الرئيسية / صوت الوطن / سجون قيس سعيد الثلاثة: العزلة والقمع والتخوين
سجون قيس سعيد الثلاثة: العزلة والقمع والتخوين

سجون قيس سعيد الثلاثة: العزلة والقمع والتخوين

بقلم زهير زويدي

يقول أبو العلاء المعري في بيته الشهير: «أَراني في الثَلاثَةِ مِن سُجوني * فَلا تَسأَل عَنِ الخَبَرِ النَبيثِ» وهي سجون عبّر بها عن عزلته الجسدية والنفسية والفكرية.

بعد قرون طويلة يبدو أن تونس تعيش بدورها أمام سجون من نوع آخر ولكنها أكثر اتساعا وأشد قسوة، سجون قيس سعيد الثلاثة: العزلة والقمع والتخوين. فحين يُدفع الشعب إلى الصمت والعزلة ثم يُقابل احتجاجه بالقمع ويُحاصر صوته بالتخوين يصبح السجن منظومة حكم لا جدرانا فقط. ومن هنا تبدأ قراءة المشهد التونسي في محاولة لفهم كيف تحوّلت العزلة إلى أداة سياسية والقمع إلى وسيلة حكم والتخوين إلى سلاح لإسكات كل صوت يرفض الانحناء. فلم تعد السجون في عهد قيس سعيد مجرّد أماكن تُغلق وخلف أبوابها أجساد المعارضين والمحتجين وإنما أصبحت فكرة أوسع ومنظومة متكاملة تتجاوز القضبان والزنازين لتطال المجتمع بأكمله. فحين يعجز الحكم عن إقناع الناس بمشروعه ويلجأ إلى عزلهم عن الشأن العام وقمع أصواتهم ثم تخوين كل من يرفض الصمت فإنه لا يبني فقط سجنا للمعارضين وإنما يؤسس لمناخ سياسي يريد فيه المواطن أن يخاف من الكلام وأن يتردد في الاحتجاج وأن يشك في قدرته على تغيير واقعه. ومن هنا يمكن قراءة المشهد من خلال ثلاثة سجون سياسية ومعنوية متداخلة هي سجن العزلة وسجن القمع وسجن التخوين وهي في النهاية وجوه مختلفة لمنظومة واحدة هدفها إخضاع المجتمع.

العزلة: أول أبواب الخوف

يبدأ السجن الأول عندما يُدفع المواطن إلى الابتعاد عن السياسة والشأن العام ويُقنع بأن لا جدوى من الاحتجاج وأن الشارع خطر وأن المشاركة لا تغيّر شيئا. فالعزلة السياسية لا تحتاج إلى أبواب حديدية وإنما تحتاج إلى نشر الإحباط وإضعاف الثقة في القدرة الجماعية على الفعل وتحويل المواطن من صاحب حق إلى متفرج على الأزمات التي يعيشها وطنه. وحين يشعر العامل بأن احتجاجه قد يجلب له المتاعب والعاطل بأن المطالبة بحقه ستضعه في مواجهة السلطة والصحفي بأن كلمته قد تكلفه حريته والناشط بأن تحركه سيُقرأ باعتباره مؤامرة فإن المجتمع يبدأ تدريجيا في مراقبة نفسه بنفسه. وهنا يصبح الصمت نتيجة للخوف وليس اختيارا حرا ويصبح الانسحاب من الحياة العامة واحدا من أخطر انتصارات السلطة.

القمع: حين تكسر السلطة حاجز الصمت

جميع الأحداث والوقائع التاريخية تؤكد أن العزلة لا تنجح دائما فكلما خرج الناس من صمتهم وقرروا العودة إلى الشارع والمطالبة بحقوقهم يظهر الوجه الثاني للمنظومة وهو القمع. عندها تتحول المطالب الاجتماعية إلى مصدر إزعاج سياسي ويصبح الاحتجاج موضع تضييق وتصبح المعارضة هدفا للملاحقة ويصبح استعمال القانون في مواجهة الخصوم جزءا من المشهد العام. والخطر هنا لا يكمن فقط في الإجراءات التي قد تُتّخذ ضد هذا الشخص أو ذاك وإنما في الرسالة التي تصل إلى بقية المجتمع ومفادها أن من يرفع صوته قد يدفع الثمن وأن السلامة تكمن في الصمت. وهكذا يصبح القمع وسيلة لإعادة إنتاج العزلة من جديد لأن السلطة لا تريد فقط إسكات المحتج وإنما تريد أن يرى الآخرون ما يحدث له فيتراجعون قبل أن يصلوا إلى الشارع.

