بقلم حسين الرحيلي
تونس التي لا تساهم إلا بحوالي 0.07 % من الغازات الدفيئة تتأثر بشكل كبير بالتغير المناخي مثلها مثل بقية دول المتوسط بضفتيه الشمالية والجنوبية. وهذا التأثير ليس وليد السنوات الأخيرة، بل يعود إلى بداية التسعينات. إذ صنف تقرير الأمم المتحدة المتعلق بالماء والصادر خلال شهر مارس 1995، بمناسبة اليوم العالمي للماء، تونس من ضمن 27 دولة دخلت مرحلة الإجهاد المائي.
ورغم هذا التصنيف المبكر، فإن الوعي الرسمي والشعبي بهذه التحولات المناخية لم يكن إلا خلال السنوات الأخيرة التي توالت فيها سنوات الجفاف من ناحية، ونزول كميات كبيرة من الأمطار في وقت وجيز من ناحية أخرى، ممّا تسبب في العديد من الفيضانات التي كانت لها تداعيات كبرى على المدن والسكان وخاصة على البنى التحتية المتهالكة أصلا بالتقادم وعدم الصيانة والتعهد.
ولعل ما حصل خلال فيضانات 2018 بولاية نابل، وجل المدن الساحلية سنة خلال شهر جانفي 2026 لدليل على أننا دخلنا مرحلة المظاهر القسووية للتحولات المناخية، دون سياسات عمومية للتأقلم والتكيف مع هذه التحولات المناخية.
فيضانات متتالية مقابل سياسات عمومية جامدة وفاقدة للنجاعة
الفيضانات ليست مظاهر جديدة على بلادنا، بل إنها شهدت العديد منها وتأثرت البلاد كثيرا وخاصة السكان من تداعياتها سواء على مستوى سلامتهم الجسدية أو أملاكهم وممتلكاتهم. ولعل فيضانات 1969 وبمناطق الشمال الغربي 1972 و1990 بمناطق الوسط الغربي والجنوب الغربي و2003 بمناطق تونس الكبرى ومدن باجة ومجاز الباب وبوسالم وجندوبة، وفيضانات الحوض المنجمي 2009 وخاصة بالرديف، والتي أودت بحياة 39 مواطنة ومواطن، و2018 بولاية نابل، وأخيرا الفيضانات التي كانت أكثر تأثيرا واتساعا إذ شملت أكثر من 11 ولاية ساحلية ودامت الأمطار فيها أكثر من 72 ساعة بشكل متواصل.
وكانت في كل مرة من سنة 1969 إلى اليوم، تعاد نفس الآثار ولكن بأكثر حدة، نظرا للأسباب التالية:
- توسع المدن عشوائيا دون احترام تراتيب العمران والبناء وما تنص عليه أمثلة التهيئة العمرانية، إذ تؤكد جل التقارير أن البناء الفوضوي على المستوى الوطني يمثل 42%، أي أن نصف المدن بنيت بشكل غير قانوني وخارج الأطر الرسمية للتهيئة العمرانية.
- غياب شبه كامل لقنوات تصريف مياه الأمطار بجل المدن وخاصة الموجودة بالأماكن المنخفضة والسباخ والمناطق الرطبة والأودية أو على ضفافها مثل رواد وسكرة والسيجومي والجديدة والمكنين وجل مدن ولاية نابل، والمنستير وبوسالم، وجزء من سيدي بوزيد المحاذية لوادي الدرب، ومدن الحوض المنجمي وخاصة الرديف بسبب تغيير طبوغرافيا المناطق الجبلية المحيطة بالمدينة جراء الاستغلال المنجمي من طرف شركة فسفاط قفصة.
- وجود شبكة وحيدة لتصريف كل مياه السيلان بأغلب مدننا وهي شبكة المياه المستعملة والتي لم تجعل لتصريف مياه الأمطار.
- غياب القانون الذي يحدد من المسؤول عن المياه العمرانية وتصريفها من داخل أمثلة التهيئة العمرانية: وزارة التجهيز أم البلديات أم الديوان الوطني للتطهير. وأمام هذا الغياب القانوني المتعمد في مجال تصريف مياه الأمطار بالمدن، بقيت المسائل المرتبطة بها تتقاذفها الإدارات دون حلول جذرية.
- غياب التمويل والبرامج الخاصة بتصريف مياه الأمطار في إطار تخلي الدولة عن مسؤولياتها تجاه الخدمات العمومية منذ بداية التسعينات إلى اليوم من ناحية، وغياب المراجعات الدورية لأمثلة التهيئة الترابية، وما يترتب عنه من تحديد لبرامج دقيقة لتصريف مياه الأمطار بالمدن تكون متطابقة مع توسعها العمراني وتحديات التغيرات المناخية في نفس الوقت. مثل عدم مراجعة مثال التهيئة العمرانية لمدينة الحمامات منذ 1977.
