الرئيسية / صوت الوطن / التعليم بين الانهيار والحاجة إلى إصلاح جذري
التعليم بين الانهيار والحاجة إلى إصلاح جذري

التعليم بين الانهيار والحاجة إلى إصلاح جذري

بقلم كوثر الباجي 

شهدت المؤسّسات التربوية في تونس خلال الأيام الماضية أحداثا صادمة أعادت إلى الواجهة، بقوة، سؤال العنف المدرسي وحدود المسؤولية السياسية والاجتماعية في تفاقمه. فحادثة القتل الشنيعة داخل أحد المعاهد، وما تلاها من عمليات طعن أخرى، إضافة إلى الجرائم التي طالت حتى فضاءات الطفولة – جريمة اغتصاب طفل في روضة أطفال – لم تعد وقائع معزولة يمكن تصنيفها ضمن الاستثناء، بل صارت مؤشرا على تحوّل نوعي في طبيعة العنف واتساع مجالاته. إننا أمام أزمة مركّبة تتجاوز السلوك الفردي إلى خلل بنيوي في المنظومة الاجتماعية والتربوية.

أولا: العنف المدرسي كنتاج لأزمة اجتماعية وسياسية شاملة

إن خطورة هذه الوقائع لا تكمن فقط في فظاعتها، بل في دلالتها: انتقال العنف من أشكال الشجار المحدود إلى استعمال السلاح الأبيض، بما يعنيه ذلك من إعداد مسبق، واستعداد نفسي، وتطبيع مع فكرة الإيذاء القاتل. المدرسة التي يفترض أن تكون فضاء أمان وتكوين أصبحت، في نظر كثيرين، فضاء توتر وخطر. وهذا التحول لا يمكن فهمه إلا بربطه بالسياق العام: تدهور الأوضاع الاجتماعية، تفكك الروابط، أزمة القيم، وانسداد الأفق لدى فئات واسعة من الشباب.

المعطيات الميدانية نفسها تدق ناقوس الخطر: نسب مرتفعة من التلاميذ تعرضوا للعنف المادي، وأكثر من نصف حالات العنف تقع داخل الفضاء التربوي ذاته، ونسبة معتبرة تقع في الطريق إليه. هذا يعني أن المدرسة لم تعد قادرة على لعب دورها الوقائي والتربوي، بل صارت تعكس توترات المجتمع وتعيد إنتاجها. حين يفقد الفضاء التربوي وظيفته كحاجز أخلاقي وتربوي، يتحول إلى ساحة مفتوحة لكل أشكال التفريغ العدواني.

ثانيا: مسؤولية السياسات العمومية وتدهور المنظومة التربوية

ولا يمكن فصل تصاعد العنف عن تدهور البنية التحتية للمؤسسات التعليمية. مدارس ومعاهد متهالكة، جدران متشققة، مرافق غائبة، صيانة منعدمة، أقسام مكتظة، وساحات غير مؤمنة. حادثة سقوط جدار على تلميذ ليست “قضاء وقدرا”، بل نتيجة مباشرة لسياسات الإهمال والتقشف. الأخطر أن هذا التدهور لم يعد مقتصرا على المدارس الريفية أو المهمشة، بل طال حتى المؤسسات الكبرى في المدن. حين يدخل التلميذ يوميا إلى فضاء مهترئ ماديا، فإنه يتلقى رسالة صامتة: لا قيمة لك ولا لسلامتك. وهذا في حد ذاته عنف رمزي يغذي العنف المادي.

كما أن غياب التأطير داخل المؤسسات، وافتقارها إلى قاعات مراجعة وفضاءات احتضان في الساعات الجوفاء، يدفع التلاميذ إلى الشارع، حيث تتضخم احتمالات الاحتكاك والانحراف. المدرسة التي “ترمي” أبناءها خارج أسوارها عند أول فراغ، تتخلى فعليا عن دورها التربوي. ولا يمكن بعد ذلك الاكتفاء بخطاب أخلاقي يحمّل الأسرة وحدها المسؤولية.

سياسات الدولة في إدارة الشأن المدرسي لم تكتف بالعجز عن الحد من العنف، بل ساهمت موضوعيا في توفير شروط تفاقمه. تقليص الميزانيات، هشاشة الانتدابات، ضرب مكانة المدرّس ماديا ومعنويا، غياب الإحاطة النفسية والاجتماعية، كلها عوامل تنخر المؤسسة من الداخل. المربي المرهق والمهمّش لا يمكن أن يؤدي دورا تربويا عميقا، والإطار التربوي غير المدعوم يتحول إلى مجرد موظف إدارة أزمة يومية.

ثالثا: إشكالية المناهج والقرار التربوي والسيادة المعرفية

إلى جانب ذلك، يطرح تدهور المضامين التعليمية سؤالا جوهريا حول طبيعة المشروع التربوي نفسه. هناك شعور متنامٍ بأن البرامج أصبحت مفككة، فاقدة للروح النقدية، ضعيفة الصلة بالواقع الاجتماعي والثقافي، وأنها لا تبني وعيا تاريخيا ولا حسّا مدنيا نقديا. حين يتحول التعليم إلى حشو معلوماتي بلا معنى، يفقد قدرته على بناء الشخصية المتوازنة والقادرة على التفكير.

الفراغ المعرفي والقيمي لا يبقى فراغا: تملؤه خطابات سطحية أو عدميّة.

