بقلم : عمار عمروسية
من جديد مرّت ذكرى مجزرة “حمّام الشط “خارج اهتمامات منظومة الحكم الغارقة في استنباط أفظع الطرق والأساليب لفرض صمت القبور على الجميع وتصفية الحساب مع كل الأجسام الوسيطة والتنكيل بطالبي الحقوق حتّى تلك التي لم تتجاوز الحدود الدنيا للمواطنة والحياة الكريمة.
فرأس النظام الشعبوي القائم الذي شقّ طريقه نحو قصر “قرطاج” ملتحفا بجملة شعارات ديماغوجية حول القضية الفلسطينية والذي جاهد ولازال من أجل تثبيت بقائه في بحبوحة “قرطاج” بانتحال صفة الثائر المسكون بالانتصار للمقاومة والحقّ في التّحرر، أدار وجهه مثل سابقيه عن أفظع جريمة صهيونية ضدّ سيادة بلادنا وأنبل التزاماتها في المجال القومي وتحديدا نحو الأشقاء الفلسطينيين.
صمت الرئيس حول أكبر الجراحات في هذه الواجهة وقفز مجمل الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي عن استحضار حيثيات وسياقات ذاك اليوم الدامي للهروب من استحقاقات النبش في الذاكرة الأليمة وسياقاتها التاريخية لتبرير سقطات الحاضر القائمة على الخضوع الذليل لمقتضيات الغطرسة الصهيو/أمريكية المتزايدة على الوطن العربي والإقليم عموما.
عودة لبعض حيثيات المجزرة
في الوقت الذي كانت بلادنا غارقة في واحدة من أكبر أزماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي جعلت النظام البورقيبي منغمسا من جهة في إدارة معاركه مع شعبه وقواه النقابية والسياسية والحقوقية ومن جهة أخرى في إدارة عفن صراعات شقوقه المتناحرة وتصفية الحساب معها لترتيب مسألة ديمومة النظام وخلافة الرئيس المنهك بأمراضه وشيخوخته، في مثل تلك الأوضاع أفاق الرأي العام الوطني صبيحة 1 أكتوبر 1985 على أنباء غير مألوفة لديه تمثلّت في عدوان صهيوني على “حمّام الشط” في ضواحي العاصمة التونسية (ولاية بن عروس) خلّف وفق البلاغ الرسمي لوزارة الداخلية “خسائر بشرية ومادية جسيمة” تبعته ساعات من الصمت الرسمي المرفق ببعض التفاصيل المبهمة والجزئية وردت في بعض النشرات للإذاعة الرسمية.
ولأن الحدث استثنائي وكبير فقد تولّى الإعلام الأجنبي كسر أجندة الرواية الرسمية القائمة على التحكّم في المعلومة وأسقط ميكانيزم القطرة قطرة ووضع الواقعة في مدارها الصحيح.
فالعدوان حدث في واضحة النهار (العاشرة والنصف تقريبا) بواسطة سرب من الطائرات التابعة للجيش الصهيوني تولّت خرق الأجواء التونسية دون رصد أو مضايقة وتولّت من مسافات قريبة إطلاق حوالي 7 صواريخ دمرّت سلسلة بنايات بالكامل وسوّتها بالأرض حيث اختلط الدّم بالدّم واللّحم باللّحم كما يقال تبينّ لاحقا أنها جثث 68 شهيدا (50 فلسطينيا و18تونسيا) زيادة عن حوالي 100جريح.
فالعدوان الإجرامي وفق تلك الحيثيات كان خاضعا لعمل استخباري محكم يصعب تنفيذه بتلك الدقة بناء فقط على ثغرات أمنية مرتبطة بمحدودية منظومة استعلاماتية تقنية وبشرية وإنما أيضا على اختراقات فظيعة وراءها تجنيد عملاء محليين وخيانات في بعض الدوائر الرسمية مازالت مجهولة حتى اليوم أو محلّ تخمينات واحتمالات.
فهدف العدوان كان مقر القيادة العامة لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي انتقل من العاصمة اللبنانية “بيروت” بعد الاجتياح سنة 1982.
والتصويب كان مفترضا على اجتماع قيادي كبير تبينّ لاحقا انّه تأجلّ لأسباب تتعلّق بصعوبات قدوم إطارات عسكرية من بلدان الإقامة.
ومن المفارقات العجيبة أنّ حكومة الاحتلال وعلى غير العادة سارعت إلى تبني العمليّة وانتشت بنجاحها وأثنت على القائمين على ما أسمته “الساق الخشبية” التي وجدت التأييد المطلق من الولايات المتحدة الأمريكية تحت ذريعة “الدفاع عن النفس” و”أحقيّة الكيان في ملاحقة حملة السلاح”، ذاك التأييد الذي تراجع قليلا تحت تهديدات الرئيس “الحبيب بورقيبة” المتمثّل في قطع العلاقات الديبلوماسية مع أمريكا الأمر الذي أثمر امتناع الأخيرة عن استعمال حق النقض “الفيتو” داخل مجلس الأمن الدولي أثناء التصويت على قرار الإدانة.