كما بينت الدراسة التي تم إنجازها من طرف الوكالة اليابانية للتعاون الفني سنة 1994 حول الفيضانات في تونس الكبرى وسوسة الكبرى، أن الدولة التونسية ليست لها أي معطيات أو تقارير تقييمية لأثار وخسائر الفيضانات التي تعرضت لها البلاد ومناطقها منذ 1969، وهو دليل على أن السلطة لا تتعامل مع الفيضانات بمنطق العلم والتقييم والبحث عن الأسباب لمعالجتها مستقبلا بل تتدخل لإطفاء الحريق دون التصرف المسبق في المخاطر.
وأمام هذه المقاربة الجامدة والبيروقراطية في مواجهة الكوارث الطبيعية وخاصة المرتبطة بالفيضانات، فإننا لا نستغرب أن تتكرر الأضرار في كل مرة وبأشكال أكثر قساوة، سواء على مستوى المساكن والأراضي الفلاحية والطرقات وقنوات التطهير والمؤسسات العامة والخاصة. ولعل ما حصل في ولاية نابل سنة 2018 إثر الفيضانات الكبيرة التي اجتاحت الولاية، قد عاود الحصول بأكثر ضراوة في الفيضانات الأخيرة وفي نفس المناطق تقريبا. وذلك مرتبط بغياب أي إجراءات من طرف السلطة القائمة لإصلاح الأوضاع وتفادي النقائص السابقة ومقاومة البناء الفوضوى وجهر الأودية وتعهدها بشكل يضمن تصريفها لكثر كمية ممكنة من المياه السيلان. إضافة إلى غياب أي مقاربة عمرانية جديدة لمقاومة البناء في المناطق المهددة بالفيضانات وخاصة بولايات أريانة وتونس وبن عروس ونابل والمنستير وسوسة.
سلطة تدير الأزمات ولا تدير المخاطر
إن المقاربة التي اشتركت فيها كل الحكومات المتعاقبة على الدولة التونسية في مجال الفيضانات والجوائح والكوارث الطبيعية بشكل عام تتلخص في إدارة أزمة وقوع هذه الكوارث والفيضانات، دون استخلاص العبر وتقييم الآثار وجدوى ما تم إنجازه عمرانيا ومن بنى تحتية أو غيابها أصلا في أغلب الأحيان. وهو ما يجعل من تكرار الفيضانات والكوارث الطبيعية، تكرار لآثارها ولكن بأكثر ضراوة وأكبر خسائر، أمام اتساع المدن وتمددها بمناطق غير قابلة للبناء، وغياب أبسط البنى التحتية من قنوات تصريف مياه الأمطار وتجهيزات عمرانية لحماية المدن من الفيضانات وتركيز الأحواض الرعدية لتقليص سرعة تدفق مياه الأمطار بالمدن والأحياء، خاصة بالمناطق المنخفضة والمهددة أصلا بالفيضانات.
فهل أنجزت السلطة القائمة بنى تحتية لحماية مدن نابل من الفيضانات بعد 2018 ؟ هل أعادت النظر في أمثلة التهيئة العمرانية بالمناطق التي تضررت ؟ طبعا لا. لأن الحكومات المتعاقبة تعمل دوما على القيام بزيارات أثناء الفيضانات لتوظيفها سياسيا دون إعطاء حلول للسكان.
لا يمكن لسلطة تدير الأزمات أن ترتقي إلى مرحلة إدارة المخاطر، وما تتطلبه من تفكير استباقي وإعداد الخطط والبرامج، بناء على تقييمات جدية لما سبق. كما أن إدارة المخاطر المرتبطة بالفيضانات والكوارث الطبيعية تتطلب توفير التمويلات اللازمة لإنجاز ما تتطلبه مثل هذه البنى التحتية. كما أن إدارة المخاطر تتطلب سلطة ديمقراطية تعمل في إطار تشاركي مع كل الأطراف المعنية بالموضوع. فكيف لبلديات مشلولة مسيرة من طرف جهاز إداري بيروقراطي من ناحية وفاقدة للموارد المالية الضرورية أن تستثمر في إنجاز بنى تحتية للحد من تأثير الفيضانات وخاصة بالنسبة للبلديات الموجودة خطاء في مناطق منخفضة ومهدد طبيعيا بالفيضانات.
إن الفيضانات المتواترة في البلاد، والتي أصبح تواترها قصيرا (2018-2026)، لا يمكن إدارتها وحماية أرواح سكان تونس بمنطق “الله غالب” و”إن شاء الله المرة الجاية خير”. بل تدار وفق خطط وبرامج استباقية قائمة على مراجعات شاملة لنسيجنا العمراني وما يتطلبه من بنى تحتية وتجهيزات قادرة على مواجهة غضب الطبيعة الذي لم يعد مثل السابق ارتباطا بتسارع مظاهر التحولات المناخية.
إضافة إلى أنّ البلاد تعيش شحا مائيا كبيرا، وسيتعمق مستقبلا تحت تأثير التحولات المناخية، وبالتالي فالعمل على الحدّ من تأثير الأمطار الطوفانية بالمدن، يجب أن يقترن بخطة دقيقة للاستفادة من مياه الأمطار العمرانية وتجميعها بكل الطرق والوسائل لاستعمالها عمرانيا وفلاحيا وصناعيا وخدماتيا. وبذلك ندير المخاطر للتوقي منتها والاستفادة من آثارها.
صوت الشعب صوت الحقيقة
