الرئيسية / صوت العالم / المنظومة الشعبوية الأمريكية لا علمانية ولا ديمقراطية
المنظومة الشعبوية الأمريكية لا علمانية ولا ديمقراطية

المنظومة الشعبوية الأمريكية لا علمانية ولا ديمقراطية

بقلم منذر خلفاوي

وزير الحرب “مسيحي” رجعي متطرف

يستمد ترامب سياساته وأفكاره المتطرفة والعدوانية من الكتب التي ينتجها رموز الفاشية من عسكريين وبرجوازيين الذين يجدون مواقعهم في مختلف المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية الأمريكية لخدمة أهدافهم وبرامجهم بأنفسهم دون التعويل على من يمثلهم من نواب وسياسيين وقادة أحزاب (كما في السابق) يمكن أن يقدموا الخدمات والأهداف ذاتها. وفي هذا الإطار سوف نتعرض في هذا المقال لأهم أطروحات ومواقف وممارسات وزير الدفاع الأمريكي “ميت هيغسيث” الذي اعتلى منصبه وأصبح وزير “الحرب” عوض “الدفاع” تجسيما للنزعة العدوانية ولما نشهده من حروب متعددة واعتداءات فجة على الشعوب في مختلف أنحاء العالم خدمة لشعار “أمريكا أولا”.

من هو “ميت هيغسيث“؟

بعد تخرجه تطوع “هيغسيث” للخدمة في الجيش الأمريكي، وكان من المكلفين بالحراسة في سجن غوانتانامو، ثم خدم لاحقاً في العراق خلال الغزو الأمريكي عام 2003، وبعدها في أفغانستان، ويعتبر “هيغسيث” –النرويجي الأصل– مثالاً صارخاً على الشخصية المهووسة بالرؤى الدينية المسيحية المختلطة بنزعة تفوق عرقي أبيض، فهو عضو في “اتحاد الكنائس الإنجيلية الإصلاحية”. يُعتبر “هيغسيث” من الشخصيات الصدامية الحادة التي لا تخفي آراءها المتطرفة، بل نشرها في أكثر من كتاب، أبرزها كتابين: «الحملة الصليبية الأمريكية» الصادر عام 2020، و«الحرب على المحاربين» الصادر عام 2024.

في الكتاب الأول يرى أن أمريكا تعيش حرباً حضارية داخلية وخارجية، ويطرح مشروع فكرة “حملة صليبية” ثقافية وسياسية لإنقاذ أمريكا، مع رفض التوافق الديمقراطي التقليدي، متبنياً رؤية تشبه أفكار “هنتنغتون” حول صدام الحضارات لكن داخل المجتمع الأمريكي أيضاً، وهو يرى أن الحل مع اليسار الديمقراطي في الولايات المتحدة هو الصدام والمحو والإفناء، فلا توافق ولا قبول بالتعايش السلمي، ما يعني ببساطة الحربٍ الأهلية.

ويؤكد العسكري المتعجرف «أن اليساريين والتقدميين والديمقراطيين هم “أعداء” الحرية والدستور الأمريكي والولايات المتحدة، فالديمقراطية ليست إلا مطلباً يسارياً؛ ومضمونها اليساري يعني رفضاً تاماً لنظامنا». لذلك لا يمكن وصفه إلا بأنه رجعي ومتزمت من أنصار الدولة الدينية عكس ما يروجه الإعلام حول النموذج الديمقراطي والتعددي الأمريكي.

جاء صعوده متخماً بارتباطه بالتطرف، سواء فيما يتعلق بنظرية تفوق العِرق الأبيض أو العقيدة الإنجيلية المسيحية التي ترى في خدمة “إسرائيل” خدمةً للرب.

وقد عبّر “هيغسيث” عن ذلك صراحة عام 2018 عندما زار القدس خلال ولاية ترامب الأولى، فقال: «نحن نعيش زمن المعجزات؛ فعام 1948 (قيام “إسرائيل”) كان معجزة، و1967 (احتلال شرقي القدس) كان معجزة، و2017 (الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمةً) كان معجزة، ولا أظن أن هناك ما يمنع من أن نرى معجزة بناءِ المعبد الثالث في زماننا».

لا بد من الإشارة إلى ولعه بالوشوم الدينية التي تملأ جسده ومنها وشم كلمة “كافر” باللغة العربية مثلا التي تهدف إلى إهانة الشعوب العربية والإسلامية.

الأهداف العسكرية لوزير الحرب

كان أول قرار لـ “هيغسيث ” منذ توليه مهمة الإشراف على وزارة الحرب في 25 جانفي 2025 هو خفض بـ 20 % من مناصب الجنرالات والادميرالات وتنقيص 800 منصب لكبار الضباط ليعيد تنظيم القيادة العليا والتقليص من البيروقراطية كما أنه يفسر تراجع قوة المؤسسة العسكرية إلى تسييسها المفرط. وهو يعتبر أن نهاية القوات المسلحة للولايات المتحدة، التي هي الجيش الوحيد القوي المؤيد للحرية والمسيحية ولإسرائيل في العالم، ستعني نهوض الصين الشيوعية وتحكمها في العالم.

