الرئيسية / الافتتاحية / هل تحوّل إيران الهدنة إلى انتصار على العربدة الصهيو أمريكية؟
هل تحوّل إيران الهدنة إلى انتصار على العربدة الصهيو أمريكية؟

هل تحوّل إيران الهدنة إلى انتصار على العربدة الصهيو أمريكية؟

بعد خمسة أسابيع من العدوان الصهيو-أمريكي السافر والفاشل على إيران، اضطرّ مجرم الحرب، دونالد ترامب، إلى إعلان هدنة لمدة أسبوعين تشمل كافّة الجبهات، وإلى قبول النقاط العشرة الإيرانيّة أساسا للشروع في مفاوضات مباشرة برعاية باكستانيّة. ولئن بدأت الهدنة بخرق كبير من المجرم نتنياهو الذي شنّ عدوانا جبانا على لبنان ممّا كاد يؤدّي إلى إجهاضها والعودة إلى المواجهة فإنّ وفدي البلدين وصلا في النهاية إلى العاصمة الباكستانيّة ومن المنتظر أن يبدآ المفاوضات وإن بتأخير بيوم واحد عن موعدها المقرّر.
وما من شكّ في أنّ قبول ترامب التفاوض بناء على الشروط الإيرانيّة، لا بناء على شروطه المذلّة التي فشل في فرضها، هو انعكاس لما جرى ويجري في ساحة المعركة التي أرادها حلف العدوان خاطفة وسريعة، لكنّ الجانب الإيراني قدر، رغم الخسائر التي تكبّدها منذ اللحظات الأولى والتي طالت معظم قادته البارزين وعلى رأسهم المرشد الأعلى، على تحويلها إلى حرب استنزاف تنخرط فيها المقاومة في لبنان واليمن وتشمل القواعد الأمريكية في المنطقة ومضيق هرمز، وهو ما أسّس لمعادلات جديدة في الصراع رغم البون الشاسع في القدرات العسكرية التي تقابل إيران التي تعيش الحصار منذ خمسة عقود مع أقوى دولة امبريالية في العالم، الولايات المتحدة، وخامس أكبر جيش من جهة إمكانياته المادية واللوجستية ونقصد الجيش الصهيوني.
لقد وجّه الصمود الإيراني صفعة كبيرة موجعة لحلف العدوان الذي أراد بهذه الحرب اللصوصية ضرب آخر عقبة لتنفيذ الوصفة المعدلة لـ”الشرق الأوسط الجديد” الذي سيعيد صياغة خريطة المنطقة بمزيد تفتيتها وتقسيمها بما يؤمّن استمرار السيطرة عليها في عالم يتجه تصاعديّا إلى التصادم بين كبريات القوى الامبرياليّة من أجل إعادة اقتسام مناطق النفوذ ومن أهمها منطقة الشرق الأوسط بحكم ثرواتها ومقدراتها وموقعها. لقد أراد مجرما الحرب ترامب ونتنياهو استغلال تداعيات ما بعد 7 أكتوبر والتغيرات الحاصلة في المنطقة للتقدم خطوات حاسمة لوضع اليد كليا عليها مستفيدين من الانكفاء المؤقت للقوى المنافسة بحكم انشغال روسيا بحربها في أوكرانيا وانشغال الصين بتمديد نفوذها في بحر الصين. لكن صمود إيران خلط أوراق العدوان ووسّع هامش التصدي لمنطق الهيمنة.

صحيح أن الهدنة هشة، وأن مجرمي الحرب أراداها لاستعادة الأنفاس وترميم القدرات التي تعرضت للضرب الموجع في كيان الاحتلال والقواعد العسكرية الممتدة على طول الخليج، كما أن التفاوض قد يتعثّر أو يتعطّل بمقتضى تداعيات أي رضوخ لمطالب إيران بما سيعطي الضوء الأخضر لتصاعد مناوئة الحلف الصهيو-امبريالي وتحديه. ومع ذلك يمكن اعتبار الهدنة وقبول النقاط الإيرانية العشرة ترجمة لما جد في ميادين الحرب من صمود لافت للانتباه لا من جهة الأداء العسكري فحسب، بل أيضا من جهة دور الجماهير الشعبية في إيران التي قدرت بسرعة على إعادة ترتيب تناقضاتها الداخلية التي كان العدو يراهن عليها والتفت حول معاني الحرب الوطنية والتصدي للعدوان الخارجي الذي لا هدف له سوى تدمير إيران وتقسيمها ونهب ثرواتها ووضع حكام عملاء على رأسها.