في هذا الإطار، يبرز جدل واسع حول مدى استقلالية القرار التربوي. إلى أي حد نملك سيادة فعلية على مناهجنا؟ وإلى أي حد تخضع الإصلاحات التعليمية لإملاءات أو توجيهات خارجية مباشرة أو غير مباشرة؟ من المعروف أن منظمات دولية مثل اليونيسف، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي تشارك في تمويل أو توجيه برامج إصلاح تربوي في عدة بلدان. كما تنشط مراكز بحث ومؤسسات غربية في مجال “تطوير المناهج” و”سياسات التعليم”، من بينها معهد توني بلير للتغيير العالمي، وتصدر تقارير حول ضرورة تعديل المضامين في البلدان العربية بدعوى مكافحة التطرف وتعزيز “التسامح”.

المشكلة لا تكمن في مبدأ التطوير في حد ذاته، فالمناهج تحتاج دائما إلى مراجعة علمية. لكن الإشكال يطرح حين يتحول “التطوير” إلى أداة لفرض رؤية ثقافية وسياسية محددة، أو حين يتم تفريغ المواد من بعدها التاريخي والهوياتي والنقدي. اختزال التاريخ والجغرافيا والآداب في مضامين محايدة بلا سياق، ورفع الصراع الاجتماعي والسياسي من الدرس، لا ينتج “تسامحا” بقدر ما ينتج وعيا مسطحا منزوع الجذور.

إن ربط العنف المدرسي حصرا بالمناهج أو حصرا بالأسرة أو حصرا بالإعلام هو تبسيط مخلّ. الظاهرة مركّبة: أزمة نموذج تنموي، تفكك اجتماعي، بطالة وتهميش، إعلام تجاري يمجد التفاهة والعنف، مؤسسات ضعيفة، ومدرسة عمومية تتعرض لتجفيف تدريجي. لذلك فإن المعالجة الأمنية أو الوعظية وحدها لن تجدي. المطلوب رؤية شاملة تعتبر التعليم قضية سيادة وطنية وعدالة اجتماعية.

الدفاع عن المدرسة العمومية ليس حنينا رومانسيا، بل خيارا سياسيا. هو دفاع عن حق أبناء الفئات الشعبية في تعليم جيد، عن فضاء لصناعة الوعي النقدي، عن مؤسسة تخلق الانتماء المشترك. ويتطلب ذلك تعبئة مجتمعية: نقابات، أساتذة، أولياء، طلبة، قوى مدنية وسياسية، لفرض أولوية التعليم في الميزانية والسياسات، ووقف مسار التفكيك البطيء.

المعركة اليوم ليست فقط ضد العنف داخل المدرسة، بل ضد العنف المسلط على المدرسة نفسها: عنف الإهمال، وعنف الخصخصة المقنّعة، وعنف تفريغ المعرفة من مضمونها. بدون مشروع تربوي وطني ديمقراطي نقدي، ستظل الحوادث تتكرر، وسيظل التعامل معها موسميا وانفعاليا. أما المطلوب فهو الانتقال من رد الفعل إلى الفعل: من الاستنكار إلى التنظيم، ومن الصدمة إلى البرنامج.

رابعا : برنامج الديمقراطية الشعبية: مسار عملي لإنقاذ التعليم وبناء مدرسة العدالة والمعرفة

في هذا السياق، لا يظلّ برنامج الديمقراطية الشعبية في مجال التعليم والثقافة مجرد جملة من المبادئ العامة، بل يتقدّم بوصفه مسارًا عمليًا لمعالجة الأزمة البنيوية التي تعيشها المنظومة التربوية. فالحل لا يُختزل في إجراءات ظرفية أو إصلاحات جزئية، وإنما يقوم على تنزيل هذا البرنامج عبر خطة وطنية ملزمة تشريعيًا وماليًا، تُعيد ترتيب أولويات الدولة وتضع التعليم في صدارة المشروع المجتمعي. ويبدأ ذلك بإصدار أطر قانونية تكرّس فعلًا مجانية التعليم وإلزاميته وتكافؤ الفرص، مع رفع موازنته وتوجيه الاستثمار العمومي نحو ترميم المؤسسات وبناء مدارس ومعاهد جديدة وتجهيزها، خاصة في المناطق المهمشة، مع تعميم النقل والمبيت والإطعام والخدمات الصحية والنفسية. كما يُفعّل البرنامج عبر مراجعة شاملة للمناهج على أسس علمية نقدية، تنجزها لجان وطنية مستقلة من المربين والباحثين، بما يربط المعرفة النظرية بالتطبيق والعمل والإنتاج، ويطوّر تعليم العلوم والتكنولوجيا واللغات دون التفريط في اللغة الوطنية والبعد الثقافي. ويواكب ذلك إصلاح عميق لأوضاع الإطار التربوي، بتحسين شروط العمل والأجور والتكوين المستمر، لأن أي إصلاح لا يمر عبر المربي محكوم بالفشل. وعلى المستوى الهيكلي، تُرسى ديمقراطية المؤسسة التربوية من خلال هياكل تسيير تشاركية تضم المدرسين والطلبة والأولياء، بما يجعل المدرسة فضاء ممارسة للمواطنة لا مجرد فضاء تلقين. ويرتبط التعليم كذلك بشبكة الإنتاج والبحث العلمي عبر شراكات وتدريب ميداني وحاضنات مشاريع، حتى يصبح التكوين مولّدًا للقدرة الاقتصادية لا مكدّسًا للشهادات المعطّلة. وبهذا المعنى، يقدّم برنامج الديمقراطية الشعبية حلًا متكاملًا يواجه جذور أزمة التعليم: بالعدالة في التمويل، والاستقلال في القرار، والربط بين المعرفة والتنمية، وتحويل المدرسة إلى رافعة وعي وتحرر اجتماعي فعلي.

إلى الأعلى
×