الرئيسية / صوت العالم / الامبريالية في مأزقها التّاريخي: حين تصبح الحرب أفق النّظام الرّأسمالي
الامبريالية في مأزقها التّاريخي: حين تصبح الحرب أفق النّظام الرّأسمالي

الامبريالية في مأزقها التّاريخي: حين تصبح الحرب أفق النّظام الرّأسمالي

بقلم حمادي المثلوثي

لم يعد الصّراع بين الامبرياليات مجرّد تنافس ظرفي على النّفوذ، ولا نتيجة أخطاء في إدارة العلاقات الدولية، بل طورا جديدا يتّسم بالتّوتّر الشّامل وتعدّد مراكز الصّدام. فما يشهده العالم اليوم ليس فوضى عابرة، بل تعبير عن تحوّل تاريخي في بنية النّظام الرأسمالي – الامبريالي نفسه، حيث بات العنف المنظّم والحرب جزءا هيكليا من آليات اشتغاله. لقد انتهى زمن “السلام الامبريالي” الذي ساد بعد انهيار المعسكر الشرقي، حين بدت الهيمنة الأمريكية شبه مطلقة. غير أنّ هذه الهيمنة لم تنتج استقرارا دائما، بل راكمت تناقضات اقتصادية ومالية وجيوسياسية أكثر من أيّ وقت مضى.

الأزمة الهيكلية للرأسمالية: الجذر العميق للتصعيد

منذ أزمة 2008، تبيّن أنّ النّظام الرأسمالي لم يعد قادرا على ضمان تراكم مستقر دون اللّجوء إلى الدّيون والمضاربات ونهب الموارد وتكثيف الاستغلال والاعتداء السّافر على الطبيعة. ومع تراجع معدّلات الرّبح، واشتداد المنافسة على الأسواق والطّاقة والمواد الأوّلية، تحوّل التّناقض بين الامبرياليات من تنافس إلى صراع طاحن مفتوح. إذن وضمن هذا السّياق لم تعد الحرب تمثّل انحرافا عن “الطبيعة السلميّة” للرأسمالية، بل هي أحد أشكال استمرار السّياسة الامبريالية بوسائل أخرى. فحين تعجز آليات السّوق والمؤسّسات الدوليّة عن حسم الصّراع يُستدعى السّلاح كأداة حاسمة لإعادة ترتيب موازين القوى مهما كانت الكلفة البشرية والاقتصادية مثلما وقع في الحربين العالميّتين الأولى والثّانية.

تراجع الهيمنة الأحادية واحتدام صراع الامبرياليات

إنّ تراجع الهيمنة الأمريكية لا يعني أفول الامبريالية، بل انتقالها إلى شكل أكثر خطورة. فالولايات المتحدة الأمريكية، في مواجهة صعود منافسين كالصين، واستعادة روسيا لأدوار سياسية وعسكرية، لم تنسحب من موقع القيادة، بل تسعى إلى فرض قواعد جديدة بالقوّة، عبر توسيع الأحلاف العسكرية، وفرض العقوبات وتأجيج بؤر التوتّر. في المقابل لا تطرح القوى الصّاعدة بديلا تحرّريا، بل تسعى بدورها وبطرق مختلفة، ناعمة حينا وصلبة أحيانا أخرى، إلى توسيع مجالات نفوذها ضمن منطق الهيمنة الامبريالية نفسها.

وهكذا يتحوّل العالم إلى حقل صراع متعدّد الاتّجاهات، حيث تتقاطع المصالح الامبريالية وتتصادم، دون وجود مركز قادر على فرض استقرار دائم، رغم محاولات إدارة ترامب إحياء وهم الهيمنة المطلقة، وتقديم الولايات المتحدة الأمريكية كالمتحكّم الأوّل والأخير في خيوط اللّعبة، في حين تكشف الوقائع إنّ هذا الادّعاء ليس سوى غطاء سياسي لأزمة امبريالية متفاقمة.

الحروب الجارية: ترجمة ملموسة للتناقضات المحتدمة

ضمن هذا الإطار تفهم الحروب الرّاهنة بوصفها تجلّيات مباشرة لهذا الصّراع. فالحرب في أوكرانيا ليست دفاعا عن “السّيادة” أو “الدّيمقراطية”، بل صراع بين النّاتو وروسيا على المجال الحيوي والطّاقة ومواقع النّفوذ في أوروبا الشرقية. وهي في جوهرها حلقة من صراع أوسع. وبالمثل يعكس الصّراع حول تايوان وبحر الصّين الجنوبي مواجهة استراتيجية بين الامبرياليتين الأمريكية والصّينية على طرق التجارة العالمية وسلاسل التوريد والتفوّق التكنولوجي. فالصراع هنا لا يدور حول القيم بل حول من يسيطر على مفاتيح الاقتصاد العالمي (الموارد الطاقية والمنجمية والممرات الاستراتيجية…) في القرن الواحد والعشرين. ولا بدّ من الإشارة إلى أن هذه الحروب ليست منفصلة بل مترابطة ضمن منطق واحد ألا وهو: إدارة الأزمة الامبريالية عبر التصعيد العسكري.

