نفسه تحت شعار “روح الحوار”.
هناك بين جبال سويسرا الباردة وفنادقها الفخمة وحاناتها المزيّنة بالنبيذ المخصص لأغنياء العالم، اجتمع “مصاصو الدماء”، ليس لتقديم حلول للبشرية، بل لمحاولة إدارة “فوضى واقعهم المتهالك”، واقع سقط فيه قناع النظام الدولي القائم على القواعد ليكشف عن الوجه القبيح للإمبريالية في طورها الأخير.
لقد كشف “منتدى التوحّش” عن أزمة بنيوية لم تعد تنفع معها الترقيعات التقليدية. حين يعترف قادة مؤسسات كبرى مثل “بلاك روك” بأن النظام لم يعد يوزع الثروة بعدالة! حيث يغتصب 10% من سكان العالم 75% من ثرواته أو أكثر، فنحن لا نتحدث عن خلل سياسي، بل عن جرائم منظمة، حولت العالم إلى مجرّد هامش من الفقر والمعاناة والموت، مقابل جزر من الثراء الفاحش، مما أدى إلى بلوغ الاستقطاب الطبقي ذروته.
رهانات الرأسمالية الخاسرة.. الهروب إلى الأمام في نفق الأزمات الهيكلية
الرأسمالية العالمية اليوم لا تعاني من أزمة عابرة، بل تعيش أزمة وجودية تحاول الالتفاف عليها عبر رهانات خاسرة.
في نظرنا، كشف منتدى دافوس عن “عقلية المقامر” التي تسيطر على النخبة الإمبريالية، فهي تدرك حجم التصدع لكنها تراهن على أدوات ليست إلا جزءا من الأزمة. وباختصار شديد، نلخصّ رهانات وتحديات الرأسمالية المأزومة في أربعة محاور استراتيجية، أولا، رهان “الحوكمة الرقمية” (الذكاء الاصطناعي كأداة جديدة للنهب) ونجزم أن الرأسمالية تراهن على الذكاء الاصطناعي ليس لتحرير الإنسان، بل لتعويض تناقص معدلات الربح وتشديد الرقابة الطبقية. ومن الواضح أن هذه التكنولوجيا تهدد بتشريد الملايين من القوى العاملة. ثانيا، رهان “الانتقال الطاقي” (الاستعمار الأخضر) فالتحول الأخضر يعدّ الرهان الأكبر للرأسمالية لإعادة تدوير نفسها. والخطر يكمن في أن هذا الانتقال يتطلب المزيد من النهب لموارد الجنوب، ولا شكّ أنهم يراهنون على “رأسمالية المناخ” لفتح أسواق جديدة. أما ثالث الرهانات فهو “إعادة عولمة السياسة” وعسكرة الاقتصاد، وأمام صعود القوى الناشئة وتفكك العولمة التقليدية، تراهن الإمبريالية (بقيادة واشنطن) على عسكرة العلاقات التجارية. وسياستهم هذه تؤدي حتما إلى تضخم ينهش القوة الشرائية للشعوب داخل الدول الرأسمالية نفسها، ورابعا وربما الأهم، هو رهان “تخدير النزاعات” فمع مواصلتها نهج إشعال الحروب لبيع السلاح والسيطرة على ممرات الطاقة، تراهن الرأسمالية في دافوس على منصات مثل “مجلس سلام” لغزة أو أوكرانيا لإعطاء انطباع زائف بالاستقرار. والحقيقة أن هذه الأطر تفتقر للشرعية والعقلانية لأن “السلام” يتناقض جوهريا مع حاجتهم كمصدرين للسلاح إلى دوامة العنف لضمان تدفق الأرباح.
إن هذه الرهانات ليست إلا محاولات يائسة لربح الوقت، والمراهنة على “الابتكار الفاشي” لحل أزمات هي في جوهرها سياسية وطبقية، ستفاقم أزمات الرأسمالية العالمية.
