الرئيسية / صوت الوطن / واحة جمنة، عندما انتفضت الأرض على الدولة التابعة
واحة جمنة، عندما انتفضت الأرض على الدولة التابعة

واحة جمنة، عندما انتفضت الأرض على الدولة التابعة

بقلم منوّر السعيدي

ليست واحة جمنة مجرد غابة نخيل في الجنوب التونسي، وليست مجرّد ملفّ عقاريّ أو نزاع قانونيّ على ملكيّة أرض. جمنة هي مرآة الصراع الطبقي في تونس ما بعد الثورة، مختبر حيّ يفضح زيف “الدولة الوطنية” ويكشف حقيقتها: دولة بورجوازية تخدم مصالح أقلية ضيقة من الكمبرادور والدول والشركات الاحتكارية العالميّة، وتخشى أيّة تجربة لها طابع شعبيّ، مستقلّ، حتى وإن كانت ناجحة ومنتجة.

جمنة ليست استثناءً، بل قاعدة مكثفة لكل ما حدث منذ 2011. الشعب ينتزع، الدولة تصادر. الجماهير تنظّم، السلطة تقمع. الفقراء ينتجون، البورجوازية تحاكم. ولنا خير دليل محاكمات الحوض المنجمي في السابق، و منطقة البركة، أمّ العرائس بعد الثورة (2014). وصلت الأحكام عشر سنوات. حوكم الأب والابن والأخت من عائلة واحدة. أخيرا محاكمة أهالينا فى قابس… الخ

ومن يقرأ قصة جمنة جيدًا، يدرك أن المسألة ليست نخيلًا ولا تمورًا، بل الملكية، السلطة، ومن يملك الحق في تقرير مصير الأرض والثروة. واحة جمنة كانت، قبل الاستعمار الفرنسي، أرضًا جماعية لقبائل الجهة. جاء الاستعمار فانتزعها بالقوة، وضمّها إلى “ملك الدولة”، ثم أجّرها للمستثمرين الأوروبيين. بعد 1956، لم تُرجع الأرض لأهلها. لم تُصحَّح الجريمة. لم يُحاسَب الاستعمار. بل ورثت الدولة التبعية والعمالة. نفس المنطق: الدولة مالكة، الشعب أجير. الأرض “عموميّة”، لكنّ الشعب ممنوع من تقرير مصيرها.

في عهد بن علي، أُجّرت واحة جمنة لمستثمرين مقرّبين من السلطة بأثمان بخسة، واستُنزفت الأرض، ودُمّر النسيج الاجتماعي، وتحوّلت الواحة إلى مزرعة ريع سياسي.

جاءت الثورة. سقط رأس النظام. لكن لم تسقط علاقات الملكية ولا علاقات الإنتاج ولا جهاز الدولة. في 2011، عاد أهالي جمنة إلى الواحة، وطردوا المستثمرين الفاسدين، واستعادوا الأرض التي سُرقت منهم لعقود. لم ينتظروا قانونًا. لم يستأذنوا وزارة.لم يطلبوا ترخيصًا من دولة كانت شريكة في نهبهم. أسّسوا جمعية محلية لإدارة الواحة. نظّموا العمل. عمال وعاملات قارّون ومسجّلون لدى “الضمان الاجتماعي”. سوّقوا التمور. الأرباح وصلت إلى الواحد فاصل سبعة مليون دينار فى فصل واحد. وزّعوا الأرباح على مشاريع عمومية:
مدارس، مستوصفات، سيارة إسعاف مجهّزة للجهة، المساهمة بشكل لافت لمقاومة وباء كورونا مع إصلاح طرقات، وملاعب، وتوزيع إعانات على الفقراء. لأوّل مرّة، رأينا نموذجًا حقيقيًا “لـاقتصاد شعبي ذاتي”، خارج منطق السوق النيوليبرالي، خارج هيمنة رأس المال الكبير. كانت جمنة تجربة بدائية، لكنها ثورية في جوهرها: الملكيّة جماعيّة. الإدارة ديمقراطية. الثروة تعود إلى المنتجين، لا إلى المستثمرين. وهنا بالضبط بدأ الخطر. دولة “الحيتان الكبيرة” لا تخاف لأن جمنة “غير قانونية” بل تخاف لأن جمنة مثال خارج عن «السياق» ويُخشى أن ينتشر. المثال يقول: الأرض لمن يفلحها. الثروة لمن ينتجها. القرار لمن يعيش نتائجَه. جمنة كسّرت ثلاثة “محرّمات” كبرى في الدولة البورجوازية العميلة: كسّرت احتكار الدولة للملكية. كسّرت احتكار الرأسمال الكبير للاستثمار. كسّرت خرافة أن الشعب عاجز عن التسيير. وهذا أخطر من أيّ مظاهرة.