التخوين: السجن الذي يسبق الزنزانة

التاريخ يكشف دوما أن القمع يحتاج إلى غطاء سياسي وإعلامي يبرره ولذلك يظهر السجن الثالث وهو التخوين. فبدل مناقشة مضمون الاحتجاج أو أسباب المعارضة يجري تحويل النقاش إلى محاكمة للنوايا والوطنية بحيث يصبح المعارض مشبوها والناشط أداة والاحتجاج مؤامرة والنقابي معطلا والصحفي مأجورا والعاطل المحتج مستغلا سياسيا. وبهذه الطريقة لا تكتفي السلطة بمواجهة خصومها وإنما تحاول عزلهم عن المجتمع وتشويه صورتهم أمام الرأي العام قبل الوصول إلى أي مواجهة قانونية أو سياسية. وهذه أخطر مراحل المنظومة لأنها تجعل المواطن يخاف ليس فقط من السلطة وإنما من نظرة المجتمع إليه وتدفعه إلى الصمت حتى لا يجد نفسه متهما في وطنيته لمجرد أنه مارس حقه في الاختلاف.

الوطنية ليست شهادة تمنحها السلطة

إن أخطر ما في خطاب التخوين هو محاولة احتكار مفهوم الوطنية وتحويل الولاء للسلطة إلى معيار للحب والانتماء إلى تونس. والحقيقة أن الوطنية لا تقاس بدرجة التصفيق للحاكم ولا بعدد الشعارات التي ترددها السلطة وإنما بمقدار الدفاع عن مصالح الشعب وحقوقه وحرياته. فمن يطالب بحق العامل في أجر عادل ومن يدافع عن حق العاطل في الشغل ومن يرفض تهميش الجهات ومن يطالب بالصحة والتعليم والنقل والكرامة لا يمكن أن يصبح أقل وطنية لأنه رفض سياسات السلطة بل إن الدفاع عن حقوق التونسيين هو في جوهره دفاع عن تونس نفسها لأن الدولة ليست شخصا واحدا والحكم ليس ملكية خاصة والرئيس ليس الوطن والشعب ليس مجرد جمهور ينتظر التعليمات.

الاحتجاج الاجتماعي ليس مؤامرة

من هنا فإن محاولة فصل المطالب الاجتماعية عن السياسة ليست سوى محاولة أخرى لإفراغ الاحتجاج من مضمونه. فالبطالة ليست قضية فردية عندما تصبح ظاهرة عامة والفقر ليس شأنا خاصا عندما تتحول السياسات الاقتصادية إلى مصدر دائم للتهميش والحق في الصحة ليس مطلبا فئويا عندما يعاني منه ملايين المواطنين كما أن الحق في التعليم والنقل والسكن والعيش الكريم ليس امتيازا يمكن منحه أو حجبه حسب مزاج السلطة. لذلك فإن العامل عندما يحتج والعاطل عندما يتحرك والجهة عندما تطالب بحقها والمواطن عندما يرفع صوته ضد الظلم فإنهم يمارسون فعلا سياسيا واجتماعيا في آن واحد حتى لو لم ينتموا إلى أي حزب فالمجتمع لا يحتاج إلى إذن من السلطة حتى يدافع عن حقوقه.

السجون الثلاثة تعمل معا

العزلة والقمع والتخوين ليست ثلاث ظواهر منفصلة وإنما هي حلقات متكاملة في منظومة واحدة. فالعزلة تهدف إلى إبعاد المواطن عن المشاركة والقمع يستهدف من يكسر الصمت ويعود إلى الفعل والتخوين يتكفل بعزل المحتج اجتماعيا وتشويه صورته حتى يبدو في نظر الآخرين وكأنه هو المشكلة وليس الظلم الذي يحتج عليه وبذلك تصبح الدورة مكتملة: ادفع المواطن إلى الصمت فإن خرج من صمته واجهه بالقمع وإن بقي مصرا على موقفه حاصره لأن المجتمعات التي تعرف الحرية.

كسر العزلة يبدأ من الجماعة

إن مواجهة هذه المنظومة لا يمكن أن تكون فردية لأن المواطن المنعزل هو الحلقة الأضعف بينما يصبح قويا عندما يجد نفسه داخل حركة جماعية منظمة. العامل يحتاج إلى زملائه والعاطل يحتاج إلى رفاقه والجهة المهمشة تحتاج إلى بقية الجهات والصحفي يحتاج إلى مجتمع يدافع عن حرية الإعلام والمعارض يحتاج إلى فضاء ديمقراطي يحمي حقه في الاختلاف. وكلما توسعت دوائر التضامن تراجعت قدرة السلطة على عزل المحتجين وتحويل كل قضية إلى ملف منفصل فالمعركة من أجل الشغل مرتبطة بالمعركة من أجل العدالة الاجتماعية والمعركة من أجل حرية التعبير مرتبطة بالمعركة من أجل الديمقراطية والمعركة من أجل استقلال القضاء مرتبطة بحق المواطن في دولة تحميه بدل أن تخيفه.

