الرئيسية / الافتتاحية / وثائق ابستين أو في حقيقة القيم الامبريالية
وثائق ابستين أو في حقيقة القيم الامبريالية

وثائق ابستين أو في حقيقة القيم الامبريالية

يتابع العالم بكل سخط وقائع ما بات يعرف ب”فضيحة ابستين” والتي سماها بعض المتابعين فضيحة القرن. ويتعلق الأمر بأطنان من الوثائق قرّرت وزارة العدل الأمريكية نشرها للعموم في إطار ما يعرف بـ”قانون الشفافية” الذي أقرّه الكونغرس الأمريكي. و تتمثّل الوثائق المنشورة في 3 ملايين صفحة و180 ألف صورة و 2000 مقطع فيديو، هي جزء من الملف القضائي للملياردير الأمريكي “جيفري ابيستن” التي توثّق، ضمن مخطّط استخباري على ما يبدو، ما كان يجري في جزيرته من وقائع. وقد سبق أن أوقف المعني بالأمر سنة 2019 ووجهت إليه تهم الاتجار الجنسي ويرجّح أنّه انتحر في السجن قبل أن تتمّ محاكمته.

أما عن الوثائق المنشورة فتبين بالصوت والصورة والكتابة ما كان يجري في تلك الجزيرة من فظائع جنسيّة أغلب ضحاياها من الأطفال. وهي فظائع كشفت حقيقة الأخلاق و القيم الليبراليّة المتوحّشة وعرّت حقيقة حكام العالم وأثرى أثريائه الذين استقطبهم الملياردير إلى جزيرته. لقد وثقت الصور ومقاطع الفيديو وحشيّة المتربّعين على عرش المسرح الاقتصادي و المالي والسياسي والإعلامي في مختلف أنحاء العالم. يعرف الناس صادية هؤلاء من خلال كم الاضطهاد والعدوان والحروب والنهب الذي يسلطونه على العمال والكادحين والأقليات في بلدانهم، وعلى الشعوب والبلدان الضعيفة والمفقّرة والتابعة. أما الوثائق المنشورة فهي تكشف الوجه الآخر لهذه الأوساط التي لا تملك من الإنسانية إلا الاسم والقشرة ومن القيم والمبادئ إلا مظاهر الرياء والتبجح أمّا الضحايا فهم ليسوا من أطفال ونساء بلدان وشعوب أخرى بل من أطفال ونساء الولايات المتحدة الأمريكية نفسها وهو ما يثبت الارتباط القوي بين ما يفعلونه في الداخل والخارج فالوحش وحش هنا وهناك.

لقد بينت الوثائق حقيقة ترامب وكلينتون وأضرابهما من الامبرياليين بما فيهم قادة الكيان الصهيوني مثل المجرمين نتنياهو وإيهود باراك، وأيضا من حكام العمالة العرب والخليجيين ذوي الباع والذراع في كل مظاهر البذخ والشذوذ وتبذير الثروات الطائلة في حياة القصور والمجون. وقد أكّدت وزارة العدل الأمريكية أن ما تم تسريحه من وثائق هو مجرد جزء من هذا الملف الذي يتجه عديد المتابعين إلى اعتباره فصلا من فصول معارك اللوبيات وكتل الاحتكاريين وكارتلات كبار التجار وأصحاب المال والأعمال، وأنها مازالت تتحفّظ على ما لا يقلّ عن ثلاثة ملايين وثيقة أخرى .هذه الاوساط التي تعيش الانهيار القيمي في حياتها اليومية وأيضا في علاقاتها ببعضها البعض. إن صراع اللصوص يكشف عن المسروق، وهاهو صراع الديكة يعري حقيقتهم أمام العالم.

إنّ الأمر لا يتعلّق بسلوك أفراد معزولين ومنحرفين وإنما بسلوك طبقة، البورجوازية الاحتكارية وطغمتها المالية المسيطرة على البنوك والتكنولوجيا والتجارة والإعلام والعلاقات الدوليّة والتي لم يعد لها ما تقدّم إلى البشريّة غير الدمار والحروب والانحطاط الأخلاقي والقيمي. هذه هي الحقيقة فهل تستخلص الشعوب وجموع الكادحين ما يجب استخلاصه حول طبيعة عدوهم الطبقي والوطني؟ لقد كشفت وثائق “ويكيليكس” حقيقة عديد الحكومات والنشطاء والمنظمات، كما كشفت وثائق الجنات الضريبية حقيقة اللصوص والمهربين والمتهربين والمبيضين في العالم وحتّى في بلادنا. وها هي الوثائق الأخيرة تعرّي وجها آخر من وجوه مصاصي الدماء و اللصوص العالميين العفنين والمنحطّين.

إن قناعتنا عميقة بأن ما نشر ليس يكشف الأخلاق والقيم البرجوازية في نسختها الامبريالية. إنّها الأخلاق التي تعود بالانسانية إلى ماضيها المتوحّش. أما المستقبل الأخلاقي الإنساني فلن يكون إلا على أنقاض طبقة المستغلين النهابين سارقي الجهد والثروة. فلنناضل جميعا في كل العالم من أجل تسريع سير التاريخ نحو فجر إنسانية الإنسان الذي سيلغي التوحش في فضاء العدل والمساواة والتحرر الكامل فكرا و فعلا ، سيكون ذلك في مجتمع الاشتراكية حين يبدأ المجتمع في تصفية استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. وما ن شكّ في أن شعبنا ونخبه الثوريّة والتقدمية لها دور في ذلك، فليكنس كلّ طرف أمام بيته وليسند الجميع في مختلف أنحاء العالم بعضهم بعضا ليعمّ الكنس مشارق الأرض ومغاربها.

إلى الأعلى
×