الرئيسية / الافتتاحية / مع إيران ولبنان ضدّ العدوان، مع الشعوب والأوطان ضدّ الهيمنة
مع إيران ولبنان ضدّ العدوان، مع الشعوب والأوطان ضدّ الهيمنة

مع إيران ولبنان ضدّ العدوان، مع الشعوب والأوطان ضدّ الهيمنة

يتواصل العدوان الصهيو-أمريكي على إيران الذي انطلق السبت 28 فيفري 2026 بهجوم صاروخي استهدف القيادة السياسية والعسكرية والأمنية الإيرانية. وهو عدوان مكتمل الملامح والشروط ويتنافى مع كل الأعراف والقوانين، لكنه ينسجم كليا مع مبادئ العربدة والبلطجة والقوة الغاشمة التي تتميز بها دولتا الانفلات العالمي الكلي، دولة اليانكي الأمريكي بقيادة المجرم العنصري ترامب وكيان الاحتلال بقيادة العصابات النازية التي نظمت واحدة من أبشع عمليات الإبادة الجماعيّة في غزّة والضفّة الفلسطينيتين على الهواء مباشرة وفي تحدّ صارخ لكل العالم.

يمثل العدوان على إيران من هذه الزاوية منعرجا في السياسة العالمية التي تعرف تصاعدا كبيرا في انتهاك نواميس التعامل الدولي الذي ضبطته نتائج الحرب العالمية الثانية وعبرت عنه قوانين الأمم المتحدة في مختلف المجالات. صحيح أن هذه النواميس عرفت انعطافات وارتدادات تساوقا مع التحولات الكبرى الحاصلة في العقود الأخيرة (سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي، النظام العالمي الجديد وهيمنة الأحادية القطبية…)، لكن المنعرج الأكبر في إدارة الشأن العالمي تعرف اليوم ذروتها مع تربع ترامب على الإدارة الأمريكية الذي استعاد أبشع وجه التسلط العالمي الذي جسدته تاريخيا النازية الهتلرية التي تفصّت من كل نواميس تسيير العالم من خلال “عصبة الأمم”، وأصبح “الفوهر” يتدخل ويعتدي ويغير الحدود وينصب الحكام والحكومات بالقوّة الغاشمة، وهو عين ما يفعله ترامب اليوم للتصرف في العالم كما لو كان مزرعة خاصة. تدخل لإيقاف رئيس فنزويلا بأبشع مشاهد أفلام “الخيال العلمي” التي طالما روجتها سينما هوليود، فرض ضرائب وإتاوات حتى على حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، وانسحاب من عشرات الهيئات الأمميّة، تدخل في المسارات الانتخابية لعديد البلدان (الشيلي…)، تعاطى مع الملف الفلسطيني مثلما تعاطت الامبراطوريات الاستعمارية القديمة والحديثة مع مستعمراتها التي ادّعى “العالم المتحضر” بزعامة الولايات المتحدة بعد الحرب الثانية أنه قطع مع إرثها الاستعماري الغاشم.

إنّ ما يجري اليوم في العالم هو استعادة تصعيدية لكل مظاهر الصلف والعربدة في العلاقات الدولية، وما كان يجري لعقود تحت الطاولات وفي الغرف المظلمة أصبح يجري على الأثير مباشرة. لكن ما لم يفهمه عتاة الامبريالية العالميّة بالأمس، وما لا يفهمونه اليوم، هو أنّ ما يمارسونه لن تقابله بلدان العالم وشعوبها بالخنوع والقبول، بل سيزيد في حنقها ورفضها ولو بعد حين، وها هي مجريات العدوان على إيران تؤكّد ذلك ولو نسبيا أو بالأحرى مؤقتا في انتظار نتائج الحرب النهائية. لقد خطّط ترامب/نتنياهو لضربة خاطفة تستمر أياما معدودة يتمّ فيها تصفية رؤوس النظام القائم بما يمهد الطريق لتنصيب نظام موال و/أو الدفع في اتجاه حرب أهلية طائفية وعرقية تخرج إيران كليا من حلبة التنافس الإقليمي الذي يعتبر الأمريكان والصهاينة أن الوقت موات تماما للانفراد به بعد تغيّر كثير من معطيات ما قبل 7 أكتوبر 2023. لكن معطيات الميدان تشي بعكس ما يريد كيان الاحتلال وأعرافه، فواقع الحال اليوم هو الدخول في حرب استنزاف فعلية، وها هي الصواريخ الإيرانية تضرب يوميا قلب الكيان وكل القواعد العسكرية المتربعة في بلدان الخليج، وهي ضربات موجعة عطلت تقريبا أهم مرافق الحياة بما فيها جزء من إنتاج النفط الذي بدأت أسعاره تتصاعد، ومن المرجح أن يتجاوز سعر البرميل 100 دولار في الأيام القليلة القادمة، وهو ما سيعمق وجها آخر من أزمة الرأسمالية الاحتكارية العالمية. ولئن وجد الشعب الإيراني التعاطف والإسناد من قبل القوى التقدمية المناهضة للحرب والرافضة للعربدة، فإن الدعم الإجرامي لكيان الاحتلال الصهيوني والوحش الأمريكي يجسّده اليوم حكام الخليج ومن خلالهم كل النظام الرسمي العربي سواء بتحويل أرض الخليج إلى منصة إطلاق للصواريخ من قواعد باتت عاجزة عن حماية مراكزها فما بالك بمواطني تلك البلدان وأنظمتهم، أو من خلال مواقف الاصطفاف وراء العدوان ومساندة أنظمة العار التي نزعت ورقة التوت التي طالما أراد نظاما تونس والجزائر التغطي بها باعتبارهما “نظامي ممانعة”، لكن البيانات الرسمية للنظامين أكدت بكل وضوح جبنهما أمام الإمبريالية الأمريكيّة وبحثهما عن ترتيبات الاصطفاف خوفا من استهداف مجنون البيت الأبيض.