لقد قدم في جلسة تعيينه أمام مجلس الشيوخ برنامجه الذي يتضمن من بين نقاطه:

– الصين المنافس الرئيسي في المحيطين الهندي والهادئ

– مطالبة الحلفاء بتحمل أعباء الدفاع وعدم التعويل على أمريكا

– إنهاء الحروب التي لا تخدم أولويات أمريكا

-الإبقاء على الردع ضد روسيا – الخ

نظرته إلى المجتمع وإلى الجيش

يرى “ميت ميغسيث” أن مشكلة الجيش ليست نقص القوة بل تغلغل الأفكار التقدمية على حساب الجاهزية والروح القتالية وهو يعارض الوظائف القتالية للنساء وبصفة عامة “تأنيث” الجيش باعتبار ” الفوارق البيولوجية ” ويسعى إلى فرض تحول ثقافي في المؤسسة العسكرية تجعل الرجل المحارب رمز القوة. من ناحية أخرى هو ينقد “الماركسية الثقافية “و” العدالة الاجتماعية “داخل الجيش ويتداول في الإعلام استعماله لغة دينية وآيات من الإنجيل في خطبه ما أدى إلى تراجع حياد المؤسسة العسكرية أمام الخدمات والصلوات داخل البنتاغون وهو ما أدى إلى بروز خلافات داخل البنتاغون حول إدارة الوزارة والقيادة وحول الحرب ضد إيران أدت إلى استقالة وزير الجيش.

موقفه من الهجرة

يعتبر وزير الحرب الأمريكي أن انتخابات المسؤولين الحكوميين المسلمين في المملكة المتحدة هو نتيجة زيادة عدد المسلمين في أوروبا، ثم يتنبأ بأن «الولايات المتحدة ستتبع المسار نفسه». وفي تفسير “غريب” لموضوع الهجرة يقول إن الإسلاميين يتمسّكون بمبدأ يُسمّى الهجرة، ويفسره بأنه يشير إلى الاستيلاء السلمي على بلد غير مسلم. من خلال استيلاء ثقافي، ومادي، ونفسي، وسياسي، وفي نهاية المطاف استيلاء ديني. يقول حرفيا: «إن الإسلاميين يخططون لغزو أوروبا وأمريكا ديموغرافيًا وثقافيًا وسياسيًا، وهم يتحالفون مع العلمانية لسحق مؤسسات أمتنا اليهودية المسيحية… ويخططون لزرع أكبر عدد ممكن من المسلمين في الغرب، وبفضل معدلات المواليد المرتفعة جدًا لديهم مقارنةً بالسكان الأصليين وثقافتهم المنعزلة استراتيجيًا، يتكاثر أبناء وبنات هؤلاء المهاجرين واللاجئين بأعداد أكبر من المواطنين الأصليين». كما يدعو إلى بناء جدار حدودي للولايات المتحدة مع بلدان أمريكا اللاتينية ورفع الرسوم الجمركية، ونشر اللغة الإنجليزية الخ.

وينتقد “هيغسيث” دولًا أوروبية مثل ألمانيا، وفرنسا، والنرويج، والسويد، وهولندا بسبب «سياساتها الكارثية في فتح الحدود ودعم المهاجرين».

الدعم اللامشروط للكيان الصهيوني في سياسات التطهير العرقي والحروب الهمجية

إن الإمبريالية الأمريكية وربيبتها الصهيونية ممثلان للرب في الأرض ومنفذان لإرادته، “هيغسيت” من جهة و”سموتريتش” و”ناتن ياهو” من جهة أخرى. كلاهما يلعب على الشعور الديني والأساطير الدينية والتفسيرات الممزوجة بخليطٍ من الفوقية والشعور بالتفوق العِرقي لتوظيفه سياسيا عبر زرع الوهم بان الصراع هو بين الخير والشر وبين الغرب والشرق أو صراع حضارات لتبرير الحروب والاعتداءات في الشرق الأوسط.

لكن جرائم الامبريالية والحروب الاقتصادية وفرض الرسوم الخ لن تؤدي إلا إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية الداخلية وأزمة اليمين المتطرف التي حفزت الجماهير الأمريكية وبصفة خاصة الشباب على الاحتجاج ضد الحروب وضد تدهور الأوضاع المعيشية وأدت كذلك إلى تنامي قوة التنظيمات اليسارية والجمعيات الحقوقية.

إن المعركة اليوم بين القوى الثورية والديمقراطية وبين القوى الفاشية الرجعية ستحتد حول علمانية الدولة بفصل الدين عن السياسة وعن الدولة ومن ناحية أخرى من أجل المساواة التامة بين المرأة والرجل.

إلى الأعلى
×