الرئيسية / صوت العالم / الامبريالية بطبيعتها جشعة وعدوانية
الامبريالية بطبيعتها جشعة وعدوانية

الامبريالية بطبيعتها جشعة وعدوانية

عاد التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا إشعال النقاش حول دور الإمبريالية -كنظام اقتصادي وسياسي- في عصرنا الحالي، فضلاً عن طبيعتها العدوانية والانتهازية. هذا الحدث، الذي يُضاف إلى قائمة طويلة من الاعتداءات والتدخلات العسكرية التي نفذتها الإمبريالية الأمريكية في جميع قارات العالم، لا يمكن تحليله كحادثة معزولة، ولا كقرار بسيط في السياسة الخارجية مدفوع – بحسب ترامب وحاشيته – بالرغبة في مكافحة تهريب المخدرات. في الواقع، هو تعبير عضوي عن الإمبريالية كمرحلة تاريخية من مراحل الرأسمالية، حيث يصبح عنف الدولة أداة أساسية لضمان توسع رأس المال وإعادة إنتاجه وهيمنته على نطاق عالمي. العمليات العسكرية، بهذا المعنى، لا تُمثل شذوذاً في النظام، بل هي إحدى آلياته البنيوية.

استنادًا إلى تحليل لينين في كتابه “الإمبريالية، أعلى مراحل الرأسمالية”، تنشأ الإمبريالية عندما يصبح تركيز رأس المال، وهيمنة الاحتكارات، وتصدير رأس المال عناصر أساسية في التراكم. وقد استخدمت الولايات المتحدة، بوصفها القوة الرأسمالية الرائدة منذ القرن العشرين، قوتها العسكرية لفتح الأسواق، وتأمين المواد الخام، وحماية الاستثمارات، وفرض التبعية على الدول التي تحاول التحرر من منطق الرأسمالية التابعة. وهكذا، تؤدي التدخلات العسكرية وظيفة اقتصادية وطبقية، حتى وإن كانت تُقدَّم في إطار خطاب سياسي يُروِّج لروايات تُخفي الحقيقة.

منذ أواخر القرن التاسع عشر، استجابت الولايات المتحدة في توسعها لحاجتها إلى مساحات جديدة للتراكم. لم تقتصر الحرب ضد إسبانيا عام 1898 وما تلاها من احتلال لمناطق استراتيجية على توسيع نفوذها الجيوسياسي فحسب، بل سهّلت أيضاً سيطرتها على طرق التجارة والموارد والعمالة الرخيصة. وفي أمريكا اللاتينية، ضمنت التدخلات العسكرية المتكررة ودعم الأنظمة الأوليغارشية خضوع الدول التابعة لمصالح رأس المال الأمريكي.

خلال الحرب الباردة، شكّلت معاداة الشيوعية الدافع الرئيسي الذي شرّع العنف الإمبريالي. تدخلت الولايات المتحدة عسكريًا أو دعمت الانقلابات كلما هددت النضالات الشعبية الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج أو اقترحت مشاريع ديمقراطية وتقدمية وتحويلية للنظام القائم. تُظهر فيتنام وكوريا وغواتيمالا وتشيلي ونيكاراغوا كيف عملت الإمبريالية الأمريكية على تدمير المشاريع السياسية الشعبية التي تحدت جوانب من النظام الرأسمالي العالمي. كانت مذبحة ملايين الفلاحين والعمال الثمن البشري للحفاظ على هيمنة الطبقات على نطاق دولي.

لقد تكرر هذا المنطق الإمبريالي بشكل منهجي على مدى العقود القليلة الماضية، معتمداً دائماً على ذرائع تبدو مقبولة أخلاقياً لإخفاء مصالح اقتصادية واستراتيجية وجيوسياسية. تتغير الخطابات، لكن الهدف يبقى واحداً. فباسم الأمن، والديمقراطية، ومكافحة تهريب المخدرات، أو حماية حقوق الإنسان، نشرت الولايات المتحدة قوتها العسكرية أينما وُجدت مصالحها مهددة أو مُعارضة.

