الرئيسية / صوت الثقافة / عندما يرفض الفنان موقع الحياد الكاذب: التونسية كوثر بن هنية والهندية أرونداتي روي تصنعان الحدث في مهرجان برلين للسلام
عندما يرفض الفنان موقع الحياد الكاذب: التونسية كوثر بن هنية والهندية أرونداتي روي تصنعان الحدث في مهرجان برلين للسلام

عندما يرفض الفنان موقع الحياد الكاذب: التونسية كوثر بن هنية والهندية أرونداتي روي تصنعان الحدث في مهرجان برلين للسلام

بقلم مرتضى العبيدي

على هامش مهرجان برلين السينمائي، تقام تظاهرة موازية مكرّسة “للسينما من أجل السلام”، وقد أقيمت هذه السنة يوم السابع عشر من الشهر الجاري بأحد نزل العاصمة الألمانية، ودعي إليها كالعادة عدد من الوجوه الفنية والثقافية والسياسية من بينهم هيلاري كلينتون الوزيرة السابقة للشؤون الخارجية الأمريكية.

كوثر بن هنية ترفض جائزة مهرجان برلين للسلام

وقد دُعيت المخرجة التونسية كوثر بن هنية مخرجة “صوت هند رجب” الحاصل على عديد الجوائز من بينها “الأسد الفضي” في مهرجان فينيسيا سبتمبر 2015 (انظر مقال كوثر الباجي في العدد 94 بتاريخ 2025.09.12 لـ”صوت الشعب”) والذي يوثق جهود الهلال الأحمر لإنقاذ هند رجب، الطفلة الفلسطينية التي قُتلت بنيران الجيش الإسرائيلي خلال غزو غزة عام 2024. ويستند الفيلم إلى حقائق موثقة، تشمل تسجيلات لنداءات استغاثة، وشهادات من رجال الإنقاذ، وتحقيقات صحفية تُظهر أن السيارة المدنية التي كانت تستقلها الطفلة استُهدفت، وأن المسعفين اللذين أُرسلا لإنقاذها قُتلا أيضاً بنيران الجيش الإسرائيلي. دُعيت كوثر بن هنية لمنحها “الحمامة لأكثر الأفلام قيمة لسنة 2026”. فكانت المفاجأة عندما صعدت المخرجة الى منصة التتويج لتعلن عن رفضها تسلّم الجائزة، شارحة موقفها في كلمة قصيرة خاطبت بها لجنة التحكيم والجمهور الحاضر جاء فيها:

“الليلة، أشعر بمسؤولية أكبر من الامتنان.
إن فيلم “صوت هند رجب” لا يقتصر على طفلة واحدة. بل يتناول النظام الذي مكّن من قتلها.
ما حدث لهند ليس حادثة معزولة. إنه جزء من إبادة جماعية.
والليلة في برلين، وفّر البعض غطاءً سياسيًا لهذه الإبادة الجماعية، بإعادة تسمية مذبحة المدنيين بـ”الدفاع عن النفس”. بـ”الظروف المعقدة”. بتشويه سمعة المحتجين.
لكن السلام ليس عطرًا يُرشّ على العنف ليظهر السلطة بمظهر أنيق ومريح. والسينما ليست أداة لتبييض الصور.
إذا كنا نتحدث عن السلام، فعلينا أن نتحدث عن العدالة. العدالة تعني المساءلة.
بدون المساءلة، لا سلام.
قتل الجيش الإسرائيلي هند رجب؛ وقتل عائلتها؛ وقتل المسعفين اللذين هرعا لنجدتها، بتواطؤ من أقوى حكومات ومؤسسات العالم.
أرفض أن تكون وفاتهم مجرد خلفية لحديث منمّق عن السلام. طالما بقيت البنى التي مكّنت من ذلك سليمة.
لذا، لن آخذ هذه الجائزة الليلة. سأتركها هنا تذكيراً.
وعندما يُسعى إلى السلام كواجب قانوني وأخلاقي، قائم على المسؤولية عن الإبادة الجماعية، حينها سأعود لأقبله بفرح”.

وجاء هذا الرفض نتيجة تعمّد لجنة التحكيم تكريم فيلم “الطريق الذي يعيدنا إلى بعضنا”، وهو فيلم وثائقي كندي حائز على جائزة أفضل فيلم لهذا العام – جائزة العدالة والتميز الفخري. وهو يركّز على الجنرال الإسرائيلي نوعام تيبون، ويروي تدخله خلال أحداث 7 أكتوبر 2023، مصورًا إنقاذ عائلته بعد هجمات شنتها حماس. ومن خلال هذا الفيلم، تم تكريم نوعام تيبون شخصيًا، حيث عُرضت أفعاله كعملٍ لحماية وإنقاذ المدنيين الإسرائيليين. وهي عملية بائسة سعت من خلالها لجنة التحكيم الى خلق نوع من التساوي الوهمي بين الضحية والجلاد، رفضتها كوثر بن هنية. وقد نحت نحوها الكاتبة والمناضلة الحقوقية الهندية أرونداتي روي، الحاصلة على جائزة “البوكر” الأدبية سنة 1997 والتي اختارت هي الأخرى عدم تلبية الدعوة لحضور هذه الدورة لمهرجان برلين السينمائي للأسباب نفسها.