تونس أكبر من قيس سعيد

المشكلة الأساسية تبدأ عندما تحاول السلطة تقديم نفسها باعتبارها الدولة وتقديم معارضيها باعتبارهم خصوما للوطن. فالدولة أوسع من الحكومة والرئاسة وأبقى من الأشخاص والأسماء والحكومات تتغير بينما يبقى الوطن وتونس ليست ملكا لرئيس ولا لحزب ولا لمؤسسة وإنما هي ملك لشعبها الذي دفع ثمنا باهظا من أجل الحرية والكرامة ذلك فإن الدفاع عن حق التونسي في الاحتجاج والمعارضة والتنظيم والتعبير ليس تهديدا للدولة وإنما هو دفاع عن دولة ديمقراطية يفترض أن تكون ملكا لجميع مواطنيها لا فضاء مغلقا أمامهم.

لا يمكن بناء دولة بالخوف

الدولة القوية ليست الدولة التي تخيف مواطنيها وإنما الدولة التي تمنحهم الثقة في مؤسساتها وقوانينها ومستقبلهم والحكم الذي يمتلك مشروعا مقنعا لا يحتاج إلى إسكات منتقديه ولا إلى تخوين معارضيه ولا إلى دفع المواطنين نحو العزلة. أما عندما يصبح الصمت مطلوبا والاحتجاج مرفوضا والاختلاف مشبوها فإن الأزمة لا تكون في المواطنين الذين يتحدثون وإنما في سلطة لم تعد قادرة على التعامل مع الاختلاف باعتباره جزءا طبيعيا من الحياة السياسية. فالديمقراطية لا تعني أن الجميع يصفقون للحاكم وإنما تعني أن المواطن يستطيع أن يقول لا دون أن يخاف من العقاب أو التشويه.

الخروج من السجن يبدأ باستعادة الشارع

إن كسر سجون العزلة والقمع والتخوين لا يبدأ بانتظار مبادرة من السلطة وإنما باستعادة المجتمع لثقته في نفسه وقدرته على التنظيم والعمل الجماعي. المطلوب أن تتحول المطالب المتفرقة إلى قوة اجتماعية واسعة وأن يدرك العامل والعاطل والطالب والمهمش وسكان الجهات الداخلية وكل المتضررين من السياسات القائمة أن تشتت مطالبهم يخدم من يريد استمرار الوضع كما هو. وعندما تصبح كل معركة من أجل حق فرصة لبناء تضامن أوسع فإن السلطة تفقد أهم أدواتها وهي القدرة على عزل كل فئة عن الأخرى وتحويلها إلى قضية منفردة.

اكسروا السجون الثلاثة

سجون قيس سعيد الثلاثة ليست جدرانا إسمنتية وإنما هي منظومة تبدأ بالعزلة ثم تنتقل إلى القمع وتنتهي بالتخوين. وهي منظومة لا يمكن مواجهتها بالصمت لأن الصمت هو وقودها ولا بالخوف لأن الخوف هو أداتها ولا بالتشتت لأن التشتت هو قوتها. لذلك فإن الطريق يبدأ باستعادة المواطن لحقه في الكلام والتنظيم والاحتجاج وبناء أوسع أشكال التضامن بين القوى الاجتماعية والديمقراطية والوطنية التي تؤمن بأن تونس أكبر من أي حاكم وأن الدولة ليست ملكا للسلطة وأن الشعب ليس مجرد متلق للأوامر. يمكن للسلطة أن تغلق أبواب السجون وأن تحاصر الشارع وأن تشوّه المعارضين لكنها لن تستطيع إلى الأبد أن تسجن فكرة الحرية في وعي شعب عرف طريقه إليها. فإذا كانت السلطة قد بنت سجون العزلة والقمع والتخوين فإن مسؤولية القوى الحية في المجتمع هي أن تكسر جدرانها وأن تعيد للشارع دوره وأن تجعل من الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية مشروع نضال جماعي لا شعارا مؤجلا، وليكن نبراس هذه القوى الشعب التونسي العظيم الذي علم الشعوب كيف تثور.

إلى الأعلى
×