يُعدّ غزو العراق عام 2003 أحد أبرز الأمثلة على ذلك. فقد برّرت الحكومة الأمريكية، برئاسة جورج دبليو بوش آنذاك، الحرب بادعاء وجود أسلحة دمار شامل ووجود صلات مزعومة بين نظام صدام حسين و”الإرهاب الدولي”. وقد ثبت زيف كلا الادعاءين. ومع ذلك، فقد أتاح الغزو السيطرة السياسية والعسكرية على منطقة استراتيجية غنية بالنفط، وفتح آفاقًا تجارية هائلة أمام شركات الطاقة والمقاولين العسكريين. وكانت النتيجة تدمير العراق، ومئات الآلاف من القتلى، ومنطقة غارقة في حالة عدم استقرار دائم.

في بنما عام 1989، قُدِّمت العملية العسكرية على أنها إجراءٌ يهدف إلى “استعادة الديمقراطية” والقبض على الجنرال مانويل نورييغا، المتهم بتهريب المخدرات. لكن وراء هذا الخطاب، كانت الحاجة إلى ضمان السيطرة على قناة بنما وتأديب حليفٍ لم يعد ذا فائدة. خلّف الغزو آلاف الضحايا المدنيين، وأعاد تأكيد حق الولايات المتحدة الأحادي في التدخل في “فنائها الخلفي”.

ومن الأمثلة الأكثر وضوحًا على ذلك ما حدث في غرينادا عام 1983. فبذريعة حماية المواطنين الأمريكيين ومنع تهديد شيوعي مزعوم، غزت الولايات المتحدة هذه الجزيرة الكاريبية الصغيرة، التي كان يحكمها موريس بيشوب، الذي نادى بسياسة سيادية مناهضة للإمبريالية وشعبوية. وقد أظهر التفاوت الكبير بين مساحة البلاد وحجم الانتشار العسكري أن الهدف الحقيقي كان توجيه رسالة واضحة: أي محاولة لزعزعة النظام المفروض ستُعاقب.

في منطقة البلقان، خلال تسعينيات القرن الماضي، تم تبرير التدخلات الأمريكية وتدخلات حلف شمال الأطلسي (الناتو) باسم “التدخل الإنساني” والدفاع عن حقوق الإنسان. ودون إنكار وجود صراعات حقيقية، عززت هذه الإجراءات الوجود العسكري الغربي في أوروبا الشرقية، وأعادت تأكيد الهيمنة الأمريكية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، مما همّش أي حلول مستقلة لشعوب المنطقة.

في أفريقيا، تدخلت الولايات المتحدة بشكل مباشر أو غير مباشر في دول تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، أو تهريب المخدرات، أو ضمان الاستقرار الإقليمي. وفي نيجيريا ودول أخرى في القارة، يرتبط الوجود العسكري، وتدريب القوات المحلية، والعمليات السرية ارتباطًا وثيقًا بالسيطرة على موارد الطاقة، لا سيما النفط والغاز، فضلًا عن احتواء القوى المنافسة. لم تجلب العسكرة التنمية أو السلام، بل زادت من التبعية والعنف.

تكشف هذه الأمثلة عن نمط ثابت: الذريعة ليست الدافع الحقيقي أبداً. فالسياسة تؤدي وظيفة إضفاء الشرعية، بينما يستجيب الأساس المادي للتدخل لحاجة رأس المال إلى التوسع والسيطرة على الموارد وتأمين الأسواق.

لا يمكن فصل هذه الحروب والتدخلات العسكرية عن مصالح المجمعات الصناعية العسكرية، والشركات متعددة الجنسيات، ورأس المال المالي. فصناعة الأسلحة، المندمجة بعمق مع الدولة الأمريكية، تستفيد بشكل مباشر من الحرب الدائمة، بينما تفتح إعادة الإعمار اللاحقة آفاقًا جديدة للتراكم من خلال الخصخصة، والمديونية، والتبعية التكنولوجية. وهكذا تصبح الحرب تجارة وأداة لحل الأزمات الداخلية للرأسمالية بالعنف.

مقال صادر بصحيفة “إلى الأمام” الإكوادورية،
العدد 2167، بتاريخ 7 جانفي 2026

إلى الأعلى
×