الرئيسية / صوت العالم / قراءة في تفكيك شبكات التجسس في تركيا والجزائر
قراءة في تفكيك شبكات التجسس في تركيا والجزائر

قراءة في تفكيك شبكات التجسس في تركيا والجزائر

بقلم كمال عمروسية

تفيد الأخبار أنه تمت عمليات تفكيك لشبكات تجسس في كل من الجزائر وتركيا، علما وأنه بات التفكيك يصير بشكل دوري خلال السنوات الأخيرة. لقد أعلنت السلطات الجزائرية أنها استطاعت تفكيك شبكة للتجسس والتخابر وذلك في شهر سبتمبر 2026. هذا وتفيد المعطيات أن الشبكة متكونة من أربعة أشخاص يحملون الجنسية المغربية مع ثلاثة أنفار جزائريين. كما أعلنت وكالة الاستخبارات التركية(MIT) عن تفكيكها شبكة تجسس دولية متكونة من تسعة أفراد منتمين لجهازي استخبارات أجنبيين. هذا وتشير كل من العاصمة الجزائرية وأنقرة من خلال التصريحات والبلاغات إلى اتهام الموساد بالتعاون مع أجهزة استخبارات غربية وضلوعهم في مخططات تخريبية تهدف إلى المسّ بالأمن القومي وزعزعة استقرار بلدانهما.

إن تفكيك هذه الشبكات هنا وهناك يدفعنا إلى التساؤل حول حدود هذا الإنجاز وهل يمكن اعتباره مرتبطا فقط بمسألة الأمن القومي بمفهومه الكلاسيكي، أم أنه يتجاوز ذلك مثلما يقول العلامة بن خلدون “التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار… وفي باطنه نظر وتحقيق” فالظاهر وفق المصادر الإعلامية: جواسيس، استخبارات، اعتقالات” أما في النظر والتحقيق فمتعلق بجوهر حروب المخابرات إذ أنها امتداد للصراعات بين الدول المسيطرة والدول المنهوبة، كما هي محاولات متكررة لإخضاع الشعوب ونهب خيراتها وثرواتها.

تطور العمل الاستخباراتي تاريخيا

في العصور الغابرة والحضارات القديمة خضع العمل الاستخباراتي إلى مجهودات فردية وبسيطة، إلا أنه بلغ ذروة التطور والدقة حديثا بل إنه أصبح مؤسسة من مؤسسات الدول وغالبا ما تكون معنية بحماية وتعزيز الأمن القومي للدول.

ولقد ظل العقل البشري يبدع ويطور هذا المجال وفقا لحاجياته من ناحية وتماشيا مع التطورات الموضوعية والعلمية من ناحية ثانية، ويفيد التاريخ أن أول محاولة إنشاء وبناء تنظيم استخباراتي يعود إلى قبل نحو 5200 سنة بالتحديد في مصر القديمة، حتى بعد حضارة الفراعنة اقتصر المجهود الاستخباراتي على جمع المعلومات والمعطيات والتقاط الأخبار ونقل الرسائل وذلك بواسطة أفراد تم إطلاق عليهم اسم “العين”، ولم يقع إنشاء دواوين متخصصة إلا في العصر الأموي والعباسي من بينها “صاحب الخبر” و”صاحب البريد” أما في عصرنا الحديث وتماشيا مع رهانات الحرب الباردة تم بعث وتأسيس وكالات استخبارات كبرى مثل وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA بتاريخ 26/07/1947 وKGB الروسية بصفة رسمية في 13مارس 1954. في هذه التجارب العريقة الاستخباراتية كان الفرد يمثل مركز العمل الذي يسعى إلى الاختراق وتجميع المعطيات والمعلومات عن الأعداء وإرسالها كما نشطت عملية فك الشفرات. إلا أن هذا الجانب الاستخباراتي تعزز اليوم بما يتلاءم والتطورات العلمية والتكنولوجية وتوظيفها في الصراعات، كما بات مألوفا الاعتماد على الطائرات المسيرة /دون طيار وكذلك الأقمار الصناعية والتهديدات السيبرانية. إن العودة إلى نشأة وتطور العمل الاستخباراتي عبر الزمن تؤكد لنا العلاقة الجدلية بين هذا العمل وقرارات الحروب. منذ الإطاحة بمدينة يافا الكنعانية من طرف الفراعنة إلى حروب الدمار والهلاك اليوم التي تعيشها الشعوب، فالأجهزة الاستخباراتية تطيح بالأنظمة السياسية وتعزز فرص نجاح أخرى وتتعقب المناضلين وزعماء حركات التحرير الوطنية وتيسر عملية اغتيالهم وتخترق حكومات وتفضح أخرى وتمهّد للاستيلاء على الموارد الطاقية والثروات بمختلف أنواعها، وأصبحت الاستخبارات أداة متطورة في يد رأس المال العالمي تكرس هيمنة دول على أخرى وطبقة على طبقات أخرى. معلوم أن النظام الرأسمالي تشقه تناقضات وصراعات مفتوحة من أجل بسط النفوذ والهيمنة وتوسيع دائرة الاحتكارات والأسواق، كما علينا أن لا ننظر إلى عمليات التفكيك في كل من الجزائر وتركيا بوصفها عمليات معزولة عن هذا السياق وهذا الصراع الهادف إلى رسم خرائط النفوذ الجيوسياسي.