أرونداتي روي تنسحب من مهرجان برلين السينمائي الدولي 2026 بسبب تحيز لجنة التحكيم ضد الفلسطينيين

أما الكاتبة الهندية أرونداتي روي، فقد قررت الانسحاب من مهرجان برلين السينمائي الدولي بعد انتقادها “للتصريحات غير المعقولة” لأعضاء لجنة التحكيم، الذين قالوا إن الفن يجب ألا يكون سياسياً عند سؤالهم عن الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة.

كان من المقرر أن تحضر روي عرض فيلمها “In Which Annie Gives It Those Ones” (1989) ضمن قسم الأفلام الكلاسيكية في مهرجان برلين السينمائي الدولي 2026.

وفي بيان شديد اللهجة، قالت روي إن اختيار الفيلم ملأها في البداية بالدفء والحنين. وأشارت إلى أنها لطالما شعرت بالانزعاج من مواقف الحكومة الألمانية والعديد من المؤسسات الثقافية بشأن فلسطين. ومع ذلك، قالت إنها تلقت باستمرار تضامناً من الجمهور الألماني عند حديثها عن غزة، مما شجعها على التفكير في حضور المهرجان.

إلا أن روي قالت إنها غيرت قرارها بعد سماعها تعليقات من أعضاء لجنة تحكيم في وقت سابق من ذلك اليوم.

كتبت روي: “مثل ملايين الناس حول العالم، سمعتُ التصريحات غير المعقولة التي أدلى بها أعضاء لجنة تحكيم مهرجان برلين السينمائي عندما طُلب منهم التعليق على الإبادة الجماعية في غزة”.

ووصفت روي تصنيف الإبادة الجماعية كقضية سياسية، ثم الإصرار على فصل الفن عن السياسة، بأنه “أمرٌ مُذهل”. وأضافت أن هذا التأطير يُغلق باب النقاشات المُلحة حول جريمة ضد الإنسانية.

أوضحت روي في رسالتها أنها تعتقد أن الأحداث في غزة ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين. وأضافت أن الولايات المتحدة وألمانيا، إلى جانب العديد من الحكومات الأوروبية، تدعم إسرائيل وتمولها، وبالتالي تتحمل جزءًا من المسؤولية.

وأضافت: “إذا لم يستطع أعظم صانعي الأفلام والفنانين في عصرنا أن يقفوا ويقولوا ذلك، فعليهم أن يعلموا أن التاريخ سيحاسبهم”، مضيفةً أنها شعرت “بالصدمة والاشمئزاز”.

واختتمت روي بيانها بتأكيد أنها، “بأسفٍ بالغ”، لن تحضر مهرجان برلين السينمائي.

وقد أثارت هذه القضية جدلاً واسعاً بعد أن طلب صحفيون من أعضاء لجنة تحكيم مهرجان برلين السينمائي الدولي التعليق على الإبادة الجماعية في غزة ودعم ألمانيا لإسرائيل، التي تمول المهرجان أيضاً.

وكانت المنتجة البولندية إيفا بوشتشينسكا، عضوة لجنة التحكيم، قد رفضت الإجابة عن السؤال مدّعية أن “هناك حروب أخرى كثيرة تُرتكب فيها جرائم إبادة جماعية، ولا نتحدث عنها”. ووصفت القضية بأنها “معقدة”، وزعمت أنه من غير العدل مطالبة أعضاء لجنة التحكيم بالتعليق على سياسات الحكومات.

ويُفاقم انسحاب روي التوترات المتصاعدة في الأوساط الثقافية الأوروبية بشأن الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة. وقد ازداد النقاش بين الفنانين والكتاب وصناع الأفلام حول ما إذا كان ينبغي للمنصات الثقافية اتخاذ مواقف سياسية.

وفي المحصّلة،

فإن رفض كوثر بن هنية تسلم الجائزة وانسحاب أرونداتي روي من مهرجان برلين السينمائي الدولي 2026 ليس مجرد حركة بسيطة، بل هو إدانة صريحة. ففي مواجهة لجنة تحكيم تُصرّ على ضرورة “النأي بالفن عن السياسة”، تُدين المبدعتان عنف الصمت وسط الدمار الذي يُعانيه قطاع غزة. وبرفضهما إضفاء الشرعية على منصة تتجاهل معاناة الفلسطينيين، فهما تُذكّراننا بأن الحياد، في أوقات الظلم، هو تواطؤ. لذلك اختارتا المقاومة. ففي عالم يتوق إلى تجريد الفن من بُعده السياسي، يُعيد رفضهما إليه أهميته الأخلاقية، وهما تصرّان على أن سرد القصص لا ينفصل عن الحقيقة، ولا الثقافة عن صرخات المظلومين.

إلى الأعلى
×