فلسطين: مرآة فاضحة للنظام الامبريالي

ضمن هذا المشهد العالمي، تحتل القضية الفلسطينيّة موقعا مركزيا، فهي ليست “نزاعا محلّيا” بل مرآة فاضحة للطّبيعة الدمويّة والعنيفة واللاّأخلاقية للنّظام الامبريالي برمّته. فالكيان الصهيوني يؤدّي وظيفة متقدّمة كقاعدة عسكرية وسياسيّة للإمبريالية في المنطقة، وتتحمّل الامبريالية الأمريكية ومعها بقية الامبرياليات الغربية مسؤولية مباشرة في العدوان المتواصل، من خلال الدعم العسكري والسّياسي والمالي غير المشروط، وتوفير الغطاء الدّيبلوماسي للإبادة الجماعيّة. غير أن هذا التواطؤ لا يقتصر على المعسكر الغربي، فصمت الامبرياليات الصّاعدة، وعلى رأسها الصّين وروسيا، لا يمكن فصله عن منطق المصالح والتوازنات داخل النظام الامبريالي العالمي. فهذا الصمت الذي يتخفّى وراء خطاب “الحياد” و”ضبط النّفس”، يشكّل في جوهره مساندة فعليّة للإبادة، لأنّه يكرّس ميزان قوى يسمح باستمرار تزوير الحقائق والجرائم دون محاسبة. ويؤكّد أنّ هذه القوى، رغم تناقضها مع الامبريالية الأمريكية، لا تخرج في نهاية المطاف عن منطق النظام ذاته.

العسكرة والحروب الطبقية: وجهان لعملة واحدة

ما يميز المرحلة الرّاهنة هو تحوّل العسكرة إلى آلية دائمة لإدارة الأزمة، فميزانيات التسلّح ترتفع إلى مستويات قياسيّة، والصّناعات العسكرية تتحوّل إلى محرّك أساسي للاقتصاد في العديد من الدول الامبريالية. غير أنّ هذا الخيار له ثمن وكلفة اجتماعية باهظة. ففي أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية تُستخدم الحرب والخطر الخارجي ذريعة لتفكيك المكاسب الاجتماعيّة، وفرض سياسات التقشّف، وضرب الأجور والخدمات العموميّة، بينما تتحوّل الموارد نحو آلة الحرب. وبذلك يتكشّف لنا الترابط العميق بين الحرب الامبريالية في الخارج والهجوم الطبقي في الدّاخل حيث تدفع الطبقة العاملة وجميع الكادحين ثمن الأزمة.

الاشتراكية أو البربرية

إنّ تفاقم الصّراعات الامبريالية لا يدلّ على قوّة النّظام بل أزمته الهيكليّة العميقة. فكلّما عجز هذا النّظام عن تقديم حلول اقتصادية واجتماعيّة، لجأ إلى الحرب والدّمار لإعادة إنتاج نفسه ومن هذا المنطلق يصبح الخيار التّاريخي واضحا: إمّا استمرار هذا النظام بما يحمله من حروب ودمار وكوارث أو كسره وتحطيمه جذريّا.

إنّ الاشتراكية ليست شعارا أخلاقيا، بل ضرورة تاريخية تفرضها تناقضات الرّأسمالية نفسها. وحده تجاوز منطق الرّبح والرّبح الأقصى، وبناء نظام يقوم على التخطيط لإنتاج الثروة ومراكمتها وتوزيعها العادل، والتضامن الأممي، وحق الشّعوب في تقرير مصيرها يمكن أن يضع حدّا لدورة العنف الجهنّمية التي وضع فيها النّظام الرأسمالي الإنسانيّة.

لذلك ففي عالم يقوم على حافة صدامات كبرى لا يكون الحياد موقفا ولا الإصلاح الجزئي حلاّ. فالمعركة ضد منطق الحرب والدّمار الممنهج في جوهرها معركة ضدّ الامبريالية وضد النّظام الرأسمالي الذي أنتجها. وهنا يتجدّد المعنى العميق للبديل الاشتراكي ليس كحلاّ طوباويّا بعيد المنال بل كشرط ضروريّ لإنقاذ البشرية من البربرية التي فرضها نمط الإنتاج الرّأسمالي القائم على الرّبح والرّبح الأقصى.

إلى الأعلى
×