التفكيك يعكس التناقضات داخل المعسكر الإمبريالي

في إطار مواصلة اقتسام العالم وإعادة اقتسامه قد تنشأ حروب بين الحين والآخر ، تأخذ طابعا مباشرا وقد تكون بالوكالة أحيانا أخرى، وتتكالب الدول النهابة من أجل الاستيلاء على خيرات الدول التابعة ولهف خيرات شعوبها وتلجأ الدول الإمبريالية إلى وضع مخططات تنافسية فيما بينها من أجل تكريس هيمنتها على دول الشرق وإخضاع أنظمتها للعمالة والاستفادة من اتفاقيات استعمارية خيانية وتطبيعية وهو جوهر السياسة النيوكولونيالية الساعية إلى تفادي الاحتلال العسكري المباشر، بل إنها تفرض سطوتها من خلال الهيمنة الاقتصادية والسياسية وبطبيعة الحال الاختراقات الأمنية والاستخباراتية. في إطار تسابق الدول الرأسمالية توظف كل منها أجهزتها حتى تحقق أهدافها التوسعية وكسب أسواق مالية وتجارية جديدة مع تضييق الخناق فيما بينهم وفقا لأجندات كل دولة امبريالية. في هذا السياق فتركيا دولة امبريالية صاعدة وهي محل استهداف حتى تقلم أظافرها وقطع الطريق أمامها كي لا تتحول إلى قوة فاعلة في منطقة الشرق الأوسط ولذلك فهي محل تخابر دائم من قوى امبريالية أخرى منافسة لها، وهي كذلك عرضة لمخاطر المخابرات الإسرائيلية التي تترصد المقاومة الفلسطينية واللبنانية وتسعى جاهدة للقيام باغتيالات في صفوفها وتصفيتها.

أما تكثيف الهجومات الاستخباراتية تجاه الجزائر خاصة من الموساد فيؤكد رغبة الولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها الكيان الصهيوني في تقويض أسس أحد دول الممانعة التي لا تزال ترفض التطبيع، من ناحية أخرى تؤكد أطماع الدول الغربية تجاه موارد هذا البلد الهائلة من ثروات طبيعية وموارد استراتيجية من محروقات وغاز ونفط علاوة على الثروات المنجمية مع الطاقات المتجددة إضافة إلى المواد الجوفية الباطنية. إن السياسات الإمبريالية التي تسعى إلى استهداف الدول واختراقها وضرب سيادتها من الخارج من أجل ضمان مصالح البرجوازية العالمية وأحيانا كثيرة ما تتقاطع مع واقع مأزوم يتسم بسيطرة أنظمة استبدادية بارعة في توظيف مسألة الأمن القومي من أجل ضمان بقائها على دفة الحكم وتبرير مجازرها وفشلها الداخلي.

الأنظمة الرجعية وتوظيفها لقضية الأمن القومي

علينا أن ندرك أن الأنظمة الاستبدادية مثل الجزائر وتركيا تسعى إلى توظيف هذه الانتصارات الاستخبارية والعمليات التفكيكية الناجحة لشبكات التجسس الدولية من أجل تبييض أخطاء وهنات حكمها، كما تستغل ذلك من أجل إيهام شعوبها بالمخاطر الخارجية التي تترصد البلاد وتدعوها إلى ضرورة الوحدة من أجل التصدي للأعداء الخارجيين. تتحول بذلك شماعة “العدو الخارجي”، “أعداء الوطن”…. إلى وسيلة من خلالها تبرير الفشل والعجز، كما تكون مسوغا للقمع والاستبداد وحرمان الشعوب من حريتها وممارسة حقوقها دون تعسف وإكراهات. في نهاية المطاف إذا كانت البرجوازية العالمية والدول الإمبريالية ترتكز على الاستخبارات من أجل بسط هيمنتها ونفوذها على دول الأطراف فإن الأنظمة الاستبدادية والرجعية من خلال وكالات استخباراتها إذا كتب لها أن حققت نجاحات أو انتصارات فإنها تستغلها لتثبيت هيمنة حكم البرجوازية المحلية وإلغاء دور الطبقة العاملة وتهميش الفلاحين الفقراء في بناء دولتهم الوطنية والسيادية، وبذلك يتم فرض خيارات لا وطنية مع سياسات تقشفية ويتم إخراس كل الأصوات المناضلة مع فرض القيود على المعارضة الداخلية.

إن التسويق لهذه الانتصارات عليه أن لا يزيّف الوعي الطبقي للشعوب. إن تفكيك شبكات تجسس يمثل ضربة تكتيكية للامبريالية لكنها لن تنهي مطلقا التبعية والاستعمار واستغلال الإنسان للإنسان. إن وضع حد للسيطرة والمخاطر الخارجية لن يكون مطلقا وفقا للمقاربة الأمنية عبر الأجهزة المختصة بذلك، بل إن تحصين الجبهة الداخلية يكون من خلال تكريس الديمقراطية وضمان حقوق الإنسان ووضع حد للاستغلال الطبقي وعدم قهر ا

إلى الأعلى
×