وبطبيعة الحال فإن كلفة خضوع النظام الرسمي لا تدفعها سوى الشعوب، وهو حال الشعب اللبناني الشقيق الذي يتعرض الآن لعدوان رهيب يستهدف تهجيره كليا خاصة من الجنوب ليتمّ فرض “الشريط الحدودي” الخالي حتى من التواجد المدني، كما تشتغل الآلة الصهيونية ووكلائها على شحن الورقة الطائفية لاستعداء الجميع لحزب الله وكل الطائفة الشيعية في لبنان الذي لا حل لإخضاعهما في نظر العصابات المجرمة إلا بالحرب الأهلية الطائفية المدمرة، وهوما تسوق له مطابخ القرار باسم الصراع السني الشيعي، علما وأن كيان الاحتلال لا يريد تدمير إيران وحلفائها فحسب بل يخطّط للمرور مستقبلا لـ”المحور السني” ممثلا في تركيا والسعودية ومصر لتمزيق وحدتها أيضا لأن فرض “الشرق الأوسط الجديد” يتطلب إزاحة أي منافس محتمل وإضعاف كل القوى بما فيها “القوى الحليفة” حتى يتعبد طريق تحقيق حلم “إسرائيل الكبرى” الذي تعتبر مراكز القرار الصهيوني أن “الفرصة التاريخية” سانحة له.

إن ما يجري في المنطقة هو سعي محموم واستحثاث لنسق الفعل لتثبيت وقائع على الأرض في وجه عالم يتجه تدريجيا إلى تصادم القوى ضمن مخاض صعب وعنيف لولادة عالم متعدد الأقطاب الامبريالية، تفقد فيه الولايات المتحدة “زعامتها” ويعاد فيه اقتسام مناطق النفوذ . إن غلاة الأحادية القطبية الأمريكية يصارعون الساعة لتعزيز شروط قوتهم باستهداف المناطق المحددة في صياغة الهيمنة العالمية من جهة المقدرات والإمكانيات، وبطبيعة الحال تعتبر منطقة الشرق الأوسط إحدى منصات القرار الدولي وصياغة الهيمنة فيه. صحيح أن صمود الدولة الإيرانية في وجه العربدة مهم وضروري، لكن الأهم هو صمود شعوب المنطقة التي عليها استعادة المبادرة كما فعل أجدادنا ضد الاستعمار الانجليزي والفرنسي. إن صوت الشعوب وقواها الوطنية والتقدمية يجب أن يكون عاليا في وجه العدوان والسياسات الاستعمارية التي تريد إعادة تقسيم المنطقة على أسس طائفية وعرقية لتأبيد الهيمنة عليها وعلى ثرواتها وأسواقها ومواقعها الاستراتيجية.

إن المطلوب منا اليوم هو الإسناد الفعلي لإيران ولبنان وفلسطين، واليقظة إزاء مشاريع النفخ في الحروب الأهلية الطائفية وتقسيم البلدان على الشاكلة الليبية والسودانية واليمنية بالتعاون مع الأنظمة الوكيلة والوظيفية وعصابات الإرهاب الديني الجاهزة لكل المهام القذرة التي تصوغها الدوائر الاستخبارية الإقليمية والدولية.

إلى الأعلى
×