لقد شاهد العالم صور الجماهير واقفة فوق الجسور والمنشآت المستهدفة وفي مقدمتهم معارضون للنظام الإيراني وفيهم من صدرت ضده أحكام سالبة للحرية. لقد عمّقت هذه الحرب العدوانية أزمة الإدارة الأمريكية الفاشيّة وحليفها الصهيوني، أزمة تتجلى اليوم في انفضاض كل دول الغرب الامبريالي التقليدي عن مساندة العربدة الترامبية التي تضاهي العربدة الهتلرية التي انتهت إلى الهزيمة النكراء بمعاداة الجميع لها. لقد اغتر ترامب بنتائج العملية الجبانة التي استهدفت فجر 3 جانفي الجاري دولة فنزويلا باختطاف رئيسها الشرعي نيكولاس مادورو، والتلويح إثرها بغزو كوبا وكولومبيا وغرينلاند، وهو ما أفزع العالم. وقد رتب ترامب أولويات تدخلاته العدوانية بالاتجاه شرقا إلى إيران التي تتربع في صرة العالم ويحتوي جوفها نصيبا واسعا من أهم ثرواته نفطا وغازا ومعادن ثمينة، لكن الصفعة الإيرانية أربكت إدارته وسياساته التي بات جزء من فريقه نافر منها.

لقد تعززت القناعة لدى لفيف واسع من الرأي العام العالمي وعلى رأسه الشعب الأمريكي أن الحرب الدائرة في المنطقة هي من جهة الأمريكان والصهاينة حرب لصوصية ونهب، ومن جهة إيران المدعومة بفصائل المقاومة في لبنان واليمن والعراق، حرب وطنية وعادلة. لذلك يساند الأحرار إيران ويقفون مع شعبها الصامد. ولئن نشطت حركة الإسناد خاصة في البلدان الغربية وفي مقدّمتها الولايات المتحدة، فإنها ظلّت في المنطقة العربية باهتة وضعيفة رغم كون قضايا المنطقة وعلى رأسها القضية الفلسطينيّة هي في قلب الصراع الدائر الآن وهو ما يسّر مهمة الحكام العرب الذين مارسوا كالعادة دورهم الوظيفي في تمويل العدوان والسماح له بالانطلاق من القواعد القائمة على أراضيهم علاوة على تسويقه من خلال وسائل الإعلام الضخمة التابعة لهم بكونه “تصديّا للعدو الصفوي الشيعي”.

إن المطلوب منّا كقوى وطنية ثورية معادية للإمبريالية والاستعمار هو مزيد اليقظة حيال ما يرتّب للمنطقة وللشعوب والأقطار العربية من تدمير ممنهج، وأيضا مزيد الانخراط في المعارك الدائرة بما في ذلك اعتبار الهدنة الحالية هامشا جديا لمزيد ضغط الشعوب والقوى الحرة في العالم على معسكر العدوان كي يوقف انتهاكه لسيادة البلدان وكرامة الشعوب ولمَ لا إرغام الامبريالي الأمريكي على غلق قواعده في المنطقة. وفي هذا السياق فإن ما يتعرض له لبنان الشقيق من جرائم فظيعة بهدف إنهاك الشعب والنفخ في داء الطائفية وشحن اللبنانيين ضد مقاومتهم البطلة ودفع قطار التطبيع الذي انخرط فيه النظام القائم الذي لا يعلو له صوت إلا ضد المقاومة مقابل الجبن والخضوع للأمريكان والصهاينة، يتطلّب هو أيضا اليقظة من كافة القوى الثورية والتقدمية في المنطقة حتى لا يترك لبنان وحده.

إن مهاما جسام تطرح اليوم على عاتق القوى التقدمية في الوطن العربي وفي تونس وفي مقدمتها تنشيط حركة إسناد إيران ولبنان واليمن والعراق، وطبعا فلسطين التي يتعرض شعبها إلى أقصى درجات الانتقام وآخرها إصدار قانون إعدام الأسرى النازي الذي يجب مقابلته في بلادنا بفرض قانون تجريم التطبيع.

إلى الأعلى
×