جرائم متعاقبة على أرض تونس
إن الاستخفاف الرسمي ماضيا وحاضرا في التعاطي مع هذه الجريمة الفظيعة من شأنه أن ترك الأبواب ولازال مشرّعة أمام الكيان الصهيوني لمراكمة عدواناته على شعبنا وبلادنا كلما اقتضت حاجة مشروعه الاستيطاني التوسعي وحسابات كيانه المحكوم بهوس التفوّق والمنقادة بعقيدة استباحة السيادة القائمة على الذراع الطويلة التي تصل إلى قادة المقاومة الفلسطينية في أيّ بلد ومكان من هذا العالم.
وفي هذا السياق مثلّت بلادنا ساحة سهلة لمراكمة الجرائم واصطياد قادة المقاومة الفلسطينية دون مساءلة جدية أو عقاب يذكر وضمن هذا الصدد نذكر:
– أبو جهاد: نجح كومندوس صهيوني يوم 16 أفريل 1988 في التسلل إلى مقر إقامته وتجاوز كلّ الحراسات واغتياله والخروج بسلام ليقع مباشرة التباهي بتصفية الحساب وفق بلاغات حكومة الكيان مع مهندس الانتفاضة الأولى وقلبها النابض.
– أبو إياد: استنسخ العدو حيثيات العملية السابقة يوم 14 جانفي وأعلن مرّة أخرى على لسان رئيس حكومته “نجاح القضاء على واحدة من القيادات التاريخية لذراع الإرهاب منظمة التحرير”.
– محمد الزواري: تمّت تصفيته يوم 15 ديسمبر 2015 تحت حكم “النهضة /النداء” باعتباره رائد تصنيع المسيّرات في أولّ عمليّة من نوعها على أرض بلادنا بما أن الهدف مناضل تونسي.
– سفينة “فاميلي” الراسية بميناء “سيدي بوسعيد” تعرضت إلى مقذوفات نارية ليلتي 10/9 سبتمبر 2025 لإرباك أسطول الصمود وإعاقة خروجه!!!
ومن المفارقات المضحكة هروب السلطة من مواجهة الأمر حتى بعد اعتراف الكيان الصهيوني بعدوانه وافتضاح أمره عالميا على لسان الأمين العام للأمم المتحدة “غوتيرش” في اجتماع رسمي زيادة عما ورد على لسان أكثر من رئيس دولة في العالم!!!
علم الجميع بالجاني وحدها الرواية الرسمية بقيت سجينة سردية متهافتة تتراوح بين الإنكار أو أعقاب السجائر و”البارباكيو”!!!
تجريم التطبيع مع الكيان ضرورة وطنية وأمنية
إن سلسلة العدوانات الواردة أعلاه تؤكد بما لا يدع مجالا للشكّ مشروعية المطالبة بسنّ قانون يجرّم التطبيع مع الكيان الصهيوني لغلق الباب أكثر ما أمكن أمام أي اختراقات مهما كانت بسيطة وعلى أيّ واجهة أيضا.
وهذه المشروعية لا تنبع فقط من الروابط القومية المتينة التي تجمعنا بأشقائنا الفلسطينيين وانتصارنا لحقهم في المقاومة بجميع أشكالها من أجل كنس الاحتلال وتحرير كامل أراضي فلسطين التاريخية وإنما أيضا من دوافع وطنية تتعلّق بسيادة بلادنا وحرمة أراضيها وسلامة شعبها أمام كيان مارق لا يقيم أي وزن لا للقانون الدولي ولا للأعراف الدولية وغيرهما من المعاهدات والمواثيق.
فالمصلحة الوطنية لتونس من مختلف الزوايا السياسية والشعبية والأمنية تدحض تبريرات التفصّي من هذا الاستحقاق الحيوي في مثل هذه الأوضاع التي تعرف عربدة صهيو/أمريكية أكثر من أيّ وقت مضى ضمن مساعي تغيير وجه المنطقة بما يلائم مزيد إخضاع شعوبها ونهب ثرواتها.
أكثر من ذلك فإن الاختفاء وراء معزوفة “صيانة المصالح العليا لتونس” هو مزيد تشريع الأبواب وتعبيد الطريق أمام الإضرار الفعلي بمصالح البلد من خلال التطبيع الخفي في انتظار الانخراط العلني في التطبيع المكشوف والالتحاق بقطار اتفاقات “ابراهام” متى توفرّت شروط انطلاقته بعد العطب الذي لحقه نتيجة عملية طوفان الأقصى البطولية وتداعياتها الكبيرة على المنطقة والإقليم.
صوت الشعب صوت الحقيقة