من الإبادة في غزة إلى اختطاف السيادة في فنزويلا
لا يمكن قراءة دافوس بمعزل عن الدماء المُراقة في بؤر الصراع التي تمولها الضرائب المسلوبة من كادحي أوروبا وأمريكا. وبينما يتحدثون في سويسرا عن “مجلس السلام” لغزة، تستمر الآلة العسكرية الرأسمالية في ضخ السلاح والدمار. وبينما يتباكون على سيادة الدول، يبارك المنتدى بكل صفاقة القرصنة السياسية واختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته، في مشهد أعادنا إلى عصور الاستعمار المباشر والبلطجة الدولية.
هذه الفاشية التي يمثلها تيار ترامب، ورؤوس الأموال التي تدير العالم من خلف الكواليس، وصلت إلى طريق مسدود. فالحرب الروسية الأوكرانية، واضطرابات أسواق الطاقة، ليست سوى تجليات لتناحر اللصوص على تقاسم الغنائم.
وفي كواليس قاعات دافوس حيث لا تراقب عدسات المصورين، يرتجف قادة الرأسمالية من صعود تيارات الرفض والحركات الاحتجاجية عبر العالم مثل “احتلوا دافوس” و”احتلوا وول ستريت”، والانتفاضات الجماهيرية ضد سياسات التفقير، فهي نذير الشؤم الحقيقي لهم، بنهاية هذا النظام الفاسد.
نحو نظام جديد.. الاشتراكية كضرورة للبقاء
إن ما سمعناه من تصريحات، وخاصة بكائيات كارني وماكرون وفاشية ترمب، تفرض علينا استنتاجا واحدا، إن بقاء الجنس البشري وازدهاره أصبح مشروطا بزوال النظام الرأسمالي. وأن الاشتراكية القائمة على الديمقراطية الشعبية والعدالة الاجتماعية لم تعد مجرد شعارات ولا “يوتوبيا” أو خيارا فكريا، بل أصبحت “ضرورة تاريخية” لإنقاذ الإنسانية من الانهيار الوشيك.
إن جزءا من الجوهر الحقيقي لتوحش الإمبريالية اليوم هو رأسمالية المنصات والإقطاع الرقمي الجديد، فالشركات الكبرى (مثل شركات إيلون ماسك، وأمازون، وجوجل، وميتا..) لم تعد مجرد شركات، بل أصبحت “دولا سحابية” أقوى من الحكومات. وتقوم هذه الشركات في الجنوب العالمي، باستعمار البيانات ليجري استخراج بيانات الشعوب المضطهدة مجانا لتحليل سلوكها والتحكم في خياراتها السياسية والاقتصادية، تماما كما كانت تُستخرج المعادن قديما، فضلا عن تحطيم السيادة النقدية عبر العملات الرقمية والأنظمة المالية المشفرة، وتسعى الرأسمالية لإضعاف قدرة دول الجنوب على التحكم في عملاتها الوطنية، مما يجعل الشعوب رهينة لـ “خوارزميات” تُدار من وادي السيليكون، قطب التكنولوجيا الأميركية.
ويبقى الاتفاق الضمني للرأسمالية هو إبقاء الجنوب العالمي في حالة “عدم استقرار دائم” عبر تغذية الحروب الأهلية والاضطرابات، لتكون مناخا مثاليا لشركات السلاح والتنقيب لنهب الموارد بعيدا عن أي رقابة قانونية أو بيئية. ويريد الشمال الرأسمالي أيضا من الجنوب أن يظل “رئة خضراء” لا تُنتج، بينما يستمر هو في قيادة الصناعات التكنولوجية الملوثة التي يتم نقل مصانعها القذرة أصلا إلى دول الجنوب هربا من القوانين البيئية الصارمة في أوروبا وأمريكا.
هل ينتهي عصر الظلام الرأسمالي؟
لقد كان دافوس “مرآة للانكسار” وكشف أن النظام الإمبريالي العالمي يتفكك من الداخل، وأن “أزمة الثقة” التي يتحدثون عنها هي في الحقيقة أزمة موت سريري، فالقوي اليوم يفعل بالضعيف ما يشاء، ولكن التاريخ علمنا أن تراكم المعاناة يولّد الانفجار.
ختاما، قادة دافوس يمارسون “غسيل السمعة الاستراتيجي” فهم يروّجون لتوزيع الثروة، فقط لأنهم يخشون النهاية والانفجار الشعبي الذي يلوح في عدة مناطق من العالم.
صوت الشعب صوت الحقيقة
