بقلم رشيد السويّح
ما هو هدف «مجلس السلام»؟
ظهر مشروع «مجلس السلام» لأول مرة في نص الخطة الأمريكية للسلام في غزة، التي نُشرت في 29 سبتمبر 2025. وكان من المقرر أن يشرف «مجلس للسلام» يضم شخصيات دولية مختلفة ويترأسه دونالد ترامب، على تنفيذ وقف إطلاق النار وإعادة إعمار غزة.
غير أنّ المشروع عاد للظهور في يناير/كانون الثاني 2026 بصيغة مختلفة جذريًا وأكثر اتساعًا. ويتميّز الميثاق التأسيسي المقترح من الولايات المتحدة عن المشروع الأصلي من ناحيتين أساسيتين:
أولًا، لم يعد هناك أي ذكر لغزة أو لفلسطين؛ إذ بات الهدف المعلن لمجلس السلام هو «ضمان سلام راسخ في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات» (المادة 1).
ثانيًا، لم يعد المجلس يُتصوَّر كهيئة مؤقتة، بل كمنظمة دائمة الوجود.
ومن الواضح أن المشروع، بصيغته هذه، يدخل في منافسة مباشرة مع مجال عمل منظمة الأمم المتحدة. ولا تُذكر الأمم المتحدة في الوثيقة الأمريكية إلا على سبيل التلميح السلبي، بوصفها «مؤسسة أخفقت مرارًا» (الديباجة).
كيف يعمل «مجلس السلام»؟
على الرغم من تحفّظ دونالد ترامب تجاه المؤسسات الدولية، فإن مجلس السلام يتخذ بالفعل الشكل الكلاسيكي لـ«منظمة دولية» (المادة 1). غير أنّ هذه المنظمة تتميّز بنمط عمل غير مألوف، يتمحور بالكامل حول شخصية رئيسها، الذي هو بطبيعة الحال دونالد ترامب نفسه. وقد سُمّي الرئيس في الميثاق بالاسم، وبشكل مستقل عن صفته كممثل للولايات المتحدة، بحيث يظلّ ساكن البيت الأبيض الحالي رئيسًا لمجلس السلام حتى بعد انتهاء ولايته الرئاسية الأمريكية. وسيشغل هذا المنصب إلى أن يختار «الانسحاب طوعًا»، أو إلى أن تُثبت «عدم أهليته» بالإجماع من قِبل لجنة تتكوّن من أقرب معاونيه. وفي كلتا الحالتين، يعود لترامب وحده تعيين خلفه (المادة 3.3).
وتتّسم صلاحيات الرئيس باتساع استثنائي، لا نظير له في قانون المنظمات الدولية. ويتجلّى ذلك أولًا في طريقة تعيين أعضاء مجلس السلام، إذ يتكوّن المجلس حصريًا من دول «يدعوها الرئيس للمشاركة» (المادة 2.1). وتبلغ مدة عضوية الأعضاء مبدئيًا ثلاث سنوات، وهي مدة لا تنطبق على الدول التي تسدّد مساهمة أولية قدرها مليار دولار (المادة 2.2، فقرة ج). ويحتفظ الرئيس، في جميع الأحوال، بحق تجديد عضوية الدول أو إلغائها في أي وقت (المادة 2.3)، فيما يمكن للدول الأعضاء الانسحاب دون إشعار مسبق (المادة 2.4).
وتبرز هيمنة صلاحيات الرئيس بشكل أوضح في آلية اتخاذ القرار. فالرئيس هو من يوافق على جدول أعمال الاجتماعات، وبالتالي على المقترحات التي ستُعرض للتصويت. وتُعتمد هذه المقترحات بأغلبية الأصوات، قبل أن تُحال إلى الرئيس لـ«الموافقة» أو الرفض، ما يمنحه فعليًا حق النقض (الفيتو) على جميع قرارات المنظمة.
كما تظهر صلاحيات الرئيس أخيرًا عند نشوء خلاف بين أعضاء المجلس. فلا وجود هنا لمحكمة عدل مختصة بتسوية النزاعات؛ إذ «يُعدّ الرئيس السلطة النهائية فيما يتعلق بمعنى الميثاق وتفسيره وتطبيقه» (المادة 7).
وعليه، لا يمكن المبالغة في تقدير الدور الممنوح لدونالد ترامب داخل هذه المنظمة الجديدة: رئاسته بلا قيود زمنية، ولا تقابلها أي سلطة مضادّة حقيقية.
ما آفاق «مجلس السلام» وحدوده؟
قد يثير هذا التنظيم، الواقع بالكامل تحت سيطرة رجل واحد، الدهشة أو الاستياء – أو حتى السخرية – غير أنّ الحقيقة هي أنّ القانون الدولي لا يمنع إنشاء مثل هذه البنية؛ إذ تظلّ الدول حرّة في تحديد شروط عمل المنظمات الدولية التي تنشئها وتنضم إليها. ويبقى موضع الاستغراب في كون عدد من الدول – نحو ثلاثين دولة حتى الآن – يرى هذه الشروط مقبولة: تصوّر غريب للسيادة لدى دولٍ عملت طويلًا على عدم الالتزام بالخيارات الجماعية للأمم المتحدة، لتقبل اليوم الخضوع لإرادة رجل واحد ولمفهوم معيّن عن أمريكا. ومع ذلك، تُبدي دول عديدة تشككًا إزاء هذه الصيغة المربِكة؛ وقد أثار رفض فرنسا الانضمام إلى مجلس السلام غضب دونالد ترامب، الذي هدّدها بعقوبات تجارية قاسية.
ذلك أنّ مستقبل المجلس وصلاحياته سيتوقفان إلى حدّ بعيد على حجم الانخراط الذي سيحظى به المشروع. فالدول التي توافق على الانضمام إلى منظمة دولية وحدها تكون مُلزَمة بقواعدها وقراراتها؛ أمّا المنظمة فلا تمتلك أي اختصاص تجاه الدول غير الأعضاء، التي لا تترتب عليها أي التزامات حيالها.
ومع محدودية تأثير المجلس تجاه الدول غير الأعضاء، قد تُواجَه عملياته أيضًا بعوائق حتى داخل عضويته. فالدول الأعضاء تظلّ أطرافًا في ميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي تبقى ملزَمة بقواعده، التي تسمو قانونيًا على سائر الالتزامات الدولية الأخرى (ميثاق الأمم المتحدة، المادة 103). ومن ثمّ، تصبح مسألة التنسيق بين عمل المنظمتين حاسمة، إذ من غير المرجّح أن يقبل دونالد ترامب على المدى الطويل بالبقاء في ظلّ الأمم المتحدة.
صوت الشعب صوت الحقيقة