لذلك، كلّ الحكومات المتعاقبة، من الترويكا إلى نداء تونس/حركة النهضة، ومن الشاهد إلى المشيشي، وصولا إلى منظومة الانقلاب الشعبوية، لم ترَ في جمنة تجربة اجتماعية، بل تمردًا يجب إخضاعه. كلّ ذلك رغم التسويق الشعبوي البائس. في الحملات الانتخابية، زار الجميع جمنة. تصوير، وعود، خطابات عن “العدالة الاجتماعية” و”الاقتصاد التضامني”. لكن حين انتهت الانتخابات، عادت لغة التهديد والمحاكم. يمثّل المسار القضائي لواحة جمنة، الممتد من القضية عدد 1820/1197/2011 إلى آخر جلسة بتاريخ 2 فيفري 2026، مثالًا واضحًا للصراع الطبقي في صورته القانونية، حيث تحوّل القضاء إلى جهاز يعيد إنتاج منطق الملكية الخاصة للدولة البيروقراطية على حساب الجماعة الشعبية. فمنذ استرجاع أهالي جمنة الواحة وتسييرها جماعيًا بعد الثورة، نجحت التجربة في خلق نموذج بديل للإنتاج والتوزيع قائم على التضامن والعمل المشترك، إلا أن الدولة، بوصفها ممثلة لمصالح الطبقة المهيمنة، سعت إلى استرجاع السيطرة على مورد اقتصادي مربح عبر توظيف الترسانة القانونية.

إن تتابع القضايا والأحكام والاستئنافات لم يكن صراعًا قانونيًا محضًا، بل هو تعبير عن تناقض بنيوي بين منطق الرأسمال الذي يرى في الواحة “ملكية” و”مورد ربح”، ومنطق الجماعة الذي يعتبرها “وسيلة عيش” و”ثروة اجتماعية”. وهكذا، فإن جلسة 2 فيفري 2026 لا تمثل نهاية مسار قضائي فحسب، بل لحظة جديدة في صراع طويل بين إرادة شعبية تسعى للتحرر الاقتصادي، وسلطة تسعى إلى إعادة فرض الهيمنة عبر القانون.جمنة تحولت إلى شعار. ثم إلى ورقة. ثم إلى ملف أمني. كلّهم، ممثّلو الأحزاب الرجعية، تاجروا بها: الإسلاميون ادّعوا أنّهم يرون فيها “نموذجًا اجتماعيًا” دون أن يغيروا حرفًا من سياسات الخصخصة. الليبراليّون تحدّثوا عن “تنظيم قانوني” دون أن يعترفوا بحق الملكية الجماعية. الشعبويون بقيادة زعيمهم الأكبر استعملوها كرمز دون حماية فعلية. هكذا تُفرغ الثورات من مضمونها: بالتسويق بدل التنظيم، بالشعارات بدل السلطة الشعبية.و المحاكمات – وتحول القانون إلى عصا طبقية.

حين قررت الدولة ” تطبيق القانون”، لم تُحاسِب شبكات الفساد. لم تسترجع الأراضي المنهوبة. ولم تسجن كبار المستثمرين والمهرّبين والسماسرة . لكنها حاكمت من تمرّد على قانونها البورجوازي. استدعت أبناء الجهة. هدّدت الجمعية. فرضت الغرامات. هنا نفهم أن القانون ليس محايدًا. القانون، كما قال ماركس، هو تعبير عن إرادة الطبقة السائدة. في تونس، هذه الطبقة هي تحالف كبار المستثمرين،مع الأس المال الأجنبي، والمؤسسات المالية الدولية. وجمنة كانت صفعة لهذا التحالف. وكشفت حتى لفاقد البصر والبصيرة أنها ليست قضية محلية – بل سؤالا وطنيّا : من يملك واحة جمنة؟ بل من يملك تونس؟ الأرض؟ الماء؟ الفسفاط؟ الملح؟ الطاقة؟ من يقرر أين تذهب الأرباح؟ الشعب أم حفنة الأثرياء محليين وأجانب؟

جمنة ليست نهاية، بل بداية. ما تحتاجه تونس ليس ترقيع القوانين، بل قلب علاقات الملكيّة. ليس “تشريك القطاع الخاص”، بل تأميم الثروة تحت رقابة عمّاليّة شعبية. ليس “الحوكمة”، بل سلطة مجالس محلية منتخبة تدير الموارد.كما قال لينين: “دون تحطيم جهاز الدولة البرجوازيّ، لا يمكن بناء سلطة الشعب”، سلطة العمّال والفلّاحين والفقراء. جمنة تقول لنا إن الشعب قادر. وأن الدولة الحالية ليست أداة تحرر، بل أداة ضبط.

في الختام : جمنة ستبقى شوكة في حلق دولة التبعيّة والعمالة. سيشيطنون… سيحاكمون سيهدّدون. لكن ما كُسّر في جمنة لن يُرمّم. وَهْم أنّ الدولة تمثّل « الجميع ». جمنة أثبتت أن الأرض يمكن أن تتحرّر. والسؤال الآن: هل تتحرّر تونس؟ من يسعى إلى تحويل جمعيّة جمنة إلى شركة أهليّة يقف موضوعيًا ضدّ أهالي جمنة، مهما حاول تغليف موقفه بشعارات ” الشعبويّة . المسألة واضحة: إمّا أن تكون إلى جانب الشعب وحقّه في إدارة ثروته الجماعيّة، أو أن تكون في صفّ الشعبويّة التي تخدم مصالح رأس المال ومنظومة الانقلاب. لا منطقة وسطى في هذا الصراع الطبقيّ، ولا حياد بين المستغِلّ والمستغَلّ. كلّ محاولة للتّوفيق بين الطرفين ليست سوى خيانة مقنّعة لإرادة الأهاليّ وتشويه لتجربة نضاليّة ولدت من رحم الكادحين.

إلى الأعلى
×